شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (22) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني والعشرون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. أُلقي الدرس بعد مغرب يوم الجمعة الخامس من شهر ربيع الآخر سنة 1437هـ، الموافق للخامس عشر من شهر يناير سنة 2016م. ويتناول الشيخ فيه بابًا مهمًا هو: ما ذُكر عن التابعين وخيار علماء المسلمين في الرد على القدرية. والقدرية هم الذين قالوا إن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، أو إنه سبحانه لم يقدّر الشر وإن العباد هم الذين يخلقونه.
ويركّز المجلس على نسبة القدرية مذهبَهم الفاسد إلى الإمام الحسن البصري رحمه الله كذبًا وزورًا. ويسوق الشيخ الآثار الصحيحة التي ذكرها الآجري بأسانيده عن الحسن، وهي تثبت براءته من هذا المذهب وتصريحه بالإيمان بالقدر. ويُبيّن الشيخ أيضًا أن الكذب عادة أهل البدع حين ينسبون باطلهم إلى أهل العلم ليروج على الناس.
ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف المتعلم عقيدة السلف في القدر، وأن يتعلم منهج التثبت في الأخبار ولا سيما ما يُنقل عن العلماء، وأن يدرك أبواب الشيطان في الإضلال بالشبهات والشهوات وطريق علاجها. ويتضمن كذلك الحث على طلب العلم والثبات على الطاعة وسؤال الله حسن الخاتمة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الكذب سمة أهل البدع وافتراء القدرية على الحسن البصري
ينقل الشيخ قول الإمام الآجري رحمه الله: «اعلموا رحمكم الله أن من القدرية صنفًا إذا قيل لبعضهم: من إمامكم في مذهبكم هذا؟ قالوا: الحسن». ثم يقرر أنهم كذبوا على الحسن، وأن أهل البدع وأهل الشر يكذبون في الغالب. فهم إذا وجدوا عالمًا كبيرًا تعلّقوا به ونسبوا إليه بدعتهم حتى تروج على الناس، وقد أجلّ الله الحسن عن مذهب القدرية.
ويضرب الشيخ مثلًا بأبي سفيان قبل إسلامه، وكان يومئذ زعيم المشركين. فلما سأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هرقلُ أصحابَه خلف ظهره وقال: إن كذبني فكذّبوه. فقال أبو سفيان:
«فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ» (رواه البخاري).
فإذا كان المشرك يستحيي من الكذب، فالعجب كل العجب من مسلم لا يستحيي منه. والكذب يكون رغبةً في شيء من الدنيا أو رهبةً من مخلوق، والرغبة والرهبة لا تكونان إلا في الله ومن الله. ولو خاف العبد ربه حقًا لما كذب.
ويذكر الشيخ خبر عبد الله بن سلام رضي الله عنه مع اليهود، فقد قالوا فيه أولًا: «خيرنا وابن خيرنا، وعالمنا وابن عالمنا، وسيدنا وابن سيدنا». فلما خرج وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قالوا: «شرنا وابن شرنا». فمن تكلم الناس في ربهم ونبيهم فلن يسلم أحد من ألسنتهم، والعاقل لا يبالي بشتم اللئيم.
المحور الثاني: التثبت في الأخبار وحسن الظن بأهل العلم
يروي الآجري عن خالد الحذّاء أن رجلًا من أهل الكوفة كان يجانب الحسن لما بلغه عنه من القول بالقدر. فلما لقيه سأله عن قول الله تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]
فقال الحسن: لا يختلف أهل رحمة الله، وخلق أهل الجنة للجنة وأهل النار للنار. فصار الرجل بعد ذلك يذبّ عن الحسن ويدافع عنه بعد أن كان يعاديه. والعبرة أنه ليس كل ما يُقال يُنقل، ولا كل ما يُنقل يُصدَّق، وأن القلوب بيد الله، فقد يصير المُبغِض اليوم مُحبًا مدافعًا غدًا.
ويذكر الشيخ أيضًا أن خالد الحذاء نفسه سمع أن الحسن تكلم في القدر، فلم ينقل الكلام ولم يتّهمه، بل ذهب إليه ليتثبت بأدب. فسأله: آدم خُلق للأرض أم للسماء؟ فقال الحسن: للأرض. قال: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: لم يكن له بدٌّ من أن يأكل منها، لأنه للأرض خُلق. فتبيّن لخالد أن الحسن يُثبت القدر.
ويستشهد الشيخ بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم).
ويتبين بذلك أن سوء الظن بأهل العلم الذين بذلوا أنفسهم في سبيل الله أمر خطير، وأن الواجب هو حمل الكلام المحتمل على أحسن وجوهه. فلا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذا الذي لا يخطئ؟
المحور الثالث: عقيدة الحسن البصري في القدر من خلال الآثار الصحيحة
ساق الآجري آثارًا كثيرة عن الحسن تثبت إيمانه بالقدر، منها قوله: «جفّ القلم، وقُضي القضاء، وتمّ القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل، وسعادة من عمل واتقى، وشقاوة من ظلم واعتدى». وقال في تفسير قوله تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: 118]
أي على الهدى. ومعنى «ولذلك خلقهم» عنده أنه خلق قومًا للجنة وقومًا للنار، وليس المعنى أنهم خُلقوا ليختلفوا اختلافًا مأمورًا به.
ومن أصرح أقواله: «من كفر بالقدر فقد كفر بالإسلام. إن الله تعالى خلق خلقًا فخلقهم بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم أرزاقهم بقدر، والبلاء والعافية بقدر». وقال أيضًا: «من كذّب بالقدر فقد كذّب بالحق مرتين»، وفي رواية: «فقد كذّب بالقرآن».
ويقرر الشيخ أن أفعال الله كلها خير وحكمة. وأما بالنسبة إلينا فيوجد الخير ويوجد الشر، والإيمان بالقدر يشمل خيره وشره. وقد يبتلي الله العبد بالمحن تكفيرًا لذنوبه ورفعةً لدرجاته وبلوغًا لمنزلةٍ لم يكن يبلغها بعمله. ومع ذلك يُسأل اللهُ العافية، فليس بعد العافية شيء.
وختم الآجري هذه الآثار بقوله: لقد ضلّت القدرية ضلالًا بعيدًا وخسرت خسرانًا مبينًا حين زعمت أن الحسن إمامها، فهي تموّه على الناس وتكذب على الحسن. ثم انتقل إلى ما رُوي عن الإمام محمد بن سيرين رحمه الله في الباب نفسه.
المحور الرابع: الشياطين لا تفتن إلا من كُتب عليه الشقاء، والإضلال بالشبهات والشهوات
فسّر الحسن رحمه الله قول الله تعالى:
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 161-163]
فقال: الشياطين لا يفتنون بضلالتهم إلا من أوجب الله عليه أن يصلى الجحيم، أي من سبق في علم الله أنه يصلاها. وهذا دليل صريح على أن الحسن كان يُثبت علم الله السابق وكتابته.
ويبيّن الشيخ أن من كان على ضلالة يحسب نفسه على الحق، كما قال تعالى:
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 36-37]
﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]
والشيطان يضل الإنسان بأمرين. الأول الشبهات، وعلاجها العلم واليقين بالكتاب والسنة. والثاني الشهوات، كشهوة المال والرئاسة والعلو والتملق إلى الناس، وعلاجها الصبر والزهد والتقوى والورع. قال تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]
وجمع الله العلاجين في قوله:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]
فبالصبر تُدفع الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات.
المحور الخامس: طلب العلم والثبات على الطاعة وحسن الخاتمة
يقرر الشيخ أننا لا نعلم من هو من أهل الجنة ومن هو من أهل النار، وأن الأعمال بالخواتيم. فالواجب أن نعمل بعمل أهل الجنة، ونستمر على الطاعة، ونُكثر الدعاء والتذلل لله أن يجعلنا من أهلها. قال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68]
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]
ومن ثمرات الاستقامة حسن الخاتمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (رواه أبو داود).
ويؤكد الشيخ أن طلب العلم عبودية، ويذكر المراتب الأربع التي قررها ابن القيم في «زاد المعاد»: العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه. ويحذّر من ترك طلب العلم، فهو من علامات الخذلان، والنفس إن لم تُشغل بالطاعة شغلت صاحبها بالمعصية ووساوس الشيطان. وصحبة أهل العلم الآخذين بالكتاب والسنة من علامات السعادة، والإعراض عنهم من علامات الخذلان.
النقاط الرئيسية
- القدرية فرقة ضالة نفت علم الله السابق أو زعمت أن الله لم يقدّر الشر، وقد ردّ عليهم الصحابة والتابعون.
- نسبة القدرية مذهبهم إلى الحسن البصري كذب، والآثار الصحيحة عنه تثبت إيمانه بالقدر خيره وشره.
- قال الحسن: «من كفر بالقدر فقد كفر بالإسلام»، و«من كذّب بالقدر فقد كذّب بالحق مرتين».
- الكذب سمة غالبة على أهل البدع، فهم يتعلقون بالعلماء الكبار ليروّجوا بدعهم.
- التثبت في الأخبار، وخاصة ما يُنقل عن أهل العلم، منهج السلف كما فعل خالد الحذاء مع الحسن.
- الشيطان يضل الناس بالشبهات وعلاجها العلم واليقين، وبالشهوات وعلاجها الصبر والزهد.
- الأعمال بالخواتيم، والثبات على الطاعة مع الدعاء سبيل حسن الخاتمة، وطلب العلم من علامات التوفيق.
الفوائد والعبر
- لا تنقل كل ما تسمع ولا تصدّقه، وإذا بلغك عن عالم أو أخ ما يسوؤك فتثبّت منه بأدب قبل الحكم عليه.
- احمل الكلام المحتمل على أحسن الوجوه، وأحسن الظن بأهل العلم الذين بذلوا أعمارهم في خدمة الدين.
- حصّن نفسك من الشبهات بطلب العلم الشرعي، ومن الشهوات بالصبر والورع ومراقبة الله.
- آمن بالقدر خيره وشره، واصبر على البلاء فإنه يكفّر الذنوب ويرفع الدرجات، مع سؤال الله العافية دائمًا.
- الزم الطاعة وصحبة أهل العلم، وأكثر من دعاء الله أن يثبّتك ويحسن ختامك، فإن الأعمال بالخواتيم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات