شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (19) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع عشر من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس ركنًا عظيمًا من أركان الإيمان، هو الإيمان بالقدر خيره وشره. ويعرض أبواب الإمام الآجري في أن الله تعالى قدّر المقادير قبل خلق السماوات والأرض، وفي الإيمان بما جرى به القلم، وفي أن الله قدّر على آدم عليه السلام المعصية قبل أن يخلقه، ثم يبدأ في باب السعادة والشقاوة.
وتظهر أهمية هذا الموضوع في أن الإيمان بالقدر يمنح المؤمن طمأنينة القلب وثباته أمام المصائب. كما أن الخطأ في فهمه يوقع الإنسان في أحد انحرافين: الاحتجاج بالقدر على المعاصي، أو إنكار القدر كما فعلت القدرية. وقد جمع الشيخ في هذا المجلس بين تقرير العقيدة بالأحاديث والآثار المسندة، وبين التطبيق العملي في واقع الناس، مثل المشكلات الأسرية والمرض والعقم والأخذ بالأسباب.
أهداف التعلم: معرفة أدلة كتابة المقادير قبل الخلق، وفهم معنى أن القلم أول ما خُلق، وفهم حديث محاجّة آدم وموسى عليهما السلام فهمًا صحيحًا، ومعرفة موقف المؤمن من القدر في الطاعة والمعصية والمصيبة، وفقه قاعدة «منازعة القدر بالقدر» بالدعاء والأخذ بالأسباب.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: كتابة المقادير قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة
افتتح الشيخ المجلس بباب «الإيمان بأن الله تعالى قدّر المقادير على العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض». وبيّن أنه يجب على المسلم أن يعتقد أن كل ما يجري في الكون مكتوب ومقدّر عند الله قبل الخلق. ويدخل في ذلك الابتلاءات والمحن والمصائب، والأدواء والآلام، والطاعات والخيرات، والمعاصي والذنوب.
وساق الإمام الآجري بأسانيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من عدة طرق، وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه في قصة وفد أهل اليمن الذين جاؤوا يتفقهون في الدين ويسألون عن أول هذا الأمر.
قال رسول الله ﷺ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».
وفي حديث عمران بن حصين قال ﷺ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ».
ونبّه الشيخ إلى أن كتابة كل شيء لا تعني أن العبد مسلوب الاختيار. فنحن لا ندري ما كُتب لنا، ونحن مأمورون بالطاعة، ومنهيون عن المعصية، ومأمورون بالصبر عند المصيبة.
المحور الثاني: موقف المؤمن من القدر في الطاعة والمعصية والمصيبة
قرّر الشيخ أن للمؤمن مع القدر ثلاثة مواقف بحسب الحال:
- في الطاعة: يحمد الله ويشكره لأنه هو الذي منّ عليه ووفّقه، ولا يتكبر بطاعته ولا يغترّ بها.
- في المعصية: يتوب ويستغفر ويرجع إلى الله، ولا يحتج بالقدر على ذنبه.
- في المصيبة: يصبر ويحتسب ولا يعترض على أمر الله. والمقام الأعلى والأرفع من الصبر هو مقام الرضا.
واستشهد الشيخ بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 49-50].
المحور الثالث: منازعة القدر بالقدر بالدعاء والأخذ بالأسباب
هذه من أنفع مسائل المجلس. فقد بيّن الشيخ أن المصيبة من قدر الله، وأن الدعاء من قدر الله أيضًا. فقد ينزل البلاء ويقابله الدعاء، فيكون قدر الدعاء أقوى فيرفع الله به البلاء. وكذلك المرض قدر، والتداوي قدر.
وضرب لذلك أمثلة من الواقع:
- الزوجة التي تُلحّ في طلب الطلاق: على الزوج أن يصبر ويناصح ويدعو الله، فلعل الله أن يغيّر حالها. وحذّر الشيخ النساء من طلب الطلاق بغير بأس، وذكّر بقوله ﷺ: «الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ».
- العقم: يذهب الزوجان إلى الطبيب ويأخذان بالأسباب. فإن قدّر الله الولد رُزقاه ولو بعد سنين، وإن لم يقدّره لم يأتِ ولو لم يكن فيهما علة.
- المرض: بعض الناس يُكتب له الشفاء بالدواء أو بالأعشاب، وبعضهم لا يُكتب له.
وفي مثال الطلاق استشهد الشيخ بقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]، وبقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268]. وبيّن أن الصلح طريق الرحمن، والإصرار على الفراق بلا سبب طريق الشيطان.
وفي مسألة التداوي بيّن أن التوكل الصحيح لا ينافي الأخذ بالأسباب. فالتوكل اعتماد القلب على الله مع العمل بالأسباب المشروعة، ولو لم تكن الأسباب مشروعة لما أرشد إليها النبي ﷺ حين قال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».
وفسّر الشيخ قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]. فالتغيير يقع فيما في صحف الملائكة، أما ما في علم الله الأزلي فلا يتغير ولا يتبدل.
المحور الرابع: الإيمان بما جرى به القلم وأن القلم أول المخلوقات
عرض الإمام الآجري باب «الإيمان بما جرى به القلم مما يكون أبدًا». وساق حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، ووصيته لابنه وهو في مرض موته.
قال عبادة لابنه: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ، وَلَنْ تَبْلُغَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قال: وكيف لي أن أعلم خيره وشره؟ قال: «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ». ثم روى عن رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وفي آخره: «فَإِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ».
وأورد آثارًا عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]. ومنها أن الله يوكّل بالعباد حفظة يكتبون أعمالهم، فإذا كان يوم القيامة عُرضت عليهم، ثم يُقابَل بين ما كتبه الحفظة وما في اللوح المحفوظ فإذا هما سواء. وتلا قوله تعالى: ﴿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29].
ونبّه الشيخ إلى أن بعض الأسانيد في هذا الباب ضعيفة، ومنها بعض الروايات في خلق «النون»، وأن بعضها صحيح الإسناد. ولكن أصل المعنى ثابت، وهو أن القلم أول ما خلق الله وأنه كتب المقادير.
وذكر أثر مجاهد حين قيل لابن عباس إن قومًا يقولون في القدر، فقال: «إنهم يكذّبون بكتاب الله»، وأخبر أن الناس إنما يجرون على أمر قد فُرغ منه.
المحور الخامس: محاجّة آدم وموسى عليهما السلام وفقه الاحتجاج بالقدر
ساق الإمام الآجري باب «الإيمان بأن الله قدّر على آدم المعصية قبل أن يخلقه». وروى حديث محاجّة آدم وموسى عليهما السلام من طرق عن عمر بن الخطاب، وجندب، وأبي هريرة رضي الله عنهم.
قال رسول الله ﷺ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».
وبيّن الشيخ الفهم الصحيح للحديث: موسى عليه السلام لم يلُم آدم على المعصية، لأنه يعلم أن آدم تاب وأن الله تاب عليه، والتائب من الذنب لا يُلام. وإنما لامه على المصيبة، وهي الخروج من الجنة. والمصيبة قدر محض لا يُلام عليه الإنسان، فلذلك كانت الحجة لآدم.
ومن هنا يتقرر أن الاحتجاج بالقدر جائز على المصائب، وممنوع على المعايب والذنوب.
وختم الشيخ المجلس بالشروع في باب «الإيمان بأن السعيد والشقي من كُتب في بطن أمه». وسأل الله أن يكون من أهل السعادة، واستعاذ بالله من الشقاء.
النقاط الرئيسية
- كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.
- أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. والإيمان بذلك شرط لتذوّق طعم الإيمان.
- لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، ويجوز الاحتجاج به على المصائب كما في محاجّة آدم وموسى.
- الواجب في الطاعة الحمد والشكر، وفي المعصية التوبة والاستغفار، وفي المصيبة الصبر، وأعلى منه الرضا.
- يُنازَع القدر بالقدر: الدعاء قدر يرفع قدر البلاء، والدواء قدر يرفع قدر المرض.
- الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، والمحو والإثبات يقعان في صحف الملائكة لا في علم الله الأزلي.
- إنكار القدر تكذيب بكتاب الله، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في القدرية.
الفوائد والعبر
- طمأنينة القلب عند البلاء: إذا علم المؤمن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، هانت عليه المصائب وسلم من الجزع والتسخط.
- التواضع في الطاعة: الطاعة توفيق من الله ومنّة، فلا يغترّ العبد بعمله ولا يتكبر به على غيره.
- المبادرة إلى التوبة: لا يتعلل العاصي بالقدر، بل يتوب ويستغفر كما تاب أبونا آدم عليه السلام فتاب الله عليه.
- الإلحاح في الدعاء مع العمل بالأسباب: في المرض والعقم والمشكلات الزوجية وغيرها، يجمع المؤمن بين الطبيب والدعاء، وبين النصح والصبر.
- حفظ البيوت من الهدم: الصلح خير، وطلب الطلاق بغير بأس من خطوات الشيطان. فليتقِ الله الزوجان، وليصبرا، وليسألا الله أن يصلح ذات بينهما.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات