شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (62) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني والستون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يتناول المجلس بابًا مهمًّا من أبواب الاعتقاد، وهو بيان مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وكيف كانت منزلتهم عنده في حياتهم وفي خلافتهم وبعد موتهم.
وتظهر أهمية هذا الباب في أنه يرد على من زعم أن عليًّا رضي الله عنه كان يبغض الخلفاء الثلاثة قبله أو يخالفهم. فالإمام الآجري يسوق الآثار المسندة عن علي نفسه وعن أهل بيته، وهي تبين أنه كان يحب الشيخين وعثمان ويعظّمهم ويفضّلهم. ويذكر الشيخ أن هذا الأمر كان واضحًا عند السلف لا يحتاج إلى بيان، لكن الآجري أفرده بالكلام لما ظهرت الرافضة وطعنت في الصحابة.
ومن أهداف هذا المجلس أن يعرف المشاهد عقيدة أهل السنة في ترتيب الخلفاء الراشدين وتفضيلهم، وأن يقف على الأدلة الصحيحة من أقوال علي رضي الله عنه، وأن يعلم أن محبة الصحابة جميعًا علامة على التوفيق، وأن بغضهم علامة على الشقاء والخذلان.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: منزلة الخلفاء الثلاثة عند علي رضي الله عنه في حياتهم وبعد موتهم
يبدأ الإمام الآجري الباب بجواب سائل أراد أن يعرف مذهب علي في أبي بكر وعمر وعثمان، وكان يريد بذلك أن تزداد محبته للصحابة جميعًا ولأمهات المؤمنين وأهل البيت. فبيّن الآجري أنه لم يُحفظ عن علي رضي الله عنه، ولا عن غيره من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، إلا محبة الخلفاء الثلاثة وتعظيمهم.
وذكر أن عليًّا كان في خلافتهم سامعًا مطيعًا لهم، يحبونه ويحبهم، ويعظّمون قدره ويعظّم قدرهم. وكان مخلصًا في طاعتهم ومحبتهم، يستشيرونه في نوازل المسلمين فيشير عليهم مشورة الناصح المشفق المحب، وكان كثير من سيرتهم مبنيًّا على مشورته. ونبّه الشيخ إلى أن عليًّا رضي الله عنه أشجع من أن يُظهر خلاف ما يبطن، فكانت محبته لهم صادقة في الظاهر والباطن.
ولما مات أبو بكر حزن عليه علي حزنًا شديدًا، وبكى على عمر حين قُتل، وتبرأ من دم عثمان وبيّن أنه قُتل مظلومًا. فلما وَلي الخلافة سار بسيرتهم واتبع آثارهم، وذكر فضائلهم في خطبه على المنابر، وذمّ من خالفهم، وتبرأ ممن تنقّصهم.
المحور الثاني: محبة الخلفاء الأربعة علامة التوفيق
قرر الإمام الآجري أن الخلفاء الأربعة لا يحبهم إلا تقيٌّ وفقه الله للحق، وأن من يبغضهم أو يبغض واحدًا منهم شقيٌّ قد أخطأ طريق الحق. ومذهب أهل السنة في الخلافة والتفضيل هو هذا الترتيب: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم.
وذكر الآجري أن حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لا يجتمع إلا في قلوب الأتقياء. ونقل عن سفيان الثوري رحمه الله قوله: «لا يجتمع حب عثمان وعلي إلا في قلوب نبلاء الرجال». وبيّن الشيخ أن صاحب البدعة لا يتسع قلبه لمحبتهم جميعًا، أما صاحب السنة فقد جمع الله في قلبه محبتهم كلهم.
وروى الآجري عن أيوب السختياني رحمه الله قوله: «من أحبَّ أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحبَّ عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحبَّ عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحبَّ عليًّا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق».
المحور الثالث: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة
ساق الإمام الآجري روايات كثيرة عن علي رضي الله عنه، من طرق متعددة ومن رواية أهل البيت، أنه كان جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر وعمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ» (رواه الترمذي وابن ماجه).
ثم قال علي: «فما أخبرتهما حتى ماتا». وأشاد الآجري بأن هذه الفضيلة رواها أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علي، مثل جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده. ومن ذلك أيضًا قول جعفر بن محمد: «من جهل فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة».
وأورد كذلك أثر علي في النجباء، وفيه أن كل نبي أُعطي سبعة نجباء، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم أُعطي أربعة عشر نجيبًا، منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
المحور الرابع: علي يصرّح بخيرية أبي بكر ثم عمر على منبر الكوفة
من أقوى الأدلة في هذا الباب ما تواتر عن علي رضي الله عنه أنه قال على منبر الكوفة: «خيرُ هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر». وكان يقول: إن الله قبض نبيه صلى الله عليه وسلم على خير ما قبض عليه نبيًّا، ثم استُخلف أبو بكر فعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، ثم قُبض على خير ما قُبض عليه أحد، وكان خير هذه الأمة بعد نبيها، ثم استُخلف عمر فعمل بعملهما.
وروى الآجري حديث محمد ابن الحنفية الذي أخرجه البخاري، قال: قلت لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أبو بكر»، قلت: ثم من؟ قال: «ثم عمر»، وخشيت أن يقول عثمان فقلت: ثم أنت؟ قال: «ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين». وهذا تواضع منه رضي الله عنه، وفيه تقديمه للشيخين.
ونُقل عنه كذلك قوله: «لا يفضّلني أحدٌ على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدَّ المفتري». فمن فضّل عليًّا على الشيخين فقد خالف عليًّا نفسه.
المحور الخامس: ثناء علي على عمر بعد موته
ذكر الآجري أن عليًّا رضي الله عنه دخل على عمر وهو مسجّى بثوبه بعد استشهاده، فقال: «ما أحدٌ أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجّى». ثم ترحّم عليه وأثنى عليه بأنه كان عالمًا بالله، عظيمًا لله في صدره، يخشى الله في الناس ولا يخشى الناس في الله، جوادًا بالحق، زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة.
وأورد الآجري آثارًا أخرى تبين حب علي لعمر، وتبين أنه كان يذكر محاسنه بعد موته. وهذا يرد على من يزعم أن بينهما عداوة أو خصومة.
النقاط الرئيسية
- لم يُحفظ عن علي رضي الله عنه إلا محبة أبي بكر وعمر وعثمان وطاعتهم، في حياتهم وفي خلافتهم وبعد موتهم.
- كان علي مستشارًا ناصحًا للخلفاء قبله، ولما ولي الخلافة سار بسيرتهم واتبع آثارهم.
- أهل السنة يرتبون الخلفاء في الخلافة والتفضيل هكذا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
- محبة الخلفاء الأربعة جميعًا لا تجتمع إلا في قلوب الأتقياء، ومن أبغض أحدهم فقد خُذل.
- صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة إلا النبيين والمرسلين.
- صرّح علي على منبر الكوفة بأن خير الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، وتوعّد من فضّله عليهما بحد المفتري.
- روى أهل البيت، كجعفر الصادق ومحمد ابن الحنفية، فضائل الشيخين، وفي هذا رد على الرافضة.
الفوائد والعبر
- ينبغي للمسلم أن يملأ قلبه بمحبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعًا، وأن يكف لسانه عنهم إلا بالخير، لأن ذلك براءة من النفاق.
- يكفي في الرد على أهل البدع أن تُعرض عليهم أقوال من يدّعون اتباعه، فأقوال علي رضي الله عنه وأهل بيته تنقض مذهب الرافضة.
- تعلّم المسلم من تواضع علي رضي الله عنه وإنصافه أن يعترف بفضل أهل الفضل، وألا يغلو فيه الناس.
- يتعلم المسلم من الصحابة الأخوّة والتناصح والمشورة في أمور المسلمين، والتعاون على الحق.
- معرفة السلف والرجوع إلى كتب العقيدة المسندة، مثل «الشريعة» للآجري، تحفظ المسلم من الشبهات وتثبّته على السنة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات