شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (2) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.

4,483 مشاهدة
160 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه باب: «ذكر أمر النبي ﷺ أمته بلزوم الجماعة وتحذيره إياهم الفرقة». وقد قدّم الإمام الآجري في الباب الآيات القرآنية الآمرة بالاعتصام بالكتاب والسنة والناهية عن التفرق، ثم أتبعها في هذا المجلس بالأحاديث النبوية والآثار المسندة في المعنى نفسه.

وتتضح أهمية هذا الموضوع في واقع الأمة اليوم، فقد تعددت فيه الدول وكثرت الفتن والدعوات المختلفة. ويبيّن الشيخ أن لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، والسمع والطاعة في غير معصية الله، وترك الخروج وإثارة الفتن، أصول شرعية يدين بها المسلم لله تعالى، ولا يقولها إرضاءً لمخلوق.

ويهدف المجلس إلى أن يعرف المشاهد فضل الجماعة وخطر الفرقة، وأن يتبيّن معنى الصراط المستقيم وتعدد سبل الضلال، وأن يرسّخ لديه أن فهم السلف الصالح هو المعيار في فهم الكتاب والسنة. ويتضمن المجلس كذلك فوائد حديثية في رجال الأسانيد وضبط أسمائهم ودرجات الروايات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: لزوم الجماعة طريق إلى بحبوحة الجنة

أورد الإمام الآجري حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي رواه من طريق عاصم بن أبي النجود عن زِرّ بن حُبيش. وفيه أن عمر خطب الناس بالجابية في الشام فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم فقال:

«مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ».

وبيّن الشيخ أن «بحبوحة الجنة» وسطها والتمكن فيها وعلوّ المقام، وأن الحديث صحيح. وذكر أن الأمة كلما ائتلفت قلوبها وتوحدت صفوفها خلف إمام يقودها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وينصح له العلماء الربانيون، كانت أقرب إلى القوة والعزة. ثم ضرب مثلًا بأمم الكفر التي وحّدت عملتها وحدودها، والمسلمون أحق منها بالاجتماع والائتلاف.

واستدل كذلك بقول النبي ﷺ لحذيفة رضي الله عنه: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». فالجماعة هي جماعة المسلمين، والإمام هو رأس البلد، سواء سُمّي رئيسًا أو ملكًا أو سلطانًا أو أميرًا.

المحور الثاني: السمع والطاعة في غير معصية وتحريم الخروج

ساق المصنف حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه، وفيه أن الله أمر يحيى بن زكريا عليهما السلام بخمس كلمات، ثم قال النبي ﷺ:

«وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: الْجَمَاعَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يُرَاجِعَ».

وشرح الشيخ هذه الخمس على النحو الآتي:

  • الجماعة: ألّا يُفرَّق صف المسلمين.
  • السمع والطاعة: في غير معصية الله. فإن أمر الحاكم بمعصية فلا سمع له ولا طاعة فيها، ولكن لا يُنزع يدٌ من طاعة، ويُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر ويُبيَّن للناس حكم الله.
  • الهجرة: وهي في ديار المسلمين هجرُ المعاصي والمحرمات.
  • الجهاد في سبيل الله: وله أحكامه وضوابطه. وحذّر الشيخ من استدراج الناس باسمه وإطلاقه على كل موت في مظاهرة أو صراع على صناديق أو غير ذلك، فالضابط قوله ﷺ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

«مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».

وجاء في روايته أن من قاتل تحت راية عُمِّيّة يغضب لعصبية أو يدعو إليها فقِتلته جاهلية، ومن خرج على الأمة يضرب برّها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس من أمته. وبيّن الشيخ أن الراية العُمِّيّة هي راية الضلال التي لا هداية فيها ولا بصيرة. وأوضح أن «الميتة الجاهلية» لا تعني الكفر، وإنما هي ميتة على خلاف سنة رسول الله ﷺ.

وأما ظلم الحاكم وفجوره فحسابه على الله، والمشروع أن يُدعى له بالصلاح. والله عدلٌ لا يرضى بالظلم، كما قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ».

المحور الثالث: الصراط المستقيم واحد والسبل كثيرة

أورد المصنف حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ خطّ بإصبعه خطًا وقال: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وشماله وقال: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثم تلا قوله تعالى:

﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]

ونبّه الشيخ إلى أن أحد أسانيد الحديث عند المصنف ضعيف، وأن الحديث في نفسه صحيح ثابت. وذكر أن حديث جابر رضي الله عنه في المعنى نفسه ضعيف من طريق مجالد بن سعيد. وقرر أن ما يخالف منهج السلف سبلٌ عليها شياطين تدعو إليها، مع التنبيه إلى أن هذا لا يعني الحكم على شخص بعينه بأنه شيطان.

ثم ساق حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه في المثل البليغ:

«ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تَتَفَرَّقُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ. فَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّتُورُ حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ».

وبيّن الشيخ أن واعظ الإيمان والتقوى في القلب يحذّر صاحبه ويرهّبه كلما همّ بسرقة أو رشوة أو منكر. وختم المحور بأثر ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّ هَذَا الصِّرَاطَ مُحْتَضَرٌ تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ، يُنَادُونَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلُمَّ هَذَا الطَّرِيقُ، لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ، فَإِنَّ حَبْلَ اللَّهِ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ». وحذّر من مبتدعة يدعون في الظاهر إلى الدين وهم يدعون إلى غيره.

المحور الرابع: فهم السلف هو الميزان، والنصيحة للسلطان تكون سرًا

قرر الشيخ أن الحق هو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، كما في الحديث: «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي». والقاعدة في ذلك: ما فعله الصحابة في أمر يُتعبَّد به فعلناه، وما لم يفعلوه فهو بدعة لا يجوز فعلها. وعلى هذا الأساس تُوزن الانقلابات والمظاهرات والاعتصامات والخروج على الحكام، ويُطالَب المخالف بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.

وردّ الشيخ على من يستدل بحديث «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» لتسويغ السب واللعن على المنابر. فالكلمة تكون «عند» السلطان مخاطبةً له، لا في غيبته أمام الناس، والسلف لم يتخذوا المنابر للسب والشتم. وقد فسّرت السنة طريق النصيحة بقوله ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلَا يُبْدِهِ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ».

وأكد الشيخ أن هذا دين يُدان الله به، ولا يُطلب به جزاء ولا شكور من أحد. والغاية منه توحيد صف المسلمين على كلمة سواء، وإخماد الفتن قدر المستطاع.

المحور الخامس: فوائد حديثية في رجال الأسانيد

لم يقتصر الشرح على المتون، بل تضمّن تحقيقًا للنسخ وتعريفًا برجال الأسانيد. ومن ذلك التفريق بين «زِرّ بن حُبيش» بالزاي و«ذَرّ بن عبد الله المرهبي» بالذال. ومنه التعريف بمحمد بن بشار الملقب «بُندار»، وهو شيخ الأئمة الستة. ومنه الإشارة إلى أن حماد بن زيد إمام أهل البصرة كان يُقرن بالإمام مالك، وأنهما ماتا في سنة واحدة هي سنة 179هـ.

وذكر الشيخ كذلك أن أيوب السختياني كان شديدًا على المبتدعة، وعرّف بالحافظ يحيى بن صاعد، وبعبد الله بن أبي داود صاحب كتاب «المصاحف»، وبلُوَيْن صاحب الجزء المطبوع. ونبّه إلى ضعف أبي هشام الرفاعي ومجالد بن سعيد، وإلى الفرق بين ضعف الإسناد عند المصنف وصحة الحديث من طرق أخرى.

النقاط الرئيسية

  • لزوم جماعة المسلمين وإمامهم واجب شرعي، وهو سبيل إلى بحبوحة الجنة، والشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد.
  • السمع والطاعة لولي الأمر في غير معصية الله، فإذا أمر بمعصية فلا طاعة له فيها، ولا يُنزع يدٌ من طاعة ولا يُخرج عليه.
  • من فارق الجماعة وخرج من الطاعة فمات، مات ميتة جاهلية، أي على خلاف السنة لا على الكفر.
  • الجهاد عبادة لها أحكام وضوابط، وضابطه القتال لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يُطلق اسمه على كل صراع.
  • صراط الله واحد، والسبل المخالفة كثيرة وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه.
  • فهم السلف الصالح للكتاب والسنة هو الميزان، فما لم يفعلوه مما يُتعبد به فهو بدعة.
  • النصيحة لولي الأمر تكون سرًا بالأخذ بيده والخلوة به، لا بالتشهير والسب على المنابر.

الفوائد والعبر

  • أن يحرص المسلم على جمع الكلمة ونبذ الفرقة، وأن يكون سببًا في إخماد الفتن لا في إثارتها.
  • أن يدعو لولاة الأمر بالصلاح والهداية، وأن يكل حساب الظالم إلى الله العدل الذي يملي للظالم ثم يأخذه.
  • أن يزن كل دعوة أو منهج أو وسيلة بميزان ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وألّا يغترّ بكثرة الدعاوى.
  • أن يُصغي إلى واعظ الله في قلبه، وأن يحذر فتح أبواب المحارم، فإن من فتح بابًا منها ولجه.
  • أن يعتني بالإسناد ويتثبت من صحة ما يُنسب إلى النبي ﷺ، وأن يتعلم التفريق بين ضعف طريق بعينه وثبوت الحديث من طرق أخرى.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات