شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (64) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

1,847 مشاهدة
188 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والستون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله، وقد عُقد في شهر شعبان من سنة أربعين وأربعمائة وألف للهجرة. وكتاب «الشريعة» من أمهات كتب العقيدة السلفية المسندة، جمع فيه مؤلفه أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ومن ذلك بابٌ عظيم في فضائل الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم.

خُصّص هذا المجلس للحديث عن فضائل أم المؤمنين الصدّيقة بنت الصدّيق عائشة رضي الله عنها، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المبرّأة من فوق سبع سماوات. وقد تناول الشيخ ما أورده الإمام الآجري من أبواب: فضل عائشة، وذكر تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بها، ومقدار سنّها حين تزوجها، وشيئاً من حسن عشرته صلى الله عليه وسلم لها، مع التنبيه على الروايات الموضوعة والشبهات المعاصرة.

أهداف التعلم: معرفة منزلة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عقيدة أهل السنة، وإدراك أن الطعن فيها طعنٌ في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والردّ على شبهة سنّ زواجها، والتمييز بين الصحيح والمكذوب من الروايات، واستخلاص الآداب الزوجية من بيت النبوة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومنزلتها

قرّر الإمام الآجري رحمه الله أن عائشة رضي الله عنها وجميع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن فضّلهن الله وخصّهن بمرافقة رسوله في الجنة، وأنهن يستحققن من المؤمنين كل خير، وأن تُفرد لهن التراجم وتُنشر فضائلهن ومناقبهن بين نساء المسلمين. وبعد أن ذكر فضل خديجة رضي الله عنها، انتقل إلى عائشة رضي الله عنها مبيّناً أن شأنها عظيم وقدرها جليل.

وبيّن الشيخ أن العلماء أكثروا من الحديث عن فضائلها وأفردوها بالتصنيف، وأنها رضي الله عنها حسدها قومٌ من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرموها بالإفك، فبرّأها الله تعالى وأنزل في براءتها قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة، فأقرّ الله بذلك عين رسوله صلى الله عليه وسلم وعيون المؤمنين، وأخزى المنافقين.

قال الله تعالى في شأن حادثة الإفك:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11]

ومن أعظم فضائلها أنها كانت أحبّ الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها زوجته في الدنيا والآخرة، وأنها البكر الوحيدة التي تزوجها صلى الله عليه وسلم.

المحور الثاني: أمومة عائشة للمؤمنين والتحذير من الطعن فيها

ذكر الشيخ الأثر المروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمن ناداها بالأمومة ما معناه: إنها أمّ المؤمنين وليست أمّ المنافقين؛ فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين خاصة، فمن رضي بأمومتهن فهو من المؤمنين، ومن أباها فليس منهم. قال تعالى:

﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]

وأورد الشيخ قصةً لطيفة عن بعض الفقهاء المتقدمين: أن رجلين حلف أحدهما بالطلاق أن عائشة أمّه، وحلف الآخر أنها ليست أمّه، فسُئل الفقيه عنهما فقال: كلاهما لم يحنث؛ فالذي حلف أنها أمه مؤمن صادق، والذي حلف أنها ليست أمه ليس بمؤمن فصدق في يمينه أيضاً. وفي هذا بيان أن أمومتها مرتبطة بالإيمان.

ثم نقل قول الإمام الآجري في الاستعاذة بالله ممن يشنأ عائشة ويبغضها، وبيّن الشيخ أن الطعن فيها رضي الله عنها طعنٌ في رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هي زوجته وحبيبته وبنت صاحبه وخليفته أبي بكر الصديق، ولا يرضى أحدٌ أن يُطعن في عرضه، فكيف بعرض خير الخلق صلى الله عليه وسلم؟!

المحور الثالث: تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة والتحذير من الموضوعات

عقد الإمام الآجري باباً في ذكر تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة، وأورد فيه حديث رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لها قبل زواجه بها، ورؤيا الأنبياء وحي:

«أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، وَيُقَالُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَاكْشِفْ عَنْهَا، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» [متفق عليه]

وشرح الشيخ معنى «السَّرَقَة» بأنها القطعة من جيّد الحرير، وبيّن أن ذلك كان وهي صغيرة رضي الله عنها.

ونبّه الشيخ على بعض الروايات الواردة في الباب مما في أسانيدها رواةٌ متّهمون بوضع الحديث، وأن متونها ظاهرة النكارة، مؤكداً منهج أهل الحديث في نقد الأسانيد وعدم الاعتماد إلا على ما صحّ، كما حذّر من القصة المكذوبة الواردة في كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي التي تنسب إلى عائشة رضي الله عنها مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعبارات لا تليق، وبيّن أنها لا أصل لها، وأن أم المؤمنين أجلّ وأعرف بمقام النبوة من أن تقول ذلك.

المحور الرابع: سنّ عائشة عند زواجها والردّ على الشبهات المعاصرة

أورد الإمام الآجري باباً في ذكر مقدار سنّ عائشة رضي الله عنها وقت تزويجها، وجاء في بعض رواياته أنها كانت بنت سبع، والثابت في الصحيحين ما روته رضي الله عنها:

«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ» [متفق عليه]

وردّ الشيخ على بعض العلمانيين والمشكّكين الذين زعموا أنها تزوجت وهي بنت ثماني عشرة سنة، مبيّناً أن هذا القول مخالف للنصوص الصحيحة الصريحة التي روتها عائشة نفسها عن نفسها، وأن الدافع إليه هو الهزيمة النفسية أمام شبهات المستشرقين، لا التحقيق العلمي.

المحور الخامس: حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وآداب بيت النبوة

ذكر الشيخ حديث إرسال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها تسأله العدل في بنت أبي قحافة، فقال لها:

«أَيْ بُنَيَّةُ، أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟» فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «فَأَحِبِّي هَذِهِ» [رواه مسلم]

وبيّن الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدل بين أزواجه في المبيت والنفقة، وأن المطلوب منه إنما كان العدل في ميل القلب، وهذا أمر خارج عن إرادة الإنسان؛ كمن يحب ولداً أكثر من ولد، أو صديقاً أكثر من صديق، فلا يُؤاخذ عليه ما دام عادلاً فيما يملك.

ثم أورد حديث معرفة النبي صلى الله عليه وسلم برضا عائشة وغضبها:

«إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى... أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ». قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ. [متفق عليه]

وعلّق الشيخ بأن هذا من أهمّ ما ينبغي أن تتعلّمه نساء المسلمين ليتأدّبن بهذا الأدب العظيم؛ فحتى في حال الغضب لم تتجاوز أم المؤمنين الأدب، وإنما هجرت الاسم فقط والمحبة في قلبها باقية. كما بيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم مع مقام النبوة كان زوجاً يمازح أهله ويلاطفهم ويحسن عشرتهم، وكانت عائشة تمزح معه وتتدلّل عليه، وكل ذلك من كمال خُلقه صلى الله عليه وسلم.

النقاط الرئيسية

  • أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، فضّلهن الله وخصّهن بمرافقة رسوله في الجنة، ويُشرع نشر فضائلهن بين المسلمين.
  • عائشة رضي الله عنها عظيمة القدر، برّأها الله من فوق سبع سماوات بقرآن يُتلى، وكانت أحبّ الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • أمومة عائشة رضي الله عنها خاصة بالمؤمنين، ومن أنكرها أو أبغضها فقد خرج عن سبيل المؤمنين.
  • الطعن في عائشة رضي الله عنها طعنٌ في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
  • الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد عليها وهي بنت ست وبنى بها وهي بنت تسع، وما يزعمه بعض العلمانيين مخالف للنصوص الصريحة.
  • وجوب التثبت في الروايات والحذر من الأحاديث الموضوعة والقصص المكذوبة كالتي في «إحياء علوم الدين».
  • العدل بين الزوجات يكون فيما يملكه الإنسان من المبيت والنفقة، أما ميل القلب فخارج عن إرادته.

الفوائد والعبر

  • محبة أمهات المؤمنين عقيدة: على المسلم أن يعرف قدر عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يذبّ عن أعراضهن، ويعلّم أهله وأبناءه سيرتهن.
  • أدب المرأة مع زوجها: تتعلم الزوجة المسلمة من عائشة رضي الله عنها ضبط اللسان حال الغضب، فلا تتجاوز في الخصام إلى ما يجرح أو يسيء.
  • حسن العشرة الزوجية: يقتدي الزوج بالنبي صلى الله عليه وسلم في ملاطفة أهله وممازحتهم، ومعرفة أحوالهم ومشاعرهم، والعدل بينهم فيما يملك.
  • الثبات أمام الشبهات: لا ينبغي للمسلم أن يتنازل عن النصوص الصحيحة إرضاءً للمشككين، بل يفهمها في سياقها ويعتزّ بها.
  • التثبت في النقل: يحرص طالب العلم والمسلم عامة على عدم نشر الروايات حتى يتحقق من صحتها، فكم من قصة مكذوبة شوّهت صورة الصحابة وأمهات المؤمنين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات