شرح كتاب "التأصيل لأصول التخريج"للشيخ بكرأبوزيد(2) شرح الشيخ أبوحفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح كتاب «التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل» للعلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، يشرحه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ فيه شرح مقدمة الكتاب، وفيها يبيّن المؤلف موضوع كتابه ومنهجه في عرض مسائله، ويقرر أن الكتاب في حقيقته فقهٌ للحديث ومصطلحه وعلومه ورجاله.
وتظهر أهمية هذا المجلس في أنه يصحح تصورات شائعة عند كثير من طلاب الحديث. فقد يظن الطالب أن دراسة كتاب أو كتابين في المصطلح تجعله محدِّثًا مخرِّجًا، أو أن كثرة الأسانيد والإجازات والإحالات هي غاية هذا العلم. ويبيّن الشيخ أن صناعة الحديث ملكةٌ تُكتسب بطول الممارسة وصدق النية، مع توفيق الله تعالى قبل ذلك كله.
أهداف التعلم: أن يفهم المشاهد منهج الشيخ بكر أبو زيد في كتابه، ويتعرف على آداب مجالس الإملاء عند المحدثين، ويعرف معنى «جرد المطولات» وطريقته، ويدرك الفرق بين التخريج القائم على الذوق العلمي والتخريج القائم على تقليب الفهارس، وأن يعلو بهمته في طلب العلم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: موضوع الكتاب ومنهج مؤلفه
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يفتتح بها خطبه. ثم بيّن أن موضوع الكتاب كما قرره مؤلفه هو «فقه الحديث ومصطلحه وعلومه ورجاله». ومنهج الشيخ بكر أنه ينقّح الأقوال في المسألة الواحدة إذا تعددت، ثم يلخصها ويرتبها.
ويزيّن المؤلف ذلك بفوائد عزيزة ونوادر ولطائف، ولذلك عبّر عنها بأنها «موشّحة». والوشاح ما يُتزيَّن به، فشبّه هذه الفوائد بالحلية التي تُجمِّل الكتاب، وهذا على عادة أهل الحديث. ومع ذلك يلتزم المؤلف «لغة العلم بتحقيقات وسيطة»، فلا يرتفع بالعبارة إلى حدّ الغموض، ولا ينزل بها إلى أسلوب القُصّاص والحكايات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
[آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
[الأحزاب: 70-71]
«إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»
[رواه النسائي، وأصله في صحيح مسلم]
المحور الثاني: سنة الإملاء وآداب المحدِّث
استشهد المؤلف بقول الحافظ العراقي في ألفيته في آداب المحدث: «واستحسنِ الإنشادَ في الأواخرِ ... بعدَ الحكاياتِ مع النوادرِ». وشرح الشيخ أن هذا من آداب مجالس الإملاء، وهي سنة قد انقرضت في زماننا. وقد أملى الحافظ ابن حجر أكثر من ألف مجلس، ومن أماليه كتاب «نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار»، ولذلك يجد القارئ فيه: المجلس الأول، فالثاني، وهكذا.
وكان مجلس الإملاء يُفتتح بشيء من القرآن الكريم، ثم يملي الشيخ الحديث بتخريجه، من حفظه أو من كتابه. وكان يذكر معه فوائد في الجرح والتعديل والعلل، ويختم المجلس بحكاية فيها عظة، ونادرة لطيفة، وأبيات من الشعر. والمقصود أن تعمّ الفائدة كل الحاضرين، فيجد المحدّث بغيته، ويجد اللغوي والأديب بغيتهما. ومن أماليهم ما سُمّي بـ«الأمالي المطلقة».
وذكر المؤلف فائدة لطيفة من عجائب الاتفاق، وهي أن شيوخ ابن حجر الثلاثة: ابن الملقّن والبُلقيني والعراقي، وُلد كلٌّ منهم قبل الآخر بعام، وتوفي قبله بعام. فأولهم ابن الملقّن، ولد سنة 723هـ وتوفي سنة 804هـ رحمهم الله جميعًا.
المحور الثالث: جرد المطوّلات وعلو الهمة في الطلب
وقف الشيخ عند قول المؤلف: «حريٌّ أن تُبذل في تحصيلها أعمار، وتُجرَد من أجلها الأسفار، وتُطوى لها أسفارٌ بعد أسفار». وبيّن ما فيه من الجناس، فالأسفار الأولى هي الكتب، والأسفار الثانية تحتمل معنى الكتب ومعنى الرحلات. ثم شرح منهج «جرد المطوّلات»، فالكتب نوعان:
- كتب تُدرس وتُشرح ويُوقف عندها: مثل «فتح الباري»، لأنه شرح للصحيح.
- كتب تُجرد ولا تُدرس: مثل «تاريخ الطبري» و«تهذيب الكمال» و«تاريخ دمشق» لابن عساكر. يمر عليها الطالب مرورًا سريعًا بذكاء وفطنة، فإذا وجد فائدة قيّد موضعها ليرجع إليه.
ونبّه الشيخ إلى أن الجرد يناسب أوقات الفتور والتعب، حتى لا ينقطع الطالب عن العلم. ولا حرج أن يدرس الطالب بعض المطوّلات دراسةً متأنية، مثل «سير أعلام النبلاء»، فإنه يعينه على جرد غيره.
وحذّر الشيخ من ضعف الهمة، كمن يقول: تكفيني البيقونية، ولا حاجة لي بفتح المغيث، أو يكتفي بالأربعين النووية ويدع صحيح البخاري. فمن كانت نهاية همته ذلك فلن يفلح في العلم. وضرب مثلًا بابن الجوزي، فقد كان واعظ عصره، يجلس الخلفاء والسلاطين لسماعه. فلما امتُحن في آخر عمره ونُفي إلى واسط، أخذ ابنه معه وجلس يطلب علم القراءات بين من هم أصغر منه سنًّا. وقد علّق الذهبي على ذلك متعجبًا: «فانظر إلى هذه الهمة العالية».
«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»
[متفق عليه]
«مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا»
[رواه الحاكم والطبراني، وفي إسناده مقال]
المحور الرابع: الملكة الحديثية وطريق تحصيلها
بيّن المؤلف أن من درس هذا الكتاب كاملًا فإنما أخذ بعض أصول التخريج، وأن ذلك وحده لا يؤهله لتسنّم التخريج. فهذه الأصول لا تُنال بالتعلم والتعليم وحدهما، وإنما «تنقدح عن نفسٍ تمكّنت من أصل الأصول»، ورأس ذلك توفيق الله تعالى. ثم تأتي بعده أمور، منها:
- البصيرة بأصول الحديث ومصطلحه، وبشروحه ورجاله وطبقاتهم، ومراتب النقاد فيهم.
- مراعاة ألفاظ العلماء ومعرفة اصطلاح كل إمام منهم.
- التمرّس بطول الكشف وكثرة البحث والدرس، وهو ما كان يسميه الشيخ الألباني رحمه الله «الممارسة».
- مشافهة الشيوخ والرحلة في الطلب.
- حسن الفهم وصلاح النية والقصد.
فإذا اجتمعت هذه الأمور تكوّنت عند الطالب ملكة يدخل بها «في درج التخريج بالتدريج»، حتى يختلط الحديث بلحمه ودمه. وهذا ما كان عليه أئمة الشأن، فكانوا يُعلّون الحديث وقد لا يستطيعون التعبير عن علّته إلا بأن يقولوا: هذا لم يقله النبي ﷺ. فإذا سُئل غيرهم من الأئمة، كأبي حاتم الرازي وابن وارة، اتفقوا على الحكم. وكان الذهبي كثيرًا ما يقول عن بعض المتون: «هذا أشبه بكلام الطرقيّة». فقد يكون الإسناد كالشمس، والمتن ليس عليه نور النبوة.
واستشهد الشيخ بقول الشاعر بعد أن أبدل لفظ المجد بالعلم: «لا تحسبنّ العلمَ تمرًا أنت آكلُه ... لن تبلغَ العلمَ حتى تلعقَ الصَّبِرا». وذكر أن قومًا دخلوا هذا الشأن وليسوا من أهله، ففضحوا أنفسهم.
المحور الخامس: الذوق العلمي في مقابل تقليب الأوراق وجمع الأسانيد
قرّر المؤلف أن أصحاب هذه الملكة قليلون، فقال: «هم في قلّتهم بين المنتسبين إلى مقالتهم أعزّ من مذهب أهل السنة في الملل». وعلّل الشيخ قلتهم بأن أكثر الناس يتعجّلون. ثم انتقد من جعل رأس ماله جمع الأسانيد والإجازات، كمن يفخر بأنه يروي صحيح البخاري من مائة طريق، فإذا سُئل عن منهج البخاري وشرطه وفقه تبويبه لم يُحسن الجواب. وبيّن الشيخ أن الإسناد والإجازة لهما نوع فائدة، لكنهما ليسا من الأصول التي تُنشئ عالمًا أو محدِّثًا.
وفرّق المؤلف بين من رُزق «الذوق العلمي في التخريج» ومن «نصيبه تقليب الأوراق والإرهاق بالحوالات». وانتقد الشيخ من يفخر بأنه خرّج الحديث من أربعين كتابًا بواسطة الفهارس، بينما خرّجه غيره من عشرة كتب من المخطوطات. فالإسناد واحد، والعبرة بالفهم والخبرة. وأوصى بمراجعة مقدمة كتاب «المتنبي» للأستاذ محمود محمد شاكر، المطبوعة مفردةً بعنوان «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»، لفهم معنى التذوّق العلمي.
وذكّر الشيخ بالعصور الذهبية لعلم الحديث، ففي عصر ابن تيمية مثلًا كان ابن دقيق العيد والمزّي والذهبي والبِرزالي وابن سيد الناس وابن القيم وابن رجب وابن عبد الهادي وابن كثير. ثم بيّن أن الألباني رحمه الله فاق أهل عصره بعد توفيق الله لأنه وافق الكبار بعلم وخالفهم بعلم.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
[البقرة: 148]
النقاط الرئيسية
- موضوع كتاب «التأصيل» هو فقه الحديث ومصطلحه وعلومه ورجاله، بتنقيح للأقوال وتزيين بالفوائد والنوادر، مع التزام لغة العلم.
- مجالس الإملاء سنة حديثية انقرضت، وكانت تُختم بالحكايات والنوادر والإنشاد، وقد أملى ابن حجر أكثر من ألف مجلس.
- جرد المطوّلات منهج نافع، وهو المرور السريع على الكتب الكبيرة مع تقييد الفوائد، ويختلف عن كتب الدراسة والشرح.
- دراسة كتاب واحد في الأصول لا تصنع محدِّثًا، وإنما تُكتسب الملكة بالتوفيق والممارسة الطويلة ومشافهة الشيوخ.
- الملكة الحديثية تجعل صاحبها يميّز كلام النبوة من غيره، كما كان أئمة العلل يفعلون.
- جمع الأسانيد والإجازات والإكثار من الإحالات ليس من أصول العلم إذا خلا من الفهم والذوق العلمي.
- صلاح النية شرط في هذا الطريق، فالعامل لله يختلف عن العامل للدنيا.
الفوائد والعبر
- داوم على الممارسة ولو بالقليل: اجعل لنفسك وردًا يوميًّا من حديث رسول الله ﷺ وشروحه ورجاله، ولو حديثًا واحدًا قبل النوم بإسناده.
- استثمر أوقات الفتور: اجرد كتب التاريخ والتراجم المطوّلة، وقيّد ما تجده من فوائد في دفتر خاص لتعود إليه.
- ارفع همتك ولا تستصغر نفسك: اقتدِ بابن الجوزي الذي طلب علمًا جديدًا في آخر عمره، ولا تكتفِ بالمختصرات.
- قدّم الفهم على المظاهر: لا تجعل غايتك كثرة الإجازات أو الإحالات، بل افهم مناهج الأئمة واصطلاحاتهم وقواعدهم.
- أخلص النية: اجعل خدمة السنة لله تعالى، وتذكّر قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، واصبر على مرارة الطلب.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات