شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (46) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,896 مشاهدة
493 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس والأربعون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويتناول المجلس أبوابًا في فضائل الصديق أبي بكر رضي الله عنه، وأكثرها في صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة والغار. وهي من أظهر المناقب التي اختصه الله بها، ونطق بها القرآن الكريم.

ويسوق الإمام الآجري في هذه الأبواب الآثار بأسانيدها: خبر دخول الغار، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، ونزول السكينة، وأن الله عاتب الناس جميعًا في نبيه إلا أبا بكر. ثم يذكر صبر الصديق في ذات الله وما لقيه من أذى قريش، ومنه قصة جوار ابن الدَّغِنَة. ويبيّن الشيخ أثناء الشرح ما صحّ من هذه الروايات وما ضعف إسناده.

ويهدف المجلس إلى ترسيخ معرفة قدر الصديق رضي الله عنه ومحبته، وهذا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في الصحابة. ويستخرج كذلك دروسًا عملية من أحداث الهجرة، منها التخطيط والأخذ بالأسباب، والتوكل على الله، والثبات على الحق.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: صحبة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار

افتتح الإمام الآجري هذه الأبواب بذكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وهي منقبة ثابتة بنص القرآن، لم يشاركه فيها أحد. وأورد الآجري روايات في دخول أبي بكر الغار قبل النبي صلى الله عليه وسلم ليستبرئه له، وأنه سدّ الجحور بثوبه، ووضع عقبه على جحر فلُدغ. ونبّه الشيخ على أن أسانيد بعض هذه الروايات فيها ضعف.

ثم ساق الحديث الصحيح من رواية أنس بن مالك عن أبي بكر رضي الله عنهما، وفيه خوف الصديق على النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف المشركون على باب الغار، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم الذي يملأ القلب يقينًا بمعية الله وحفظه.

قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40].

وعن أنس عن أبي بكر رضي الله عنهما قال: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» متفق عليه.

المحور الثاني: الإعداد للهجرة ودور آل أبي بكر

شرح الشيخ حديث عائشة رضي الله عنها في البخاري، وفيه مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في ساعة الظهيرة متقنّعًا، في وقت لم يكن يأتيهم فيه. فقال أبو بكر: «الصحبةَ يا رسول الله»، فأذن له. وعلّق الشيخ بأن الهجرة كان فيها تخطيط وتنظيم وتنفيذ دقيق، وأن ذلك أخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.

ثم ذكر الأدوار التي قام بها كل واحد من آل أبي بكر ومن معهم. صنعت أسماء الزاد وربطته بنطاقها. وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما، ثم يصبح مع قريش بمكة فلا يسمع أمرًا يُكادان به إلا وعاه وأتاهما بخبره حين يختلط الظلام. وكان عامر بن فهيرة يرعى الغنم عليهما ويعفّي على الأثر. واستأجرا عبد الله بن أُرَيقط دليلًا وهو على دين قريش، فأمّناه على الطريق. وفي هذا جواز الاستعانة بغير المسلم المأمون فيما لا ضرر فيه على الدين.

قالت عائشة رضي الله عنها: «فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ» رواه البخاري.

المحور الثالث: نزول السكينة ومعاتبة الله للناس إلا أبا بكر

أورد الإمام الآجري آثارًا عن السلف في قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، وأن الضمير يعود إلى أبي بكر رضي الله عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت السكينة معه لا تفارقه. ونبّه الشيخ على ما في بعض أسانيد هذه الآثار من ضعف.

ثم عقد الآجري بابًا في أن الله عز وجل عاتب الناس جميعًا في نبيه صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر رضي الله عنه. واستدل بالآية نفسها: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، فالعتاب فيها لمن لم ينصره، وأُخرج الصديق منه لأنه كان الناصر والصاحب.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله: «عَاتَبَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا فِي نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمُعَاتَبَةِ». وحسّن الشيخ إسناده إلى سفيان.

المحور الرابع: صبر الصديق في ذات الله وقصة ابن الدَّغِنَة

عقد الآجري بابًا في صبر أبي بكر رضي الله عنه في ذات الله مع رسوله صلى الله عليه وسلم، وساق حديث عائشة رضي الله عنها في البخاري. وفيه أن أبا بكر لما اشتد عليه أذى المشركين خرج مهاجرًا نحو الحبشة، فلقيه ابن الدَّغِنَة سيد القارة عند بَرْك الغِماد، فردّه وأجاره.

ولاحظ الشيخ أن الصفات التي وصف بها ابن الدغنة أبا بكر هي الصفات نفسها التي وصفت بها خديجة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها كانت فيه قبل الإسلام، ثم زادها الإسلام كمالًا. وحثّ طلبة العلم على التخلق بها.

قال ابن الدغنة: «إِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» رواه البخاري.

المحور الخامس: مسجد أبي بكر في داره وخوف المشركين من القرآن

اشترطت قريش على ابن الدغنة أن يعبد أبو بكر ربه في داره، فلا يستعلن بصلاته ولا بقراءته، لأنهم خافوا أن يفتن نساءهم وأبناءهم. ثم ابتنى أبو بكر مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيجتمع عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان رجلًا بكّاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، ففزع لذلك أشراف قريش.

وعلّق الشيخ على هذا الموقف بأن كثيرًا من العلمانيين اليوم يقفون من الدين موقف قريش، بل أشد منه، إذ يريدون حبس الدين داخل البيوت ومنع ظهوره في حياة الناس. وبيّن أن للقرآن أثرًا عظيمًا في القلوب، ولذلك خاف المشركون من سماعه. وقصّ الشيخ بقية الخبر، وهو أن أبا بكر ردّ إلى ابن الدغنة جواره، ورضي بجوار الله عز وجل.

قالت عائشة رضي الله عنها: «وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» رواه البخاري.

النقاط الرئيسية

  • صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار منقبة ثابتة بنص القرآن، وصفه الله فيها بأنه «صاحبه».
  • قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» أصل في اليقين بمعية الله لأوليائه بالنصر والحفظ.
  • عاتب الله المسلمين جميعًا في نبيه صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر، كما قال سفيان بن عيينة.
  • قامت الهجرة على تخطيط محكم وأخذ بالأسباب، وشارك فيها آل أبي بكر: عبد الله وأسماء، ومولاه عامر بن فهيرة.
  • سُمّيت أسماء «ذات النطاقين» لأنها شقّت نطاقها وربطت به زاد النبي صلى الله عليه وسلم.
  • كان أبو بكر موصوفًا بمكارم الأخلاق قبل الإسلام، وهي الصفات نفسها التي وُصف بها النبي صلى الله عليه وسلم.
  • من منهج المحدّثين التمييز بين الروايات الصحيحة والضعيفة في الفضائل، وقد بيّن الشيخ ذلك أثناء الشرح.

الفوائد والعبر

  • أن يمتلئ قلب المؤمن بالثقة بالله وقت الشدائد، وأن يستحضر أن الله مع عباده المتقين يحفظهم وينصرهم.
  • أن يجمع المسلم بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، ويحسن التخطيط لأموره كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة.
  • أن يحب الصحابة رضي الله عنهم ويعرف قدرهم، وفي مقدمتهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فذلك من علامات أهل السنة.
  • أن يتخلق بمكارم الأخلاق: صلة الرحم، وإكرام الضيف، وحمل الكَلّ، والإعانة على نوائب الحق، فبها يعظم قدر المرء.
  • أن يثبت على الدين ويظهر شعائره دون خوف من أذى المخالفين، وأن يكون جوار الله عنده أعظم من كل جوار.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات