شرح كتاب "التأصيل لأصول التخريج"للشيخ بكرأبوزيد(11) شرح الشيخ أبوحفص بن العربي الأثري.

3,090 مشاهدة
487 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي عشر من مجالس شرح كتاب «التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل» للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، يقدمه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس مرحلتين من أدق مراحل دراسة الأسانيد. الأولى مرتبة «البتّ في حال الراوي»، وفيها يصدر الناقد حكمه على الراوي بعد جمع أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه. والثانية مرتبة «النظر في اتصال السند»، وفيها يتحقق الباحث من سلامة الإسناد من السقط الظاهر والخفي.

ولهذا الباب أهمية كبيرة، فبه يُعرف الحديث المقبول من المردود، ويُعرف ما يتقوى بتعدد الطرق وما لا يتقوى مهما كثرت أسانيده. ويفرّق الشارح فيه تفريقًا دقيقًا بين الطعن في العدالة والطعن في الضبط، ويبيّن ما يترتب على كل منهما من أحكام.

ويهدف المجلس إلى أن يعرف طالب العلم الحالات الأربع التي ينتهي إليها البحث في حال الراوي، وأن يميّز أسباب الطعن الخمسة في العدالة وأسبابه الخمسة في الضبط، وأن يتعرف أنواع السقط في الإسناد. ويتضمن المجلس كذلك توجيهات تربوية في أدب طالب العلم مع العلماء، والتحذير من منهج الغلو في التبديع والتجريح.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مرتبة البتّ في حال الراوي والحالات الأربع

بعد فحص حال الراوي وجمع ما قيل فيه، يتبين للناقد حكمه، فيوثّقه أو يضعّفه. وقد يكون التضعيف من جهة الضبط فيكون الراوي ضعيفًا، وقد يكون من جهة العدالة فيكون كذابًا أو متهمًا بالكذب. ومردّ ذلك كله إلى أقوال الأئمة النقاد الثقات. وينتهي البحث في حال الراوي إلى واحدة من أربع حالات.

الحالة الأولى: أن يكون الراوي تام العدالة تام الضبط، فحديثه صحيح لذاته ولو انفرد به. ومثاله راوٍ يقول فيه الإمام أحمد «ثقة»، ويقول فيه شعبة «جبل من جبال الحفظ»، ويقول فيه أبو حاتم «ثقة ثقة».

الحالة الثانية: أن يكون الراوي عدلًا خفيف الضبط، له بعض الأوهام التي تنزله من المرتبة العليا إلى المرتبة الوسطى ولا تبلغ به حد الضعف. فحديثه فيما لم يُخطئ فيه حسن لذاته ولو انفرد، فإن تعددت طرقه صار صحيحًا لغيره.

الحالتان الثالثة والرابعة: أن يكون في الراوي طعن من جهة عدالته أو من جهة ضبطه. وهاتان الحالتان هما محل الحديث المردود بأقسامه: الموضوع، والواهي، والمتروك، والضعيف الذي لا ينجبر، والضعيف المنجبر ومنه الحسن لغيره. وتتفاوت هذه الأقسام في نفسها بحسب تفاوت الصفات المعتبرة وجودًا وعدمًا، فالكذاب غير المتهم بالكذب، والمتهم بالكذب غير الضعيف الذي كثر خطؤه.

المحور الثاني: أسباب الطعن في عدالة الراوي

أسباب الطعن في العدالة خمسة:

  • الكذب: وهو أخسّها وأرذلها، وحديث صاحبه هو الموضوع.
  • التهمة بالكذب: وحديث صاحبها هو المتروك. والفرق بينهما أن الكذاب يكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أما المتهم بالكذب فيكذب في حديث الناس وإن لم يُعرف عنه الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
  • الفسق بالقول أو العمل: كمن يعد فيُخلف، أو يخون الأمانة، أو يشرب الخمر. وحديثه يُسمّى المنكر، وقيل: بل هو المتروك.

وحديث هؤلاء الثلاثة لا يُعتبر به بحال، فلا يرتقي ولو تعددت طرقه وكثرت أسانيده. ولذلك قرر أهل العلم أن تعدد الطرق إنما يفيد الحديث إذا لم يكن الطعن في العدالة. ويستشهد الشيخ هنا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: 69]، ويقول في حديث هؤلاء: إنه لا يرتقي حتى ﴿يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40].

  • الجهالة: وهي نوعان. الأول مجهول العين، وهو من لا يُعرف من هو أصلًا، وهذا لا قيمة لحديثه. والثاني مجهول الحال، وهو المستور الذي تُعرف عينه ولا يُعرف ضبطه. ويُعتبر بحديث المستور إذا كان من أهل القرون الثلاثة المفضلة، أما من جاء بعدها ففيه نظر.
  • البدعة في الاعتقاد: كبدعة الخوارج والمرجئة والجهمية والأشاعرة والشيعة. والمقصود بالشيعة هنا متشيعو المتقدمين، لا الرافضة. وحديث المبتدع على مراتب، منها الموضوع والمتروك والمنكر. أما المبتدع غير الغالي وغير الداعي إلى بدعته فيُنظر في صدقه وأمانته. وقد قال الإمام الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب في «ميزان الاعتدال»: «شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته».

ويؤكد الشيخ أن من شرط الراوي أن يكون أمينًا صادقًا في كلامه ووعوده وحياته كلها، لأنه ناقل للشريعة وحاملها. ويشتد هذا الشرط في حق من يقف على المنابر، إذ لا يليق بمن يدعو الناس إلى تقوى الله أن يخالف ما يدعو إليه.

المحور الثالث: أسباب الطعن في ضبط الراوي

أسباب الطعن في الضبط خمسة كذلك:

  • الغلط في الأداء: إن غلب الغلط على الراوي فحديثه منكر، وقيل متروك، ولا يُعتبر به. وإن لم يغلب عليه فحديثه ضعيف يُعتبر به وينجبر فيما لم يغلط فيه. ويُعرف الخطأ بجمع الطرق وبتنصيص العلماء.
  • الغفلة في السماع والتحمّل: كمن ينشغل في مجلس السماع فلا يضبط ما يسمع، أو يكتب عن الشيخ ثم تضيع كتبه. فإن فحشت غفلته وغلبت عليه فحديثه منكر أو متروك، وإلا فهو ضعيف ينجبر.
  • الوهم: وهو الذي يُطّلع عليه بالقرائن وجمع الطرق بعد التفتيش، وحديث صاحبه هو المعلّل. وعلم العلل قائم على كشف أخطاء الثقات وأوهامهم. فمن غلب عليه الوهم لم يُعتبر بحديثه، وإلا فهو ضعيف يُعتبر به.
  • المخالفة: ويدخل فيها الشاذ، وهو مخالفة الراوي المقبول لمن هو أوثق منه صفةً أو عددًا. ويستدرك الشارح على المصنف بأن الأولى أن يقال «الموثّق» بدل «الثقة»، ليدخل فيه الصدوق، وأن يُنصّ على المخالفة صفةً وعددًا. ويدخل في المخالفة أيضًا: المنكر بمعنى مخالفة الضعيف للثقة، والمضطرب، والمعلّل، والمزيد في متصل الأسانيد، وزيادة الثقات، والمدرج، والمقلوب، والمصحّف، والمحرّف.
  • سوء الحفظ: وحديث صاحبه هو الشاذ على رأي، وقيل: بل هو المنكر. ويدخل فيه المختلط إذا لازمه سوء الحفظ ورُوي عنه بعد اختلاطه، والملقَّن الذي يُلقَّن فيتلقّن. ومثال الملقَّن سفيان بن وكيع، فقد ابتُلي بورّاق سوء كان يلقّنه فيقبل، فضعّف الأئمة حديثه.

المحور الرابع: الإنصاف مع العلماء والتحذير من منهج الغلو في التجريح

ينبّه المصنف إلى أنه قلّ من نجا من الخطأ والوهم، ولذلك تُحمل رواية الثقة على الصواب ما لم يقم دليل واضح على خطئه، فيُترك ما أخطأ فيه وتبقى سائر رواياته على الصواب. ويستطرد الشارح من هذه القاعدة إلى الواقع المعاصر، فيقرر أنه لو أُهدر كل عالم لخطأ وقع فيه لما بقي أحد. ويحذّر من مسلك بعض المنتسبين إلى العلم ممن ضاقت صدورهم، فجعلوا أهل السنة محصورين في أنفسهم، وتسرّعوا في التبديع والتضليل دون علم ولا أهلية.

ويبين الشيخ أن مسائل التبديع والتضليل والتكفير من أدق المسائل وأخطرها. فلا بد فيها من التفريق بين الخطأ المنهجي والخطأ في الفتوى، وبين من تعمّد المخالفة ومن لم تقم عليه الحجة ولم تُبيَّن له المسألة. ويُمدح الرجل بكثرة صوابه وقلة خطئه، وفي الحديث: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ». وفي الحديث أيضًا: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ».

ويحذّر الشيخ كذلك من التقليد الأعمى والتقلّب في الأحكام الشرعية تبعًا للأهواء والمصالح، كأن تُحرَّم مسألة ثم تُفرض دون دليل، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]. ويشير إلى أن منهج الغلو يأكل أصحابه، فيبدّع بعضهم بعضًا حتى يتفرقوا، كما كان حال الخوارج، يجتمعون أول الليل طائفة واحدة ثم يتفرقون عند السحر ثلاث طوائف.

المحور الخامس: مرتبة النظر في اتصال السند

بعد تشخيص منزلة الرواة في العدالة والضبط، ينتقل الباحث إلى الشرط الثالث من شروط الصحة، وهو اتصال السند. وينقسم السند باعتبار عدد الوسائط إلى العلوّ والنزول. والعلو قسمان: علوّ مطلق، وهو ما قلّت وسائطه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعلوّ نسبي، وهو ما قلّت وسائطه إلى إمام كبير كشعبة.

وينقسم السند باعتبار الاتصال إلى متصل وما فيه انقطاع. والسقط الجليّ أربعة أنواع:

  • المعلّق: ما سقط من أول إسناده راوٍ فأكثر من جهة المصنِّف.
  • المرسل: ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • المنقطع: ما سقط من أثناء سنده راوٍ أو أكثر على غير توالٍ.
  • المعضل: ما سقط من أثناء سنده راويان فأكثر على التوالي.

والسقط الخفيّ نوعان. الأول المدلَّس، وهو أن يروي الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، موهمًا السماع بصيغة محتملة مثل «قال» و«عن». والثاني المرسل الخفي، وهو أن يروي المعاصر عمن عاصره ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه شيئًا.

ويُعرف الاتصال أو الانقطاع بعدة وسائل:

  • الالتفات إلى صيغ التحديث في السند: هل قال الراوي «عن» أم «حدثنا» أم «سمعت».
  • معرفة منازل التلاميذ من شيوخهم.
  • معرفة تواريخ الوفيات والرحلات، كأن يكون الشيخ قد مات قبل تحمّل الراوي عنه، فيُكشف بذلك الكذّاب أو المرسِل.
  • تنصيص الراوي نفسه أو أحد أئمة النقد على عدم اللقاء بينهما.
  • معرفة من حضر مجالس السماع ومن غاب عنها.

ومن صور زوال الانقطاع أن يصرّح المدلّس المعنعن بالسماع في طريق آخر، أو يصرّح المرسِل بالواسطة في طريق آخر، أو يثبت الانقطاع ثم يحصل له جابر بشرطه.

النقاط الرئيسية

  • حديث تام العدالة تام الضبط صحيح لذاته ولو انفرد، وحديث العدل خفيف الضبط حسن لذاته، ويصير صحيحًا لغيره إذا تعددت طرقه.
  • أسباب الطعن في العدالة خمسة: الكذب، والتهمة بالكذب، والفسق، والجهالة، والبدعة.
  • حديث الكذاب والمتهم بالكذب والفاسق لا يتقوى بتعدد الطرق مهما كثرت.
  • أسباب الطعن في الضبط خمسة: الغلط في الأداء، والغفلة في التحمل، والوهم، والمخالفة، وسوء الحفظ. وما لم يغلب منها على الراوي فحديثه ضعيف ينجبر.
  • المبتدع غير الداعي وغير الغالي يُنظر في صدقه وأمانته، فله صدقه وعليه بدعته.
  • رواية الثقة محمولة على الصواب ما لم يقم دليل واضح على الخطأ، ولا يُهدر العالم بخطئه.
  • السقط في الإسناد جليّ، وهو المعلق والمرسل والمنقطع والمعضل، وخفيّ، وهو المدلس والمرسل الخفي، ويُكشف بالسبر ومعرفة التواريخ وصيغ الأداء.

الفوائد والعبر

  • الصدق والأمانة شرط في حملة الدين، فعلى الداعية والخطيب أن يكون قدوة في سلوكه قبل أن يأمر الناس بالتقوى.
  • الإنصاف مع العلماء من منهج أهل السنة، فيُوزن العالم بكثرة صوابه، ولا يُسقط لزلة أو خطأ لم تقم عليه فيه الحجة.
  • ينبغي لطالب العلم أن ينشغل بالتحصيل والتأصيل لا بتتبّع العثرات، وأن يحذر من التسرع في التبديع والتضليل بلا علم ولا أهلية.
  • من صفات طالب العلم الحقيقي التثبت في النقل والدقة في التحمل، والتفريق بين السماع المباشر وغيره، فلا يقول «سمعت» إلا فيما سمعه حقًا.
  • ينبغي الحذر من التقليد الأعمى والتقلب في الأحكام تبعًا للأهواء، والتمسك بالدليل الشرعي وفهم العلماء الراسخين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات