شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (58) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

1,959 مشاهدة
31 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن والخمسون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس بابًا من أبواب الكتاب في فضائل الصحابة وأهل البيت، ويبدأ بفضائل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. فهي الصدِّيقة الكبرى، ووزيرة رسول الله ﷺ، وصاحبة المواقف العظيمة في أول الدعوة، وأول من أسلم من النساء.

يعرض الشيخ في هذا المجلس قصة بدء الوحي وموقف خديجة رضي الله عنها في تثبيت النبي ﷺ، ثم ذكر زواجها منه وذريتها الطيبة المباركة. ويتناول كذلك غضب النبي ﷺ لها وحسن ثنائه عليها، وكونها من سيدات نساء العالمين، وبشارتها ببيت في الجنة. ثم ينتقل الشرح إلى فضائل أهل البيت: علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، من خلال آية المباهلة وآية التطهير.

ويهدف هذا الدرس إلى ما يلي:

  • تعريف المشاهد بمنزلة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وبسيرتها التي هي قدوة للمرأة المسلمة.
  • بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في محبة أهل البيت وتوقيرهم دون غلو ولا جفاء.
  • تدريب طالب العلم على التمييز بين الروايات الصحيحة والضعيفة، كما فعل الشيخ في تعليقه على الأسانيد.

المحور الأول: خديجة رضي الله عنها وموقفها عند بدء الوحي

قرر الإمام الآجري أن فضل خديجة رضي الله عنها عظيم. فقد أكرمها الله بأن تكون زوجة رسوله ﷺ، ورزقه منها الأولاد الكرام، ومنهم فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ومن إكرامها أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها حتى ماتت، حفاظًا على مشاعرها ووفاءً لها. وكان النبي ﷺ يتعبد في غار حراء، فكانت تزوّده بالطعام والشراب وتعينه على عبادة ربه.

وأورد المصنف حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي. فقد كان أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء. ثم جاءه الملك في غار حراء فقال له: اقرأ، وغطّه ثلاث مرات حتى بلغ منه الجهد، ثم نزل قوله تعالى:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]

ورجع النبي ﷺ ترجف بوادره إلى خديجة رضي الله عنها وقال: «زمّلوني زمّلوني». وبيّن الشيخ أن الإنسان إذا أصابه الفزع غُطِّي حتى يهدأ ويذهب عنه الرَّوع. فلما أخبرها الخبر وقال: «لقد خشيت على نفسي»، ثبّتته بكلمات خالدة استدلت فيها بصفاته الحميدة على أن الله لا يخزيه:

«كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (متفق عليه)

وشرح الشيخ معنى «الكَلّ» بأنه الإنسان الضعيف المستضعف الذي هو عالة على غيره. ثم أورد المصنف أثرًا فيه أن خديجة اختبرت الملك بأن أجلست النبي ﷺ على فخذها ثم في حجرها ثم ألقت خمارها، فلما غاب جبريل قالت: «ما هذا شيطان، إنه لَمَلَك». ونبّه الشيخ على أن هذا الأثر إسناده ضعيف.

المحور الثاني: زواج النبي ﷺ من خديجة وذريتها الطيبة

عقد الإمام الآجري بابًا في ذكر تزويج النبي ﷺ خديجة رضي الله عنها وأولاده منها. وأورد عن الزهري أن أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، وكان زواجها في الجاهلية. فولدت له القاسم وبه كان يُكنى، والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. وبيّن الشيخ أن أولاد النبي ﷺ كلهم من خديجة إلا إبراهيم، فهو من مارية، ومات في حياة النبي ﷺ.

ثم فصّل المصنف في أخبار البنات:

  • زينب: تزوجها أبو العاص بن الربيع، فولدت له أمامة. وتزوج عليٌّ أمامةَ بعد وفاة فاطمة، ثم تزوجها بعد علي المغيرةُ بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
  • رقية: تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وولدت له عبد الله وبه كان يُكنى. وهاجرت معه إلى الحبشة، وتوفيت زمن بدر، فتخلّف عثمان لتمريضها ودفنها، وذلك ما منعه من شهود بدر.
  • أم كلثوم: تزوجها عثمان رضي الله عنه بعد أختها رقية، ولذلك لُقّب بذي النورين، ثم توفيت ولم تلد له.
  • فاطمة: تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فولدت له الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.

وذكر المصنف أن زينب بنت فاطمة تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فولدت له عليًّا وعونًا. وأن أم كلثوم بنت فاطمة تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فولدت له زيدًا. وفي هذا الخبر بيان لعمق المصاهرة والمحبة بين أهل البيت والصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

المحور الثالث: غضب النبي ﷺ لخديجة ووفاؤه لها ومكانتها بين نساء العالمين

عقد المصنف بابًا في غضب النبي ﷺ لخديجة رضي الله عنها وحسن ثنائه عليها. وأورد حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها. فقالت عائشة يومًا من الغيرة: ما كانت إلا عجوزًا قد أبدلك الله خيرًا منها، فغضب ﷺ وقال:

«مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ»

فقالت عائشة في نفسها: لا أذكرها بسيئة أبدًا. ونبّه الشيخ إلى أن إسناد المصنف هنا ضعيف لأن فيه مجالد بن سعيد، لكن معنى الحديث ثابت من طرق أخرى عن عائشة. ومن ذلك قولها رضي الله عنها:

«مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، لِكَثْرَةِ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ» (متفق عليه)

ثم أورد المصنف حديث أنس رضي الله عنه في أنها من سيدات نساء العالمين:

«حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ»

وأشار الشيخ إلى خلاف العلماء في التفضيل بين خديجة وعائشة رضي الله عنهما، ورأى أن الأقرب هو التفصيل:

  • في البذل والعطاء ونصرة النبي ﷺ والقيام بجواره في وقت المحنة، تتقدم خديجة.
  • في العلم ونشر السنة، تتقدم عائشة.

ونبّه الشيخ على ضعف بعض الروايات التي ساقها المصنف في هذا الباب، كالتي في إسنادها عمرو بن عبيد المعتزلي المتروك.

المحور الرابع: بشارة خديجة ببيت في الجنة

عقد المصنف بابًا في بشارة النبي ﷺ لخديجة رضي الله عنها بما أعدّ الله لها في الجنة. وأصح ما في الباب حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه:

«قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: بَشِّرْ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ» (متفق عليه)

وشرح الشيخ معنى الحديث كما يلي:

  • «لا صخب فيه»: لا صياح فيه ولا ضجيج.
  • «ولا نصب»: لا تعب فيه ولا مشقة.
  • «من قصب»: من دُرٍّ مجوَّف.

وهو جزاء من جنس العمل، فقد صبرت رضي الله عنها على أعباء الدعوة وأذى المشركين، وكانت للنبي ﷺ سكنًا وراحة في أشد الأوقات. وأورد المصنف رواية أخرى فيها أن النبي ﷺ عاد فاطمة في مرضها وأخبرها أنها سيدة نساء عالمها كما كانت خديجة ومريم وآسية. ونبّه الشيخ على أن في إسنادها متروكين.

المحور الخامس: فضائل أهل البيت في آيتي المباهلة والتطهير

انتقل الإمام الآجري إلى ذكر جامع فضائل أهل البيت: علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم. وبيّن أن فضلهم كثير عظيم، وأن الله ذكرهم في كتابه في غير موضع. ومن ذلك أن الله أمر نبيه ﷺ بمباهلة نصارى نجران، فقال تعالى:

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]

وذكر المصنف قصة وفد نجران وفيه العاقب والسيد. فلما دعاهما النبي ﷺ إلى الإسلام أخبرهما أن ما يمنعهما منه هو حب الصليب وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير. وحين جادلوه في المسيح عليه السلام نزل قوله تعالى:

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]

فلما دعاهما إلى المباهلة غدا النبي ﷺ آخذًا بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فأبى النصارى المباهلة وأقرّوا بالجزية. وجاء في تفسير الشعبي وأبي جعفر الباقر أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين، وبنسائنا فاطمة، وبأنفسنا علي رضي الله عنهم. ونبّه الشيخ على أن بعض أسانيد هذه الروايات ضعيف، وأن أصل قصة المباهلة ثابت في الصحيح.

ومن فضائلهم كذلك قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]

وهم الذين جلّلهم النبي ﷺ بكساء، وهو المِرط المرحَّل أي الكساء المخطط، كما في حديث عائشة رضي الله عنها الذي بدأ المصنف في سياقه في آخر المجلس. وذكر المصنف كذلك حديث: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي».

النقاط الرئيسية

  • خديجة رضي الله عنها هي الصدّيقة الكبرى، وأول من أسلم من النساء، ولم يتزوج النبي ﷺ عليها حتى ماتت.
  • ثبّتت خديجة النبيَّ ﷺ عند بدء الوحي، واستدلت بمكارم أخلاقه على أن الله لا يخزيه أبدًا.
  • جميع أولاد النبي ﷺ من خديجة إلا إبراهيم: القاسم والطاهر وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.
  • كان النبي ﷺ يكثر ذكر خديجة ويغضب لها، وقال: «ما أبدلني الله خيرًا منها».
  • خديجة من سيدات نساء العالمين مع مريم وآسية وفاطمة، وبُشّرت ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
  • التفضيل بين خديجة وعائشة على التفصيل: خديجة في النصرة والبذل، وعائشة في العلم.
  • آيتا المباهلة والتطهير من أعظم ما ورد في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، مع التنبيه على ضعف بعض الروايات التي ساقها المصنف.

الفوائد والعبر

  • قدوة للمرأة المسلمة: قال الشيخ إن نساءنا لو درسن سيرة خديجة رضي الله عنها وطبّقنها لتغيّر حال كثير من البيوت. فالزوجة الصالحة سند لزوجها في الشدائد، تثبّته وتعينه على طاعة ربه.
  • الوفاء للزوجة الصالحة: في ذكر النبي ﷺ لخديجة بعد موتها وغضبه لها درس في حفظ الجميل والوفاء لمن أحسن إلينا.
  • مكارم الأخلاق سبب لحفظ الله: صلة الرحم وصدق الحديث وإعانة الضعيف وإكرام الضيف أسباب لحفظ الله لعبده وعدم خذلانه.
  • التثبت في الرواية: ينبغي لطالب العلم أن يميّز بين الصحيح والضعيف، وألا يبني فضيلة أو حكمًا على رواية واهية، كما فعل الشيخ في تعليقاته على الأسانيد.
  • محبة أهل البيت والصحابة معًا: عقيدة أهل السنة محبة أهل البيت وتوقيرهم مع محبة الصحابة جميعًا، والمصاهرات بينهم كزواج عثمان من بنتي النبي ﷺ وزواج عمر من أم كلثوم بنت علي شاهد على ما بينهم من مودة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات