شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (18) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .

4,042 مشاهدة
473 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن عشر من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويتناول فيه باب: «ذكر ما أخبر الله تعالى أن مشيئة الخلق تبعٌ لمشيئة الله تعالى». فمن شاء الله أن يهتدي اهتدى، ومن شاء أن يضلّ لم يهتدِ أبدًا. وهذا الباب أصل من أصول الإيمان بالقدر، ومن أعظم ما يردّ به أهل السنة على القدرية الذين أنكروا علم الله السابق، أو زعموا أن العباد يخلقون أفعالهم.

يجمع الشيخ في هذا الدرس آيات كثيرة من كتاب الله، وآثارًا عن السلف كالحسن البصري وزيد بن أسلم ومحمد بن كعب القرظي وابن عباس رضي الله عنهما. ويربط هذه العقيدة بواقع الناس، فيبيّن أثرها في تعلّق القلب بالله وحده، وفي خوف العبد من سوء الخاتمة، وفي معالجة المشكلات الأسرية كالتسرّع في الطلاق.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المشاهد أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، وأن يفهم معنى الاختلاف في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، وأن يتبيّن له بطلان مذهب القدرية. كما يرسّخ في نفسه الافتقار إلى الله، وكثرةَ سؤاله الثبات على الدين حتى الممات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مشيئة العباد تابعة لمشيئة الله، والهداية بيده وحده

يقرّر الشيخ أن الإنسان قد يحرص حرصًا شديدًا على هداية من يحب، ويبذل في ذلك أقصى ما يستطيع، فإذا لم يكتب الله له الهداية لم تنفعه كل هذه الأسباب. فالهداية هداية التوفيق بيد الله وحده، والنبي ﷺ إنما بُعث بالبيان والإرشاد.

ويبيّن أن الإيمان بأن مشيئة العباد وإرادتهم تابعة لمشيئة الله وإرادته يجعل القلب معلّقًا بالله وحده. فلا يفرح المرء فرحًا مطلقًا بحبّ فلان له، فإن القلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء، ومن يحبّك اليوم قد يبغضك غدًا. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56]

وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]

وقال عز وجل: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ۝ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 28-29]. وأورد الآجري أثرًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لما نزلت الآية الأولى قالوا: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

المحور الثاني: معنى قوله تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ وتفسير الحسن البصري

ساق الإمام الآجري بإسناده تفسير الحسن البصري رحمه الله لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]. قال الحسن: «أهل رحمة الله لا يختلفون، ولذلك خلقهم: خلق هؤلاء للجنة، وخلق هؤلاء للنار، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه».

ويوضّح الشيخ أن أهل الرحمة إن وقع بينهم خلاف ردّوه إلى الكتاب والسنة، وإن اختلفوا في الفهم ردّوه إلى أهل العلم، وشعارهم: سمعنا وأطعنا. أما أهل الأهواء فتُتلى عليهم الآيات وقلوبهم كالحجارة أو أشدّ قسوة.

وذكر قصة رجل من أهل الكوفة كان يجانب الحسن ويحذّر منه لما كان يُنسب إليه من القول بالقدر. فلما سمع تفسيره لهذه الآية صار يذبّ عنه ويدافع. فالقلوب تتغيّر بحسب ما يقذف الله فيها، فينبغي أن يعلّق العبد قلبه بالله لا بالخلق.

ويتصل بذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2]. قال الإمام مالك رحمه الله: «ما أضلّ من كذّب بالقدر! لو لم يكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ لكفى بها حجة».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ۝ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 29-30] قال: إن الله خلقهم حين خلقهم مؤمنين وكافرين، وسعداء وأشقياء، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتدين وضُلّالًا.

المحور الثالث: إلهام الفجور والتقوى، وأثر ذلك في واقع الناس

في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8] ذكر الآجري قول أبي حازم: التقيّ ألهمه الله التقوى، والفاجر ألهمه الله الفجور. ونبّه الشيخ إلى أن الفجور لا يقتصر على الزنا وشرب الخمر، بل له صور كثيرة، منها الفجور في الخصومة: أن يخاصم المرء ولا يخاف الله، فإذا ذُكِّر بتقوى الله لم يتذكّر.

ثم ضرب مثلًا من الواقع: المرأة التي قسا قلبها فتطلب الطلاق لأدنى سبب أو لسوء ظنٍّ بزوجها، تُذكَّر بالله وبالآيات فلا تتأثر. وقد وصف الشيخ هذا القلب بأنه قلب صخري يُخشى على صاحبه من سوء الخاتمة. والطريق أمام العبد طريقان: طريق الرحمن الذي يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وطريق الشيطان الذي يأمر بالفحشاء، ومنها التفريق بين الزوجين.

قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: 268]

وفي حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم أن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فيجيء أحدهم فيقول: «مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ»، فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: «نِعْمَ أَنْتَ».

المحور الرابع: الرد على القدرية بأقوال الملائكة والأنبياء وأهل الجنة وأهل النار وإبليس

نقل الآجري عن زيد بن أسلم رحمه الله قوله: «والله ما قالت القدرية كما قال الله، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس». ثم ذكر الشواهد على ذلك:

  • قول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32]
  • قول شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: 89]
  • قول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]
  • قول أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: 106]
  • قول إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39]

وزاد الآجري على ما ذكره زيد بن أسلم أقوالًا أخرى للأنبياء، منها قول نوح عليه السلام: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: 34]، وقول شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

ومن الأدلة كذلك قول محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]: إنها نزلت تعييرًا لأهل القدر. وذكر الآجري أن القدرية تُتلى عليهم الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأئمة المسلمين، فلا يقبلون إلا ما يوافق مذهبهم الخبيث.

المحور الخامس: القلوب بيد الله، وسؤال الثبات، والخوف من سوء الخاتمة

قرّر الآجري أن المؤمنين يعلمون أن قلوبهم بيد الله، يزيغها إذا شاء عن الحق ويهديها إذا شاء إليه، وأن من لم يؤمن بهذا فقد كفر. ولهذا أرشد الله عباده إلى أن يدعوه بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].

وكان النبي ﷺ يكثر أن يدعو: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، وقال ﷺ: «إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ».

ونبّه الشيخ إلى ألّا يغترّ أحد بعبادته وصلاته وتلاوته. فالفرح بفضل الله مشروع، لكن العبد لا يأمن مكر الله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99]. وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ... وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ».

ومن ذلك قصة يوسف عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. وبيّن الشيخ أن همّ يوسف كان حديثَ نفس، وأن الله صرف عنه السوء بما في قلبه من الإيمان واليقين. فلا أحد معصوم إلا من عصمه الله.

وأرشد الشيخ إلى دعاء الهمّ الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه، ففيه كمال الإيمان بالقدر: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي». وفي الحديث أنه ما قاله أحد أصابه همّ وحزن إلا أذهب الله همّه، وأنه ينبغي لمن سمعه أن يتعلّمه.

النقاط الرئيسية

  • مشيئة العباد وإرادتهم تابعة لمشيئة الله وإرادته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
  • هداية التوفيق بيد الله وحده، وليس للرسل والدعاة إلا البلاغ والبيان.
  • أهل رحمة الله لا يختلفون اختلاف أهل الأهواء، بل يردّون النزاع إلى الكتاب والسنة.
  • خلق الله الخلق فريقين: فريقًا للجنة والرحمة، وفريقًا للنار والعذاب، بعلمه وحكمته وعدله.
  • القدرية خالفوا ما قاله الله، وما قالته الملائكة والأنبياء وأهل الجنة وأهل النار، بل حتى ما قاله إبليس.
  • القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، فلا بد من الإكثار من سؤال الله الثبات وعدم الاغترار بالعمل.
  • الفجور أنواع، منها الفجور في الخصومة، وقسوة القلب علامة خطر يُخشى على صاحبها من سوء الخاتمة.

الفوائد والعبر

  • علّق قلبك بالله وحده لا بالخلق، فمحبة الناس ورضاهم يتقلّبان، والقلوب بيد الله.
  • ادعُ لمن تحب بالهداية وابذل له الأسباب، ثم اترك النتيجة لله، ولا تهلك نفسك حسرةً على من لم يهتدِ.
  • أكثِر من دعاء «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» ودعاء ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، واحفظ دعاء الهمّ وردّده في الشدائد.
  • إذا وقعت في خصومة أو مشكلة أسرية فاخترْ طريق الرحمن الداعي إلى الصلح، واحذر طريق الشيطان الذي يفرّق بين الزوجين، ولِن قلبك عند التذكير بالله.
  • لا تغترّ بصلاتك وعبادتك، بل افرح بفضل الله مع الخوف من سوء الخاتمة، واسأل الله حسن الختام دائمًا.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات