شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (66) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,851 مشاهدة
286 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس والستون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس بابًا عظيمًا من أبواب الاعتقاد، وهو فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضائل أهل بيته، والكفّ عمّا شجر بينهم من الخلاف، ووجوب الترحّم عليهم والاستغفار لهم. وفيه أيضًا بيان الوعيد الشديد لمن سبّهم أو طعن فيهم.

وهذا الباب من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة. فالصحابة رضي الله عنهم هم الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة، وعنهم أخذنا الأحكام والآداب، والطعن فيهم طعنٌ في الدين الذي حملوه. ولهذا أفرد له الإمام الآجري أبوابًا كثيرة من كتابه، واستدل فيها بالآيات والأحاديث والآثار.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد منزلة الصحابة كما جاءت في الكتاب والسنة، وأن يفهم منهج السلف في السكوت عمّا وقع بينهم من الفتن، وأن يحذر من الخوض فيها لأنه طريق إلى الزيغ والهوى. ومن أهدافه كذلك أن يتعلم المسلم كيف يحفظ قلبه ولسانه تجاه هؤلاء الأخيار، وكيف يرد على من يطعن فيهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: فضائل خاصة لبعض الصحابة رضي الله عنهم

في بداية المجلس ساق الإمام الآجري بأسانيده أحاديث في فضائل عدد من الصحابة، منها فضل عمار بن ياسر رضي الله عنه. فقد استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:

«ائْذَنُوا لَهُ، مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ» (رواه الترمذي وابن ماجه)

وذكر أيضًا فضل عمرو بن العاص وأخيه هشام رضي الله عنهما، وأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهما بالإيمان، فقال:

«ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ: عَمْرٌو وَهِشَامٌ» (رواه أحمد)

ونبّه الشيخ في أثناء الشرح على درجة بعض الأسانيد من حيث الصحة والضعف. وبيّن أن هذه الشهادات النبوية تقطع الطريق على كل من أراد أن ينتقص أحدًا من الصحابة بسبب ما وقع بينهم بعد ذلك.

المحور الثاني: وجوب محبة الصحابة والاستغفار لهم والكف عما شجر بينهم

قرر الإمام الآجري أن على من أحب الله ورسوله أن يحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وأن يترحم عليهم ويستغفر لهم ويتوسل إلى الله بمحبتهم، وأن يشكر الله على أن وفقه لذلك. وقرر أيضًا ألا يذكر ما شجر بينهم ولا يبحث عنه ولا ينقّب فيه.

ثم أورد على نفسه اعتراض من يقول: إنما أريد أن أعرف ما جرى بينهم حتى لا يغيب عني منه شيء. فأجاب بأن هذا طلب لا حاجة إليه، وأن الاشتغال به ضرر محض. فالصحابة قوم شهدوا التنزيل وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد الله لهم بالرضوان والمغفرة والأجر العظيم، وهم أعلم منا وأفقه منا. وما كلّفنا الله إلا الاستغفار لهم والترحم عليهم ومحبتهم، وعلى هذا دل الكتاب والسنة وأقوال أئمة المسلمين.

وحذّر رحمه الله من أن تفتيش المرء عمّا جرى بينهم قد يكون سببًا لزيغ قلبه، فيتلاعب به الشيطان ويخرجه عن طريق الحق إلى طريق الهوى. وأنكر على من يفني عمره في ذلك وهو لا يتعلم ما هو أولى به، كأحكام الطهارة والصلاة وأحكام الحلال والحرام في طعامه ومكسبه.

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]

المحور الثالث: ثناء الله عز وجل على الصحابة في كتابه

استدل الإمام الآجري بآيات كثيرة وصف الله فيها الصحابة بأكمل الصفات، وأخبر فيها أنه رضي عنهم وتاب عليهم. ومن تاب الله عليه لم يعذبه أبدًا، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]

﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117]

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]

﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: 8]

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] — ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]

ونقل أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي يبين أن الله اصطفى الصحابة لصحبة نبيه:

«إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ» (رواه أحمد)

ثم قال الإمام الآجري: من سمع هذا من الله ورسوله، فإن كان موفقًا للخير اتعظ به، وإن كان متبعًا لهواه فيُخشى عليه أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50].

المحور الرابع: آثار السلف في الأمر بالاستغفار للصحابة والنهي عن سبهم

ساق الإمام الآجري آثارًا عن السلف تبين أن الله أمر بالاستغفار للصحابة وهو يعلم ما سيقع بينهم من القتال. فقال ابن عباس رضي الله عنهما:

«لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيَقْتَتِلُونَ»

ونبّه الشيخ إلى أن في إسناد هذا الأثر عند الآجري ضعفًا، لكن معناه صحيح ثابت. ويشهد له قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

«أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَبُّوهُمْ» (رواه مسلم)

وذكر آثارًا عن الحسن البصري وغيره في وصف الصحابة بأنهم أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا. وذكر كذلك وصيتهم بالاقتصار على ذكر محاسن الصحابة، لأن الإكثار من ذكر غير ذلك يجرّئ الناس عليهم.

المحور الخامس: الوعيد الشديد لمن سب الصحابة

ختم الإمام الآجري الباب بأحاديث في لعن من سب الصحابة، وبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيأتي في آخر الزمان قوم يلعنون أصحابه، فلعن من فعل ذلك. ومعنى «لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا»: لا يقبل منه فريضة ولا نافلة، وقيل: لا توبة ولا فدية. قال الآجري: من لم يكرمهم فقد أهانهم، ومن سبهم فقد سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سب رسول الله استحق لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

«إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، فَجَعَلَ لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَارًا وَأَصْهَارًا، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»

«إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ وَسُبَّ أَصْحَابِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ»

«اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ» (رواه الترمذي)

وتكلّم الشيخ على أسانيد هذه الأحاديث، فبيّن ما فيه مقال منها وما يتقوى بغيره. وبيّن أن مجموعها مع الآيات وما صح من الآثار يقرر أصلًا ثابتًا، وهو أن سب الصحابة من كبائر الذنوب ومن علامات أهل الأهواء. وبيّن أيضًا أن على العالم أن يبين الحق ويذبّ عنهم إذا ظهر الطعن فيهم.

النقاط الرئيسية

  • محبة الصحابة وأهل البيت والترحم عليهم والاستغفار لهم أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة.
  • منهج السلف الكف عمّا شجر بين الصحابة وترك البحث فيه، لأنهم أعلم وأفقه، وقد شهد الله لهم بالرضوان.
  • القرآن مملوء بالثناء على الصحابة، ومنه آيات الفتح والتوبة والتحريم والحشر، والله تاب عليهم ورضي عنهم.
  • أمر الله بالاستغفار للصحابة وهو يعلم ما سيقع بينهم من القتال، فلا يجوز أن يُتخذ ذلك سببًا للطعن فيهم.
  • الاشتغال بتتبع الفتن التي وقعت بين الصحابة قد يزيغ القلب، ويشغل المرء عمّا هو أوجب عليه من العلم والعمل.
  • من سب الصحابة فقد تعرّض للعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأذاهم أذًى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • من منهج أهل العلم النظر في الأسانيد وبيان درجتها مع تقرير المعاني الثابتة بالأدلة الصحيحة.

الفوائد والعبر

  • أن يجعل المسلم دعاءه للصحابة عادة له، فيقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وأن يطهر قلبه من الغل تجاههم.
  • أن يحفظ لسانه وسمعه عن الخوض فيما جرى بين الصحابة، وأن يبتعد عن المجالس والمواد التي تثير الشبهات حولهم.
  • أن يقدّم تعلم ما يحتاج إليه في دينه، كالطهارة والصلاة والحلال والحرام، على الفضول الذي لا ينفعه بل قد يضره.
  • أن يعرف أن الدفاع عن الصحابة دفاع عن الدين كله، لأنهم نقلة القرآن والسنة، وأن على طالب العلم أن يبين الحق إذا ظهر الطعن فيهم.
  • أن يقرأ سير الصحابة وفضائلهم ليقتدي بهم في إيمانهم وجهادهم وأخلاقهم، فبهديهم نهتدي وبآدابهم نتأدب.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات