شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (41) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الحادي والأربعون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وفيه يبدأ الإمام الآجري بابًا من أعظم أبواب العقيدة، وهو باب فضائل صحابة رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار. فقد اختارهم الله لصحبة نبيه، فكانوا وزراءه وأنصاره، وكانوا الخلفاء من بعده في أمته.
وتظهر أهمية هذا الموضوع في أن محبة الصحابة والترضي عنهم أصل من أصول أهل السنة والجماعة. فالطعن فيهم طعن في نَقَلة الدين، وتكذيب لخبر الله عز وجل الذي أخبر برضاه عنهم. لذلك سرد الإمام الآجري الآيات الكثيرة التي مدح الله بها المهاجرين والأنصار، ثم ذكر الأحاديث النبوية في بيان فضلهم ومنزلتهم.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم صفات المهاجرين والأنصار وما بذلوه في سبيل الله، وأن يفهم القاعدة الأصولية في التفريق بين الخبر والإنشاء، وهي أن أخبار الله لا يدخلها النسخ. كما يهدف إلى أن يعرف منزلة الصحابة في الدنيا والآخرة كما جاءت في السنة، وأن يرسخ في قلبه حبهم والاقتداء بهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: صفات المهاجرين وتضحياتهم في سبيل الله
افتتح الإمام الآجري الباب بالثناء على الله، ثم بيّن أن المهاجرين آمنوا بالله ورسوله وصدّقوا إيمانهم بالعمل الصالح. وصبروا مع النبي ﷺ في كل شدة، وآثروا الذلة في الله على العز في غيره، وآثروا الجوع في الله على الشبع في غيره. وقد أوضح الشيخ أنهم أُهينوا وعُذّبوا وأُخرجوا من ديارهم، ثم آذاهم المنافقون واليهود في المدينة، وقاتلتهم العرب، فصبروا على ذلك كله رضي الله عنهم.
وعادَوا في الله القريب والبعيد، حتى إن الابن كان يعادي أباه في الله، والأب يعادي ابنه. وفارقوا الآباء والأبناء والعشائر، وتركوا الأموال والديار، وخرجوا فقراء محبةً لله ورسوله. فكان الله ورسوله أحب إليهم من كل شيء، بإيمان صادق وعقول مؤيَّدة وأنفس كريمة وصبر جميل.
وقد وصفهم الله في التوراة والإنجيل بأحسن الوصف، فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: 29] وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]
المحور الثاني: الأنصار ونعمة الأُلفة والأُخوّة في الله
ثم بيّن الإمام الآجري أن الأنصار قوم اختارهم الله لنصرة دينه واتباع نبيه ﷺ. فقد آمنوا به في مكة وبايعوه وصدقوا في بيعتهم، ثم رجعوا إلى المدينة فدعوا قومهم فآمنوا. ولما هاجر إليهم النبي ﷺ فرحوا بقدومه وعلموا أنه أعظم نعمة أنعم الله بها عليهم. ثم قدم المهاجرون فأكرموهم أحسن الإكرام، ووسّعوا لهم الديار، وآثروهم على الأهل والأولاد.
وصار المهاجرون والأنصار إخوة في الله بعد أن كانت بينهم العداوة، فألّف الله بين قلوبهم. واجتمعوا على محبة الله ورسوله ونصرته، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، لا تأخذهم في الله لومة لائم. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 62-63] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 103]
المحور الثالث: قاعدة الخبر والإنشاء، وأن خبر الله برضاه عن الصحابة لا يُنسخ
قرر الشيخ في هذا المجلس قاعدة مهمة، وهي أن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء. فالخبر هو ما أخبر الله به، وكله صدق، ولا يدخله النسخ ولا التبديل، لأنه لو نُسخ لكان الخبر الأول كذبًا، والله منزّه عن ذلك. أما الإنشاء فهو الأمر والنهي، مثل «أقيموا الصلاة» و«لا تقربوا الزنا»، وهو الذي يدخله النسخ، كقوله ﷺ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا».
ثم طبّق الشيخ هذه القاعدة على آيات الثناء على الصحابة. فرضا الله عنهم، وإعداده الجنات لهم، ووصفهم بالفلاح والصدق والإيمان الحق، كل ذلك أخبار ثابتة لا تُنسخ. فمن زعم أنهم ارتدّوا أو أنهم غير مرضيٍّ عنهم فقد كذّب خبر الله، والله تعالى يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾. ومن أعظم الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18]
ونبّه الشيخ على أن قوله تعالى «وَالَّذِينَ مَعَهُ» يراد به أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم. وبيّن أن من سار على طريقهم من بعدهم يلحق بهم في المغفرة والرزق الكريم، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: 75].
المحور الرابع: إنجاز الله وعده للصحابة بالاستخلاف والتمكين
أقسم الإمام الآجري أن الله قد أنجز للمهاجرين والأنصار ما وعدهم به في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]
فقد جعلهم الله الخلفاء من بعد رسوله ﷺ، ومكّن لهم في البلاد، ففتحوا الفتوح وأسلم على أيديهم خلق كثير. وأعزّ الله بهم دينه، وأذلّ أعداءه، وسنّوا للمسلمين السنن الشريفة، فكانوا بركة على الأمة كلها. ونقل الشيخ قول السلف: «من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليًّا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمد ﷺ فقد برئ من النفاق».
وحذّر الشيخ من كل من طعن في الصحابة، حتى لو كان من الكتّاب المشهورين الذين تكلموا في معاوية وعمرو بن العاص وعثمان رضي الله عنهم. وأكد أن الطعن فيهم علامة على البدعة والضلال، وأن الواجب حبهم جميعًا والترضي عنهم.
المحور الخامس: الأحاديث النبوية في فضل المهاجرين والأنصار
ذكر الإمام الآجري بابًا فيما وصف به النبي ﷺ أصحابه من الفضل العظيم. ومن ذلك حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ونبّه الشيخ أثناء الكلام على الإسناد إلى أن سليمان بن داود الشاذكوني حافظ كبير، لكنه ضعيف جدًّا. ثم بيّن أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف، وأن المنافقين بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر ويصدّون عن سبيل الله.
ومنها حديث أنس رضي الله عنه حين دعا النبي ﷺ الأنصار ليُقطِع لهم البحرين، فقالوا: لا، حتى تُقطِع لإخواننا من المهاجرين مثله. فقال ﷺ: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي» وعلّق الشيخ على هذا الموقف بأنه يدل على إيمانهم وإيثارهم، وقارنه بحال كثير من الناس اليوم في حرصهم على الدنيا.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «لِلْمُهَاجِرِينَ مَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدْ أَمِنُوا مِنَ الْفَزَعِ» ومنها حديث ثوبان رضي الله عنه في الحوض، لما سُئل النبي ﷺ عن أول الناس ورودًا عليه فقال: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُءُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ، وَلَا تُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ» وبيّن الشيخ أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وأن الفقر ليس علامة على غضب الله على العبد، بل هو باب للصبر والاحتساب.
النقاط الرئيسية
- الصحابة رضي الله عنهم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، فكانوا وزراءه وأنصاره والخلفاء من بعده، وقد وصفهم الله في التوراة والإنجيل بأحسن الوصف.
- آثر المهاجرون الله ورسوله على الأهل والمال والوطن، وصبروا على الأذى والتعذيب والإخراج من ديارهم.
- آوى الأنصار النبي ﷺ ونصروه، وآثروا المهاجرين على أنفسهم، فألّف الله بين قلوبهم بعد العداوة.
- أخبار الله لا يدخلها النسخ، والنسخ إنما يكون في الأمر والنهي، فرضا الله عن الصحابة خبر ثابت إلى يوم القيامة، ومن طعن فيهم فقد كذّب خبر الله.
- أنجز الله وعده للصحابة بالاستخلاف والتمكين، فكانوا بركة على الأمة كلها.
- من قال الحسنى في أصحاب محمد ﷺ فقد برئ من النفاق، والطعن فيهم علامة على البدعة والضلال.
- للمهاجرين يوم القيامة منابر من ذهب، وهم آمنون من الفزع الأكبر، وفقراؤهم أول الناس ورودًا على الحوض.
الفوائد والعبر
- أن تحرص على حب الصحابة جميعًا والترضي عنهم والدفاع عنهم، فحبهم من الإيمان، ومن أحبهم واتبعهم بإحسان رُجي له أن يُحشر معهم.
- أن تجعل محبة الله ورسوله مقدّمة على كل محبوب، وأن تصدّق إيمانك بالعمل الصالح كما فعل المهاجرون والأنصار.
- أن تقتدي بإيثار الأنصار، فتقدّم إخوانك في الخير ولا يحملك حب الدنيا على الأثرة والشح.
- أن تبني أخوّتك على الإيمان، وأن تدرك أن تأليف القلوب نعمة من الله لا تُشترى بالمال، فتحافظ عليها وتشكر الله عليها.
- أن تصبر على الفقر وضيق العيش وتحتسب الأجر فيه، فليس الفقر علامة على غضب الله، وفقراء المهاجرين هم أول من يرد الحوض ويسبقون الأغنياء إلى الجنة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات