شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (29) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.

4,304 مشاهدة
209 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس التاسع والعشرون من مجالس شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس جملة من أبواب الاعتقاد المتعلقة بالصفات الإلهية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي: صفة الأصابع، وقبض الله الأرض وطيّه السماوات بيمينه يوم القيامة، وأخذه سبحانه الصدقات بيمينه، وإثبات صفة اليدين لله تعالى. وتُبيَّن هذه الصفات على منهج السلف الصالح، فتُثبت كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.

وتكمن أهمية هذا الدرس في أنه يرسّخ في قلب المسلم تعظيم الله تعالى ومعرفة قدره، ويربط العقيدة بالسلوك العملي. فالإيمان بأن الله يأخذ الصدقة بيمينه وينمّيها يدفع المؤمن إلى البذل من المال الطيب، والإيمان بمشاهد يوم القيامة يورث الخشية والاستعداد للقاء الله.

ومن أهداف هذا المجلس: فهم قاعدة السلف في باب الأسماء والصفات، ومعرفة معنى نفي المثلية ونفي العلم بالكيفية، والتعرف على الأحاديث الصحيحة التي ساقها الإمام الآجري بأسانيده، والاستفادة من سيرة الإمام الليث بن سعد في الكرم وعزة العالم الرباني.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إثبات صفة الأصابع لله تعالى على منهج السلف

بدأ الشيخ بباب: «الإيمان بأن الله عز وجل يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق كلها على إصبع». وبيّن أن هذه الصفة ثابتة لله تعالى لورودها في السنة الصحيحة، وأن المسلم يثبتها كما جاءت دون أن يمثّلها بصفات المخلوقين. فلا يجوز للإنسان أن يشير بأصابعه عند ذكرها على وجه يُفهم منه التشبيه بين الخالق والمخلوق.

وقرّر الشيخ قاعدة جليلة في هذا الباب: لا أحد أعلم بالله من الله، ولا أحد من الخلق أعلم بالله من رسوله ﷺ. فإذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها نبيّه ﷺ، وجب قبولها مع اعتقاد أنه سبحانه ليس كمثله شيء. وقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ينفي المثيل والشبيه والنظير. أما نفي الكيفية فالمقصود به نفي علمنا نحن بها، لا نفي وجودها. فالله سبحانه يعلم كيفية ذاته وصفاته، ونحن لا نعلمها، وإنما نؤمن بما جاءت به النصوص الشرعية.

وساق الإمام الآجري حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طرق متعددة، ونبّه الشيخ أثناء القراءة على تصحيح بعض أسماء الرواة في النسخ، ومنهم عَبيدة بن عمرو السَّلْماني. وأشار إلى أن أهل الكتاب كان عندهم بقايا من التوراة الصحيحة لم تُحرَّف، وأن ضحك النبي ﷺ كان إقرارًا وتصديقًا لقول الحبر. وذكّر بحال اليهود مع عبد الله بن سلام رضي الله عنه حين مدحوه ثم ذمّوه لمّا أسلم، وحذّر من التشبه بهم في الحكم على الناس بحسب موافقة الهوى ومخالفته.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ كُلَّهَا عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾».

قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

المحور الثاني: قبض الأرض وطي السماوات بيمين الرحمن يوم القيامة

انتقل الشيخ إلى الأحاديث الدالة على أن الله عز وجل يقبض الأرض كلها بيده ويطوي السماوات بيمينه يوم القيامة، ويشمل ذلك كل ما في الأرض مما نعرفه وما لا نعرفه، وفي هذا دلالة على عظمته سبحانه. ثم يقول: «أنا الملك، أين ملوك الأرض؟»، فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه سبحانه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.

واستخلص الشيخ من الأحاديث أمرين: الأول إثبات صفة الأصابع على ما يليق بجلال الله وعظمته، والثاني أنه سبحانه يضع الخلائق على أصابعه ويهزّهن ويعلن ملكه المطلق. ثم ذكّر بيوم الحساب الذي لا ظلم فيه، وحذّر من المظالم بين الناس، وبيّن أن المفلس من يأتي بحسنات عظيمة فيأخذ منها خصومه حتى تفنى، ثم يُطرح عليه من سيئاتهم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَقْبِضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟».

قال تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ۝ الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16-17].

المحور الثالث: الله يأخذ الصدقات بيمينه فيربيها للمؤمن

شرح الشيخ باب «الإيمان بأن الله عز وجل يأخذ الصدقات بيمينه فيربيها للمؤمن»، ومعنى يربيها: يزيدها وينمّيها. فلو تصدّق المسلم بشيء يسير من مال حلال، مخلصًا لله، تقبّله الله بيمينه ونمّاه حتى يصير مثل الجبل. وشرط ذلك أن يكون المال حلالًا طيبًا، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. أما المال المكتسب من السرقة أو تجارة المخدرات أو الاتجار بالأعراض أو أكل أموال اليتامى، فلا يقبل الله الصدقة منه.

ونبّه الشيخ إلى ألا يحتقر المسلم شيئًا من الصدقة ولو كان شق تمرة. وضرب مثلًا بتفطير الصائمين في رمضان ولو بتمرة واحدة. وبيّن أن العبرة بالإخلاص ونسبة ما يُنفق إلى ما يملكه الإنسان، فرُبَّ درهم سبق مائة ألف درهم. ومن لم يجد ما يتصدق به فليتصدق بالكلمة الطيبة، وبكفّ أذاه عن الناس.

قال رسول الله ﷺ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ».

وقال ﷺ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ»، وقال ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».

قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

المحور الرابع: وقفة مع سيرة الإمام الليث بن سعد رحمه الله

عند ورود اسم الإمام الليث بن سعد في الإسناد، توقف الشيخ مع سيرته، فهو إمام أهل مصر ومفتيهم وفخرهم. وذكر أن العلماء الربانيين يُبتلون دائمًا بالحاسدين والمغرضين. ومن ذلك أن بعضهم وشى به عند الخليفة أبي جعفر المنصور بأنه يريد ملك مصر، فلما عرض عليه المنصور ولاية مصر اعتذر، وقال إنه ضعيف عن حمل هذه الأمانة. وبيّن الشيخ أن مجالس العلم عند العالم الرباني أشرف من الولايات والمناصب، وأن من طلب العلم للمناصب فقد خاب.

وأشار الشيخ إلى ما ذُكر من مكانة الليث، وأنه كان من أكرم أهل الأرض حتى قيل إنه لم تجب عليه زكاة لكثرة إنفاقه. ومن ذلك أن الإمام مالكًا أرسل إليه طبقًا من تمر المدينة فردّه إليه وفيه ألف دينار، وأنه أرسل إلى أهل المدينة أحمالًا من العصفر فتزوّدوا منها وتصدّقوا وباعوا الباقي بألف دينار. وقرّر الشيخ أن الغالب على العلماء الكرم، ووجّه إلى قراءة ترجمته في «سير أعلام النبلاء». وتوفي الليث سنة خمس وسبعين ومائة، قبل الإمام مالك بأربع سنوات.

المحور الخامس: إثبات صفة اليدين لله تعالى وكتابة المقادير

ختم الشيخ المجلس بباب «الإيمان بأن لله عز وجل يدين، وكلتا يديه يمين»، أي إثبات صفة اليدين لله سبحانه على ما يليق بجلاله، دون سؤال عن الكيفية، لأنه ليس كمثله شيء. وساق الإمام الآجري الأثر في أن أول ما خلق الله القلم، فأخذه بيمينه وكتب ما يكون في الدنيا من بِرّ وفجور ورطب ويابس، وأحصاه عنده في الذكر.

وفي هذا تقرير للإيمان بالقدر، وأن كل ما يجري في الكون مكتوب قبل وقوعه، وأن الأعمال تُستنسخ وتُحصى على العباد، مما يورث اليقين ومراقبة الله في السر والعلن.

في الأثر: «أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، فَكَتَبَ الدُّنْيَا وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ، بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، فَأَحْصَاهُ عِنْدَهُ فِي الذِّكْرِ».

قال تعالى: ﴿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29].

النقاط الرئيسية

  • إثبات صفات الأصابع واليدين واليمين لله تعالى كما وردت في النصوص، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.
  • قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ينفي المثيل والشبيه، ونفي الكيفية معناه نفي علمنا بها لا نفي وجودها.
  • ضحك النبي ﷺ لقول الحبر اليهودي كان إقرارًا وتصديقًا، لأن ما قاله من بقايا التوراة الصحيحة.
  • يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه يوم القيامة ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟
  • يأخذ الله الصدقة الطيبة بيمينه وينمّيها حتى تصير أعظم من الجبل، ولا يقبل إلا الطيب.
  • الإمام الليث بن سعد مثال للعالم الرباني في الكرم والزهد في المناصب وعزة العلم.
  • أول ما خلق الله القلم، فكتب به مقادير كل شيء، وكل ما يجري في الكون مكتوب قبل وقوعه.

الفوائد والعبر

  • تعظيم الله وتقديره حق قدره بتدبر صفاته وعظمة ملكه، وهذا يورث الخشية والإجلال.
  • لا تحتقر صدقة ولو كانت تمرة، واحرص أن تكون من مال حلال مع إخلاص النية، فإن لم تجد فتصدّق بالكلمة الطيبة وكفّ الأذى.
  • تحلَّل من مظالم الناس في الدنيا قبل يوم لا دينار فيه ولا درهم، حتى لا تذهب حسناتك إلى خصومك.
  • احذر التشبه باليهود في الحكم على الناس بحسب الهوى، فتمدح من وافقك وتذم من خالفك.
  • اقتدِ بالعلماء الربانيين في طلب العلم لوجه الله لا للمناصب، وفي الكرم والسخاء ومجالسة أهل العلم والسنة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات