شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (31) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.
المقدمة
هذا هو المجلس الحادي والثلاثون من مجالس شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. أُقيم المجلس بعد مغرب يوم الجمعة التاسع من جمادى الآخرة سنة 1437هـ، الموافق للثامن عشر من مارس سنة 2016م.
يتناول المجلس بابًا عظيمًا من أبواب الاعتقاد، وهو: «باب ما رُوي أن الشفاعة إنما هي لأهل الكبائر». وهذه المسألة من أهم ما يُرَدّ به على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد صاحب الكبيرة في النار، وعلى المرجئة الذين يهوّنون من شأن الذنوب. ويبيّن الشيخ فيه عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الموحّد العاصي لا يُخلَّد في النار، وأنه إن دخلها فسيخرج منها يومًا ما برحمة أرحم الراحمين وبشفاعة الشافعين.
ومن أهداف هذا الدرس: إثبات الشفاعة لأهل الكبائر من الموحّدين بالأدلة الصحيحة، وبيان شروطها وأن المشرك محروم منها، والتعرّف على ما يكفّر الصغائر من الأعمال، والوقوف على مكانة النبي ﷺ وشفقته العظيمة على أمته حين ادّخر دعوته المستجابة شفاعةً لها يوم القيامة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الشفاعة لأهل الكبائر والرد على أهل البدع
بيّن الشيخ أن الشفاعات يوم القيامة كثيرة، ومن أعظمها وأهمها الشفاعة لأهل الكبائر من الموحّدين. فالموحّد الذي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، مهما فعل من الذنوب والمعاصي فمآله إلى الجنة، ولا يُخلَّد في النار إلا الكافر. وأهل الكبائر من الزناة والسُّرّاق وشاربي الخمر والكذّابين وغيرهم قد يدخلون النار ليُطهَّروا بعدل أعدل العادلين وأحكم الحاكمين، ثم يخرجون منها برحمة الله.
وساق الإمام الآجري أحاديث جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وكعب بن عُجرة رضي الله عنهم في هذا الباب، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». وعلّق جابر رضي الله عنه على الحديث بقوله لمحمد بن علي بن الحسين: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ؟» أي: من عافاه الله من الكبائر فلا يحتاج إلى هذه الشفاعة.
وشرح الشيخ معنى الدُّور الثلاث: الجنة وهي دار الطيبين الخُلَّص، والنار وهي دار الكفار الخبثاء الخُلَّص، وأما من خلط طيبًا وخبثًا من الموحّدين العصاة فإنه يُطهَّر من ذنوبه في النار إن لم يعفُ الله عنه، ثم يُنقل إلى دار الطيبين. وضرب لذلك مثلًا بالثوب الأبيض الخالص، والثوب الأسود الخالص، والثوب الأبيض الذي فيه نُقَط سوداء يُغسَل منها حتى يطهر.
المحور الثاني: تكفير الصغائر باجتناب الكبائر والأعمال الصالحة
بيّن الشيخ أن من اجتنب الكبائر كفّر الله عنه صغائر ذنوبه، مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31].
وذكر جملةً من المكفّرات، منها قول النبي ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ». ومنها الوضوء الذي تخرج به الخطايا، وصيام الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الست من شوال، وصيام يوم عرفة الذي يكفّر سنتين، وصيام يوم عاشوراء الذي يكفّر سنة.
ونبّه الشيخ في أثناء ذلك على مسألة لفظية، فنقل عن العلامة ابن عثيمين رحمه الله أنه لا يجوز أن يقال: «جمعنا الله في مستقر رحمته»؛ لأن مستقر رحمته هو ذاته سبحانه، وإنما يقال: «في دار كرامته» أو «في الفردوس الأعلى».
المحور الثالث: الشفاعة العظمى ومقام النبي ﷺ يوم القيامة
عرض الشيخ مشهد الشفاعة العظمى: حين تدنو الشمس من الرؤوس ويشتد الكرب، فيذهب الناس إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم السلام، وكلٌّ منهم يقول: «نفسي نفسي، إن الله قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»، حتى يأتوا سيد الخلق محمدًا ﷺ.
فيسجد النبي ﷺ تحت العرش، ويفتح الله عليه من المحامد ما لم يفتحه على أحد قبله، ثم يقال له: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ»، فيقول: «يَا رَبِّ أُمَّتِي، أُمَّتِي». وذكر الشيخ أثر حذيفة رضي الله عنه في أن الشفاعة إنما هي للمذنبين من المؤمنين والمسلمين، وأشار إلى ربعي بن حراش رحمه الله الراوي عنه.
وأشار الشيخ إلى خطورة التعرض لجناب النبي ﷺ بالسب أو الانتقاص، وذكر خلاف أهل العلم في قبول توبة من فعل ذلك، مع التأكيد على عِظم هذا الجرم.
المحور الرابع: شروط الشفاعة وحرمان المشركين منها
قرّر الشيخ أن للشفاعة شرطين: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، ولا يرضى الله إلا عن أهل التوحيد. قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28].
أما المشرك فلا تناله الشفاعة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، وقوله عن الكفار: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]، وهذا تعليق على مستحيل، فدخولهم الجنة مستحيل.
ومن أعظم أسباب نيل الشفاعة الإخلاص في التوحيد، لقول النبي ﷺ لأبي هريرة رضي الله عنه لما سأله عن أسعد الناس بشفاعته: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ».
المحور الخامس: الدعوة المدَّخرة واختيار النبي ﷺ الشفاعة
عقد الإمام الآجري بابًا في قول النبي ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا». وفيه بيان حرص النبي ﷺ على أمته وانشغاله بها حتى ادّخر لها دعوته.
وبيّن الشيخ أن الأمة أمتان: أمة الدعوة، وهي كل من وُجد بعد بعثة النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا، وأمة الإجابة، وهي التي استجابت لله وللرسول وأسلمت وجهها لله، وهي المقصودة بالشفاعة.
ثم ذكر باب تخيير الله نبيه ﷺ بين أن يدخل نصف أمته الجنة وبين الشفاعة، فاختار الشفاعة لأنها أعمّ وأنفع لأكثر الأمة، كما في حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه: «أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي، فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا».
النقاط الرئيسية
- الشفاعة لأهل الكبائر من الموحّدين ثابتة بالأحاديث الصحيحة، وفيها ردٌّ على الخوارج والمعتزلة والمرجئة.
- صاحب الكبيرة من الموحّدين لا يُخلَّد في النار، وإنما يُطهَّر فيها إن لم يعفُ الله عنه، ثم يخرج إلى الجنة.
- اجتناب الكبائر سبب لتكفير الصغائر، ومن المكفّرات: الصلوات الخمس، والجمعة، ورمضان، والوضوء، وصيام عرفة وعاشوراء.
- للشفاعة شرطان: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، ولا يرضى إلا عن أهل التوحيد.
- المشرك محروم من الشفاعة ومن دخول الجنة، وأسعد الناس بالشفاعة من قال «لا إله إلا الله» خالصًا من قلبه.
- ادّخر النبي ﷺ دعوته المستجابة شفاعة لأمته، واختار الشفاعة على دخول نصف أمته الجنة شفقةً عليها.
- الأمة أمتان: أمة دعوة وأمة إجابة، والشفاعة تكون لأمة الإجابة من الموحّدين.
الفوائد والعبر
- تحقيق التوحيد والإخلاص: فهو مفتاح نيل الشفاعة، فليحرص المسلم على تنقية قلبه من الشرك بأنواعه، وأن يقول «لا إله إلا الله» خالصًا من قلبه.
- الجمع بين الخوف والرجاء: فثبوت الشفاعة لا يعني التهاون بالكبائر، فالعذاب قبل الخروج من النار شديد، ورحمة الله في المقابل واسعة فلا يقنط العاصي.
- المداومة على المكفّرات: كالمحافظة على الصلوات والجمعة وإسباغ الوضوء وصيام الأيام الفاضلة، مع اجتناب الكبائر.
- محبة النبي ﷺ وتعظيمه: حين يتأمل المسلم حرصه ﷺ على أمته وادّخاره دعوته لها، فيزداد حبًّا له واتباعًا لسنته، ويحذر من التعرض لجنابه الشريف.
- الاستقامة وحسن الظن بالله: أن يستقيم العبد على أمر الله في حياته، ويُحسن الظن بربه عند حضور الموت، ويسأل الله أن يجمعه بنبيه ﷺ في دار كرامته.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات