شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (26) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس والعشرون من مجالس شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويُكمل فيه الشيخ باب رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وهي أعظم نعيم أهل الجنة وأعلى كرامة يكرم الله بها أولياءه. ويعرض الإمام الآجري في هذا الباب ما رواه بأسانيده عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وعدي بن حاتم رضي الله عنهم.
ويقف الشيخ عند أسانيد هذه الروايات، فيبين الصحيح منها والضعيف، ويذكر ما يشهد للضعيف من الأحاديث الصحيحة. ثم يستخرج منها الأحكام العقدية والتربوية، ومنها: فضل يوم الجمعة وساعة الإجابة فيه، ومعنى «يوم المزيد»، وإثبات صفات الله تعالى على الوجه اللائق بجلاله دون تكييف، وحديث النجوى الذي فيه ستر الله على عبده المؤمن يوم القيامة.
ويهدف المجلس إلى ترسيخ عقيدة أهل السنة في رؤية الله تعالى، وإلى تعليم المسلم كيف يحاسب نفسه ويقرّ بذنبه ويتوب منه، وكيف يتحلل من حقوق الناس في الدنيا قبل أن يقف بين يدي ربه يوم القيامة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: يوم الجمعة وساعة الإجابة ويوم المزيد
بدأ الشيخ بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أتى جبريل عليه السلام النبيَّ صلى الله عليه وسلم وفي كفه مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء، فأخبره أنها الجمعة، يعرضها الله عليه لتكون عيدًا له ولأمته من بعده. والنكتة السوداء هي الساعة التي تقوم فيها القيامة يوم الجمعة. وبيّن الشيخ أن في إسناد هذا الحديث ضعفًا، لكن لكثير من فقراته شواهد صحيحة، وأن ساعة الإجابة يوم الجمعة ثابتة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح.
وذكر أن للعلماء في وقت هذه الساعة قولين مشهورين. الأول أنها آخر ساعة بعد العصر، ورجّحه الشيخ. والثاني أنها من صعود الإمام المنبر إلى أن ينصرف من الصلاة، ولهذا القول حظ كبير من النظر. أما قوله في الحديث «وهو قائم يصلي» مع أن ما بعد العصر وقت نهي عن الصلاة، فجوابه أن من جلس ينتظر صلاة المغرب فهو في حكم المصلي.
ثم شرح معنى «يوم المزيد»: يتجلى الله تعالى لأهل الجنة في وادٍ أفيح من مسك أبيض، فيجلس الأنبياء على منابر من نور، ثم الصدّيقون والشهداء على كراسيّ من ذهب، ثم سائر أهل الجنة على كثبان المسك، فينظرون إلى وجهه الكريم ويسألونه الرضا. ونبّه الشيخ على أن كيفية النزول لا يُسأل عنها، فالله تعالى ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، والعقل لا يدرك ما وراء الجدار، فكيف يدرك كيفية ذات رب العالمين؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» (متفق عليه).
قال تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35].
قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255].
المحور الثاني: روايات جابر بن عبد الله في تجلي الرب لأهل الجنة
روى الإمام الآجري عن جابر رضي الله عنه أن أهل الجنة بينما هم في نعيمهم سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: «السلام عليكم يا أهل الجنة»، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه. وبيّن الشيخ أن إسناد هذه الرواية ضعيف بسبب الفضل الرقاشي، فهو منكر الحديث.
ثم ذكر رواية أخرى: تأتي أهلَ الجنة خيولٌ من ياقوت أحمر فيركبونها، فإذا تجلى لهم الجبار خرّوا له سجّدًا، فيقول: ارفعوا رؤوسكم، فليست هذه دار عمل، وإنما هي دار مقام ونعيم، وقد رضيت عنكم رضًا لا سخط بعده. ثم يرجعون إلى أهليهم فيمرّون بكثبان المسك، فيبعث الله عليها ريحًا تثيرها في وجوههم. ونبّه الشيخ على أن في إسنادها الحكم بن أبي خالد، وهو متروك. وأصل الرؤية مع ذلك ثابت بالقرآن والأحاديث الصحيحة المتواترة.
قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58].
المحور الثالث: حديث النجوى، وستر الله على عبده المؤمن
ثم روى الآجري عن ابن عمر رضي الله عنهما حديث النجوى، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري وغيره. والنجوى هي الكلام الخفي بين اثنين. وفيه أن الله تعالى يُدني عبده المؤمن يوم القيامة، ويضع عليه كنفه أي ستره، ويقرّره بذنوبه، فيقرّ بها العبد ولا يجادل. وبيّن الشيخ أن قتادة مدلس، لكن الحديث جاء من رواية هشام الدستوائي، وهو من أوثق الناس في قتادة.
وأطال الشيخ في الوقوف مع هذا الحديث. فالمؤمن الذي اعتاد في الدنيا أن يعترف بذنبه ويستغفر منه يقرّ بين يدي ربه فيُستر عليه ويُغفر له. أما الكافر والمنافق، فقد اعتادا الكذب والجدال والنفاق في الدنيا، فيُفضحان على رؤوس الأشهاد. وذكّر الشيخ بأن فضيحة الدنيا وذلّها أهون من فضيحة الآخرة وذلّها، وحذّر ممن يكذب ويحلف بالله على كذبه وهو يحمل حقوق الناس على عاتقه.
وحثّ الشيخ على التحلل من حقوق العباد اليوم قبل الغد. وضرب لذلك مثلًا برجل أراد أن يمازح صاحب مطعم فقال له: ليس عندي مال، فخذ حقك يوم القيامة. فأجابه صاحب المطعم: اليوم أرخص لك. ذلك أن الحق يُقضى في الدنيا بمال يذهب ويجيء، أما يوم القيامة فلا يُقضى إلا بالحسنات، والعبد يومئذ أحوج ما يكون إلى حسنة واحدة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُدْنِي اللَّهُ الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ» (متفق عليه).
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18].
ومن سيد الاستغفار: «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (رواه البخاري).
المحور الرابع: منازل أهل الجنة، وأكرمهم على الله
روى الآجري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملكه مسيرة ألف سنة، وأن أكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه تعالى غدوة وعشية. وبيّن الشيخ أن في إسناده ثُوير بن أبي فاختة، وهو ضعيف. لكن ثبت في الصحيح أن آخر أهل الجنة دخولًا يُعطى مثل الدنيا وعشرة أمثالها.
ونبّه الشيخ إلى أن الجنة ليس فيها فقير، وأن أدنى أهلها يملك مثل الدنيا وعشرة أمثالها. فالعجب ممن يتنافس اليوم على قطعة أرض أو متاع زائل وينسى هذا النعيم المقيم. ثم ختم الأثر بتلاوة ابن عمر رضي الله عنهما لآية القيامة.
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23].
وفي الصحيح في آخر أهل الجنة دخولًا: «فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا».
المحور الخامس: تكليم الله لعباده بلا ترجمان، واتقاء النار ولو بشق تمرة
وختم الشيخ المجلس بحديث عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه، وقد أخرجه الشيخان. وفيه أن كل عبد سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب، فينظر عن يمينه وشماله فلا يرى إلا ما قدّم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار. وفي الحديث إثبات صفة الكلام لله تعالى، وإثبات المحاسبة المباشرة.
وبيّن الشيخ أن الحديث يحث على الصدقة ولو بالقليل، فمن لم يجد شيئًا فبكلمة طيبة. وحذّر من الإفك والبهتان والكذب على الخلق، فهي تُهلك صاحبها في الموقف العظيم. ثم أشار إلى أن الكلام في المجلس القادم سيكون في حديث شجرة طوبى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (متفق عليه)، وفي رواية: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
النقاط الرئيسية
- رؤية المؤمنين لربهم في الجنة أعظم نعيمهم، وهي ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة وإن ضعفت بعض الأسانيد الواردة في الباب.
- يوم الجمعة سيد الأيام وعيد هذه الأمة، ويُسمّى في الآخرة «يوم المزيد» لأن أهل الجنة يزدادون فيه كرامة ونظرًا إلى وجه الله.
- أرجى أوقات ساعة الإجابة يوم الجمعة آخرُ ساعة بعد العصر، والقول الثاني من صعود الإمام المنبر إلى انقضاء الصلاة.
- تُثبت صفات الله تعالى، كالنزول والكلام والكرسي، على الوجه اللائق بجلاله دون تكييف ولا تمثيل.
- حديث النجوى صحيح، وفيه أن الله يستر المؤمن المقرّ بذنبه ويغفر له، ويفضح الكافر والمنافق على رؤوس الأشهاد.
- من منهج الشرح بيان درجة الأسانيد، وذكر الشواهد التي تقوّي متون الروايات الضعيفة.
- كل عبد سيكلمه ربه بلا ترجمان، فليتّقِ النار ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة.
الفوائد والعبر
- اغتنم آخر ساعة من نهار الجمعة بالدعاء والذكر وانتظار صلاة المغرب، ففيها رجاء الإجابة.
- تعوّد الإقرار بذنبك بين يدي ربك والاستغفار منه، واحذر الجدال والكذب والتبرير، فمن اعتاد الصدق في الدنيا رُجي له الستر في الآخرة.
- بادر إلى رد حقوق الناس والتحلل منها اليوم، فالحق يُقضى في الدنيا بالمال، وفي الآخرة بالحسنات.
- لا تحقر صدقة ولو كانت شق تمرة، ولا كلمة طيبة، فقد تكون سببًا في نجاتك من النار.
- تذكّر نعيم الجنة الدائم، وأعظمه النظر إلى وجه الله الكريم، يهن عليك التنافس على متاع الدنيا الزائل.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات