شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (28) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.

4,623 مشاهدة
451 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن والعشرون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله، وكان المجلس مساء الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للسادس والعشرين من فبراير سنة ستة عشر وألفين للميلاد. وموضوع الدرس «باب الإيمان والتصديق بأن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة»، وهو من أهم أبواب الاعتقاد في صفات الله تعالى.

يبيّن الشيخ منهج أهل السنة والجماعة في إثبات صفة النزول. فهم يثبتونها كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، ولا يكيّفونها، ولا يشبّهونها بصفات المخلوقين، ولا يحرّفونها ولا يعطّلونها. ويرد في الدرس على المعتزلة والجهمية والأشعرية الذين ردّوا هذه الأحاديث أو تأوّلوها. ويستشهد الشيخ بأقوال الأئمة: الإمام الشافعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، والإمام مالك، وشريك بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله.

ويهدف الدرس إلى أن يرسخ عند المسلم أصل التسليم لنصوص الوحي، وأن يفهم قاعدة «الاستواء والنزول معلومان والكيفية مجهولة». ويحثّه كذلك على اغتنام الثلث الأخير من الليل بالدعاء والاستغفار والتوبة. وفي الدرس أيضًا وقفات تربوية مع الابتلاء والمحن، وتذكير بأهوال يوم القيامة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إثبات صفة النزول بلا تكييف ولا تشبيه

يقرر الشيخ أن سؤال «كيف ينزل؟» لا يجوز للمسلم. فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ونحن لا نعلم كيفية ذات الله، فلا نعلم كيفية صفاته. والنزول معناه معلوم، أما كيفيته فمجهولة. ونزوله سبحانه يليق بجلاله وكبريائه وعظمته، ولا يشبه نزول المخلوقين.

ومثّل الشيخ لذلك، ولله المثل الأعلى، بأن النملة لها يد، والقرد له يد، والفيل له يد، والإنسان له يد. ولا تشبه يدُ واحد منها يدَ الآخر، بل لكل مخلوق ما يليق به. فإذا اختلفت صفات المخلوقين فيما بينها، فصفات الخالق أولى بأن لا تشبه صفات أحد من خلقه.

وذكر الشيخ أن جبريل عليه السلام ينزل، ولا يستطيع أحد أن يصف كيفية نزوله. ونحن لا نعلم ما وراء الجدار، ولا ما خلف ظهورنا، ولا نرى الملائكة الحافّين بنا، ولا الفيروسات الدقيقة. فإذا عجزنا عن إدراك هذه المخلوقات، فنحن أعجز عن إدراك كيفية صفات الخالق سبحانه.

قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

المحور الثاني: أحاديث النزول ورواتها من الصحابة

ساق الإمام الآجري أحاديث النزول بأسانيده الصحيحة. وذكر أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم رووها بمعنى واحد، منهم: أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم. وهي أحاديث لا يدفعها إلا أهل الأهواء.

وشرح الشيخ معنى الثلث الأخير من الليل، وأنه يُحسب بقسمة الليل من المغرب إلى الفجر ثلاثة أقسام. وبيّن أن هذا الوقت هو وقت النفحات والبركات، لكن الناس فيه فريقان: فريق في الطاعة والدعاء والاستغفار، وفريق في الفسوق والسهر على المعاصي.

قال رسول الله ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» [متفق عليه]

وفي إحدى الروايات: «حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ». ولذلك كان السلف يستحبّون الصلاة والدعاء في آخر الليل. ونبّه الشيخ إلى أن السَّحور في رمضان ينبغي ألا يشغل عن الدعاء في هذا الوقت المبارك.

المحور الثالث: أقوال الأئمة في قبول أحاديث الصفات والرد على المخالفين

قال الإمام الآجري: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يردّ هذا إلا المعتزلة والجهمية والأشعرية. أما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف. وعلّل ذلك بأن الذين نقلوا إلينا أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد هم الذين نقلوا إلينا أحاديث الصفات. فمن قبل بعض ما نقلوه وردّ بعضه، كان كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض.

وذكر قول شريك بن عبد الله لمّا قيل له إن قومًا ينكرون هذه الأحاديث: «إنما جاءنا بهذه الأحاديث مَن جاءنا بالسنن عن رسول الله ﷺ في الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله عز وجل بهذه الأحاديث». وقال الإمام الشافعي: «ليس في سنة رسول الله ﷺ إلا اتباعها بفرض الله عز وجل»، ولا يُسأل فيها: لِمَ؟ ولا: كيف؟ بل نقول: سمعنا وأطعنا.

وسأل إسحاق بن منصور الكوسج الإمامَ أحمد عن أحاديث النزول، ورؤية أهل الجنة ربهم، وحديث «لا تقبحوا الوجه»، وحديث اشتكاء النار حتى يضع الرب فيها قدمه، وحديث موسى مع ملك الموت. فقال أحمد: «كل هذا صحيح». وقال إسحاق بن راهويه: «هذا صحيح، ولا يدفعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي».

ونقل الإمام مالك عن عمر بن عبد العزيز رحمهما الله قوله: «سنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله. ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها. من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولّاه الله ما تولّى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا».

قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]

المحور الرابع: الابتلاء والمحن، ووقفة مع أبي معمر القطيعي

ورد في إسناد الآجري اسم أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي القطيعي، فتوقف الشيخ عند ترجمته. كان أبو معمر شديد التمسك بالسنة، حتى قال: «لو تكلمت بغلتي لقالت إنها سنية». ثم امتُحن في فتنة القول بخلق القرآن، فأُوعد بالسجن والجلد والسيف، فأجاب مكرهًا، ولما خرج قال: «كفرنا وخرجنا». واستفاد الشيخ من قصته أن الله قد يبتلي الصالحين والأخيار بالمحن ليؤدّبهم ويرفع درجاتهم.

وذكر أن الابتلاء أصاب الأنبياء أنفسهم. فموسى عليه السلام سُئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعاتبه ربه بقصته مع الخضر. وابتُلي أيوب عليه السلام بالمرض، وأُخرج النبي ﷺ من مكة وهي أحب البلاد إليه. ونقل الشيخ عن ابن القيم رحمه الله أن دعاء أيوب عليه السلام دعاء عظيم، فيه التوحيد والتذلل لله ووصفه بالرحمة، وأن من قاله سبع مرات كشف الله همّه، كما ذكر الشيخ.

وقارن بين من ثبت في المحنة ومن ضعف فيها. فقد قيل لبشر بن الحارث: لماذا لم تقم مقام أحمد؟ فقال: «أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟ إن أحمد دخل الكير فخرج ذهبًا خالصًا».

قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30]

وقال ﷺ لمكة: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» [رواه الترمذي]

وقال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

المحور الخامس: اغتنام باب التوبة قبل يوم الغضب

ذكّر الشيخ بعظيم فضل الله، فهو الغني عنا، ومع ذلك يتودّد إلينا وينادينا كل ليلة: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ ونحن معرضون. فالباب اليوم مفتوح للدعاء والاستغفار والتوبة والتحلل من حقوق العباد. أما يوم القيامة فيوم يغضب فيه الرب غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وكل نبي يومئذ يقول: «اللهم سلّم سلّم».

ونبّه إلى خطورة حقوق العباد. فالمظالم في الدنيا تُرَدّ اليوم بالدرهم والدينار وبالاعتذار، وهذا أمر يسير. أما يوم القيامة فلا يُقتصّ إلا بالحسنات والسيئات، في ميزان عدل لا ظلم فيه.

قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47]

وفي حديث الشفاعة: «إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» [متفق عليه]

النقاط الرئيسية

  • يؤمن أهل السنة بنزول الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة نزولًا حقيقيًّا يليق بجلاله، بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.
  • معنى النزول معلوم وكيفيته مجهولة، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
  • اشتراك المخلوقات في اسم الصفة لا يعني تماثلها، فكيف بالخالق والمخلوق؟
  • الذين نقلوا إلينا أحكام الحلال والحرام هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فوجب قبول الجميع.
  • لم يردّ أحاديث الصفات إلا المعتزلة والجهمية ومن تبعهم، وقال الأئمة فيمن يردّها: «لا يدفعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي».
  • الثلث الأخير من الليل وقت إجابة الدعاء وقبول التوبة والمغفرة، ويمتد حتى طلوع الفجر.
  • قد يبتلي الله الصالحين بل الأنبياء، والعاقبة لمن رزقه الله الصبر والرضا.

الفوائد والعبر

  • أن يسلّم المسلم لنصوص الكتاب والسنة في باب الغيب والصفات، وأن يقول: سمعنا وآمنا وصدقنا، ويترك الخوض في الكيفيات التي لا يدركها العقل.
  • أن يجعل لنفسه نصيبًا ثابتًا من الثلث الأخير من الليل، ولو دقائق قبل الفجر، يدعو فيها ويستغفر ويسأل الله خيري الدنيا والآخرة، ولا يشغله السحور أو السهر عن هذا الوقت.
  • أن يكثر في الكرب من دعاء أيوب عليه السلام: «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، ففيه توحيد وتذلل لله وتوسل إليه برحمته.
  • أن يبادر إلى التحلل من حقوق العباد ومظالمهم اليوم، قبل أن يكون القصاص بالحسنات والسيئات يوم القيامة.
  • أن يسأل الله الثبات وألا يغترّ بعمله، فالفتن قد تزل فيها أقدام الصالحين، وأن يتعلم من سير الأئمة كالإمام أحمد كيف يثبت على الحق.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات