شرح كتاب "التأصيل لأصول التخريج"للشيخ بكرأبوزيد(9) شرح الشيخ أبوحفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس التاسع من شرح كتاب «التأصيل لأصول التخريج» للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، يقدّمه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس موضوعًا محوريًا لطالب علم الحديث، وهو طرق استخراج الحديث، أي الوسائل التي يصل بها الباحث إلى موضع الحديث في مصادره الأصلية المسندة. ويختم الدرس بالتمهيد للمبحث الثالث، وهو طرق التخريج التي هي من وظيفة المحدّث.
ويبيّن الشيخ أن هذه الطرق تبلورت عند أهل العلم من خلال الممارسة العملية، فانتظمت في قالبين كبيرين: معالم في الإسناد ومعالم في المتن. وهي بمنزلة المفاتيح التي تُقرّب السنة وتُيسّر الوقوف على المطلوب مما في بطون الأسفار. ويشدّد الشيخ على أن الطالب لا يستغني بالفهارس الحديثة عن التدريب العملي تحت إشراف شيخ يوجّهه.
ومن أهداف الدرس أن يعرف الطالب أنواع طرق الاستخراج الإسنادية والمتنية، وأن يميّز المصادر التي يُرجع إليها بحسب حال الحديث وراويه، وأن يكتسب صفات الباحث الحديثي من فطنة ودقة وصبر، وأن يتجنّب التسرّع في الحكم بعدم وجود الحديث، والإسراف في التخريج حيث لا حاجة إليه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: طرق استخراج الحديث ومكانتها في الطلب
يستهل الشيخ بالإشارة إلى أن بعض الأمور أوضح من أن تُعرَّف، ونقل في ذلك قول القاضي أبي بكر بن العربي في «عارضة الأحوذي» عن العلم: «هو أبين من أن يُبيَّن». ثم ذكر أن من ثمرات علم التخريج تقريب السنة وتيسير الوصول إلى المطلوب، بنصب علامات يُهتدى بها إلى ما في بطون الكتب، فهي لها كالمفاتيح، توقف الطالب على الحديث بيسر واستقصاء.
وبيّن أن هذه الطرق لا تحصل إلا لمن حاز قدرًا من كتب السنة وعلومها وتراجم رجالها، وتمرّس بالنظر فيها، وتدرّب عمليًا على تخريج حديث بعد حديث على يد شيخ يدلّه ويهديه. وأكّد أن التدريب المقصود هو ما كان عليه أهل العلم قبل ظهور الفهارس، أما من أراد الاختصار فيذهب إلى الفهارس مباشرة، غير أن الممارسة العملية تُكسب الطالب ملكة لا تحصل بالفهارس وحدها.
وذكر أن للتعب في البحث طعمًا ولذة، وأن الله لا يضيع عمل العامل، مستشهدًا بمعنى قوله تعالى:
﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]
المحور الثاني: معالم الإسناد في استخراج الحديث
أولًا: الاستخراج عن طريق مخرج الحديث (الصحابي)، ومثاله كتاب «تحفة الأشراف» للمِزّي رحمه الله، فقد رتّبه على المسانيد لا على الموضوعات. فإن كان الصحابي مُقلًّا ذكر التابعين الراوين عنه، وإن كان مُكثرًا ذكر التابعي ثم من روى عنه، ثم من روى عن هذا إذا كثرت الرواية. فيذهب الباحث إلى مسند الصحابي كابن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وأنس رضي الله عنهم، فيُحيله الكتاب إلى مواضع الحديث في الكتب الستة.
ثانيًا: الاستخراج عن طريق من يدور عليه الإسناد. فإن كان مداره على راوٍ رُمي بالوضع بُحث عنه في كتب الموضوعات والضعفاء والمتروكين. وإن كان مرسلًا فمظنّته كتب المراسيل، مثل «المراسيل» لأبي داود، و«المراسيل» لابن أبي حاتم، و«جامع التحصيل في أحكام المراسيل» للعلائي. ويُستعان كذلك بتتبع رجال السند في كتب التراجم، لأنها كثيرًا ما تذكر بعض حديث الراوي، كـ«الكامل» لابن عدي، و«المجروحين» لابن حبان، و«الضعفاء» للعقيلي، و«ميزان الاعتدال»، و«لسان الميزان».
ثالثًا: الاستخراج عن طريق صفة في الإسناد ظاهرة أو خفية، وذلك في دائرة علوم الحديث الإسنادية. فإن كان في السند راوٍ مبهم رُجع إلى كتب المبهمات، وإن كان فيه من روى عن أبيه عن جده رُجع إلى الكتب المصنفة في هذا النوع. ولهذا ينبغي أن يكون طالب الحديث على قدر كبير من الذكاء والفطنة.
المحور الثالث: معالم المتن في استخراج الحديث
أولًا: الاستخراج بمعرفة موضوع الحديث ومعناه، فيُطلب في الباب المتعلق به من الكتب المصنفة على الأبواب كالجوامع والسنن، أو في كتاب مفرد في موضوعه. فحديث النجش مثلًا يُطلب في أبواب البيوع المنهي عنها. وحديث الصلاة يُطلب في أبوابها من الجوامع الفقهية الحديثية، مثل «المنتقى» للمجد ابن تيمية، و«بلوغ المرام» لابن حجر وشروحه، فهي بمنزلة الفهرس لما وراءها من المصادر المسندة.
ثانيًا: الاستخراج بمعرفة أول الحديث، ويكون في كتب الأطراف والفهارس. ونبّه الشيخ إلى أن ما يظنه الباحث طرفًا قد يكون لفظًا في أثناء حديث له ما قبله وما بعده، فلا يجده في الأطراف مع أنه في الصحيحين أو أحدهما. ومثّل لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:
«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»
فهذا اللفظ جزء من قصة مالك بن الحويرث رضي الله عنه، ولا يكاد يُرى في حرف الصاد من كتب الأطراف معزوًّا إلى الصحيحين. وأوضح الشيخ أن القصة متفق عليها بين الشيخين، أما هذا اللفظ بعينه فقد انفرد به البخاري دون مسلم. وحذّر من الطلبة المتسرعين الذين يسارعون إلى القول: «لم أجده».
وقد يكون اللفظ المحفوظ عند الباحث مخالفًا للفظ الوارد في الكتب المسندة بزيادة أو نقص. ومثّل الشيخ بلفظ «نحن معاشر الأنبياء لا نورث»، فالمشهور في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». ومثّل كذلك بحديث «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ...»، الذي يرد في المصادر بلفظ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». ومثّل أيضًا بحديث «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» الذي جاء أيضًا بلفظ «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»، وذلك في تلاوته صلى الله عليه وسلم:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]
ثالثًا: الاستخراج بمعرفة لفظ من الحديث، ولا سيما اللفظ الغريب أو قليل الاستعمال. وطريقه المعاجم المفهرسة لألفاظ الحديث، وهي نوعان: فهارس لمجموعة من كتب السنة، وفهارس لكتاب واحد. ويُرجع كذلك إلى كتب غريب الحديث كـ«النهاية في غريب الحديث والأثر»، وإلى مطوّلات اللغة كـ«لسان العرب» لابن منظور و«تاج العروس» للمرتضى الزبيدي. فالزبيدي جمع بين علمي الحديث واللغة، ولذلك يُسعف الباحث في مواضع كثيرة. ومن أمثلة ذلك ما نقله في مادة (ق ب ب) عن حديث «خير الناس القَبِيُّ» من أنه لا أصل له، وما ذكره في مادة (ق ل ل) من قول أعرابي: «إن المسافر ومتاعه على قُلَّةٍ إلا ما وقى الله»، أي على خطر هلاك.
رابعًا: الاستخراج عن طريق صفة في المتن، وذلك في دائرة علوم الحديث المتنية: المعلّ، والمضطرب، والمدرج، والمقلوب، والموضوع، والغريب، والفرد، والمصحّف، والمحرّف، ومختلف الحديث ومشكله، والناسخ والمنسوخ. فيبحث الطالب في الكتب المصنفة في النوع الذي يتصف به الحديث، فالحديث المعلّ يُطلب في كتب العلل، والمنسوخ في كتب الناسخ والمنسوخ، وهكذا.
المحور الرابع: كتب التخريج وضوابط الاعتدال في العزو
بيّن الشيخ أن كتب التخريج قد قصّرت المسافة على الباحث، فمن أراد حديثًا رجع إلى بابه من كتب التخريج، مثل «نصب الراية» للزيلعي، و«التلخيص الحبير» لابن حجر، و«إرواء الغليل» للألباني رحمهم الله. فهذه الكتب تجمع أكبر قدر ممكن ممن أخرج الحديث، ثم تقود المصادرُ بعضها إلى بعض.
ونهى عن الإسراف في تخريج الأحاديث المشهورة الموجودة في الصحيحين أو الكتب السبعة. فلا حاجة إلى تتبع «تاريخ بغداد» و«تاريخ دمشق» و«فوائد تمّام» والأجزاء الحديثية إلا لغرض صحيح، كأن يكون السند ضعيفًا يحتاج إلى ما يقوّيه، أو يوجد في تلك الأسانيد ما يُعِلّ الحديث. وانتقد ما يفعله بعض المحققين حين يملؤون الحواشي بصفحات من التخريج لحديث في الصحيحين، فيشغلون القارئ عن مقصود الكتاب، كأصول الفقه مثلًا. وبيّن أن الكتاب يكون أقرب إلى الكمال إذا كان محققه جامعًا بين الحديث والأصول.
وأشار إلى أن المستوعب هو من يُدير الحديث الواحد على جميع طرق الاستخراج، حتى يبلغ الغاية في العزو والتخريج، والوقوف على ألفاظ الحديث، وتصحيح الأغاليط.
المحور الخامس: دور الشيخ في تكوين الطالب، والتمهيد لطرق التخريج
أكّد الشيخ أن الشيخ يصحّح خطأ الطالب ويُكمل تقصيره، فلا ينبغي للطالب أن يخاف الخطأ في مرحلة التدريب. فإذا اشتدّ عوده وصلب، صار زميلًا وأخًا لا مجرد طالب. ويجب على الطالب ألا يقول «ما وجدتُ»، بل يجتهد في البحث، ويقلّب وجوه النظر في الألفاظ زيادةً ونقصًا، لا ليزيد في الحديث، بل ليصل إليه. ثم يبقى متواضعًا مستحضرًا قوله تعالى:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]
ثم مهّد الشيخ للمبحث الثالث: طرق التخريج. ففرّق بين طرق الاستخراج التي يقوم بها طالب العلم، وطرق التخريج التي هي وظيفة المحدّث المهمة في تخريج أحاديث الكتب غير المسندة، وهي التخريج بمعناه الدقيق والخاص. ولها خمس طرق، وظائف كل طريقة بعدد رقمها، فكل طريقة تستوعب ما قبلها وتزيد عليه وظيفة، وتُعرض على سبيل التعلّي من الأدنى إلى الأعلى.
النقاط الرئيسية
- طرق استخراج الحديث تنتظم في قالبين: معالم في الإسناد، ومعالم في المتن.
- من المعالم الإسنادية: الاستخراج عن طريق الصحابي كما في «تحفة الأشراف»، وعن طريق مدار الإسناد، وعن طريق صفة في الإسناد كالإبهام والإرسال.
- من المعالم المتنية: الاستخراج بالموضوع، وبأول الحديث، وبلفظ غريب منه، وبصفة في المتن كالعلة والاضطراب والنسخ.
- قد لا يوجد الحديث في الأطراف لأن اللفظ المطلوب في أثنائه لا في أوله، كحديث «صلوا كما رأيتموني أصلي».
- كتب اللغة المطوّلة كـ«تاج العروس» قد تُسعف الباحث فيما لا يجده في كتب الأطراف، ولا سيما الأحاديث التي لا أصل لها.
- لا إسراف في تخريج الأحاديث المشهورة في الصحيحين والكتب السبعة إلا لغرض علمي معتبر.
- طرق الاستخراج من عمل طالب العلم، وطرق التخريج من وظيفة المحدّث، ولها خمس طرق متدرجة.
الفوائد والعبر
- التدريب العملي تحت إشراف شيخ يورث ملكة لا تُغني عنها الفهارس الحديثة، وإن كانت الفهارس أسرع.
- لا يتسرع الطالب في الحكم بعدم وجود الحديث، بل يقلّب وجوه البحث في الألفاظ والمصادر قبل أن يقول «لم أجده».
- ليجعل الطالب أخطاءه في مرحلة الطلب سلّمًا للتعلم، فالشيخ يصحّح الخطأ ويُكمل النقص.
- الإخلاص لله والتذلّل بين يديه، مع الذكاء والفهم والدقة والصبر، هي زاد طالب الحديث.
- الاعتدال في التأليف والتحقيق أولى، فيُعطى كل حديث من التخريج قدر حاجته دون إطالة تشغل عن مقصود الكتاب.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات