شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (52) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني والخمسون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى، وقد شرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. أُلقي الدرس بعد صلاة العشاء ليلة الأربعاء السادس من شهر ربيع الأول سنة 1440هـ، الموافق للرابع عشر من نوفمبر سنة 2018م. وبه يختم الشيخ الجزء السابع عشر من الكتاب، وموضوعه ما رُوي في مقتل أمير المؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذكر إكرام النبي ﷺ له، وبيان شيء من فضائله ومناقبه.
والموضوع مهم في باب الاعتقاد، لأن محبة الصحابة رضي الله عنهم والذب عنهم من أصول أهل السنة والجماعة. وكانت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه أول شرخ عظيم في جسد الأمة، ومنها خرجت الفرق الضالة التي طعنت في خيار الأمة. ومعرفة حقيقة هذه الفتنة وأن عثمان رضي الله عنه قُتل شهيدًا مظلومًا تحصّن المسلم من شبهات أهل الأهواء.
ويتعلم المشاهد من هذا الدرس أمورًا منها: أن عثمان رضي الله عنه شهيد مبشَّر بالجنة، وأن الخارجين عليه كانوا من أهل البغي والفجور وأنهم عوقبوا. ويتعرف على فضائله الثابتة، ويتعلم منهج المحدّثين في نقد الروايات والتمييز بين صحيحها وضعيفها وموضوعها، وهو ما حرص عليه الشيخ في تعليقه على أسانيد الكتاب.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: مقتل عثمان رضي الله عنه شهيدًا مظلومًا ومصير قتلته
ابتدأ المصنف بأثر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وفيه أنه سُئل عن عثمان إن قُتل فقال: في الجنة، وعن قاتله فقال: في النار. وقال الشيخ إن إسناده صحيح. وبيّن أن حذيفة رضي الله عنه كان صاحب سرّ رسول الله ﷺ، فلعله علم من النبي ﷺ أن عثمان رضي الله عنه سيُقتل على بلوى تصيبه، وأنه في الجنة وأن قاتليه في النار.
ثم ذكر المصنف وصف ما جرى يوم الدار: دخل عليه رجل فخنقه، ثم دخل آخر بالسيف فاتقاه عثمان بيده فقطعها، ثم أُجهز عليه وهو يقرأ في المصحف. فوقع دمه على قول الله تعالى:
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]
ونقل المصنف قول عبد الله بن المبارك رحمه الله في الركب الذين خرجوا إلى عثمان رضي الله عنه وقد قيل إن عامتهم جُنّوا: «جعل الله الجنون لهم قليلًا». وعلّق الشيخ بأن هذا قليل في حق هؤلاء الفجرة، لأنهم أحدثوا في الإسلام خرقًا عظيمًا.
المحور الثاني: عقوبة الله لمن تطاول على عثمان رضي الله عنه
ذكر المصنف قصة جهجاه الغفاري، وهو من جملة الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه. كانت في يد عثمان عصا يتوكأ عليها ويتقوى بها، فانتزعها جهجاه منه وكسرها على ركبته. فابتلاه الله بالأكلة في ذلك الموضع حتى احتاجت رجله إلى القطع. وقال الشيخ عن رواية عبيد الله بن عمر العمري لهذه القصة إن إسنادها صحيح.
وأورد المصنف أثر حذيفة رضي الله عنه حين جاء ناس من بني عبس، ومعناه أنه ما سعى قوم إلى إذلال سلطان الله في الأرض إلا أذلّهم الله قبل أن يموتوا. ففيه أن الخروج على الأئمة وسفك دمائهم من أسباب الذل والخزي في الدنيا قبل الآخرة.
المحور الثالث: موقف آل البيت من عثمان رضي الله عنه ورؤيا الحسن بن علي
نقل المصنف عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه سمع من يذكر عثمان رضي الله عنه بسوء فأنكر عليه أشد الإنكار، وقال: لقد قُتل عثمان وما على الأرض أفضل منه، ولا أعظم على المسلمين حرمة منه. فقيل له إن أباك كان في ذلك، فقال: ذروني من أبي. فهذا رد على من يزعم العداوة بين آل البيت وعثمان رضي الله عنهم.
وذكر الحسن رضي الله عنه رؤيا رآها: رأى رسول الله ﷺ متعلقًا بالعرش، وأبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره، ورأى عثمان رضي الله عنه آخذًا بحِقوي النبي ﷺ يقول: سلهم فيم قتلوني، ورأى أنهارًا من دم. وفيها معنى أن دم عثمان رضي الله عنه سُفك مظلومًا، وأن الله سيقتص من قتلته.
المحور الرابع: تحريم سب الصحابة وبغضهم
عقد المصنف بابًا فيمن يبغض عثمان رضي الله عنه، وذكر فيه أثر سعيد بن زيد رضي الله عنه لما قيل له إن قومًا يبغضون عثمان، فقال: أتبغضون رجلًا من أهل الجنة؟ ثم قال الآجري رحمه الله: كفى به شقوة لمن سبّ عثمان أو أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ. واستدل بالأحاديث الواردة في ذلك، ومنها قوله ﷺ:
«لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»
«مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»
«اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ»
وقال الآجري: من سبّ عثمان رضي الله عنه لا يضر إلا نفسه، فقد شهد له النبي ﷺ أنه يُقتل شهيدًا مظلومًا وبشّره بالجنة. وروى ذلك عن النبي ﷺ علي بن أبي طالب وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم. وعلّق الشيخ بأننا لا نقول بعصمة آحاد الصحابة، لكن أحدنا لا يبلغ عُشر معشار أحدهم، وهم من أهل الجنة، ومبغضهم عدو لله ولرسوله ﷺ. ونبّه الشيخ على أن الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ ترك الصلاة على رجل لأنه كان يبغض عثمان حديث موضوع، في إسناده محمد بن زياد اليشكري وهو متهم بالكذب.
المحور الخامس: إكرام النبي ﷺ لعثمان رضي الله عنه وفضائله
عقد المصنف بابًا في إكرام النبي ﷺ لعثمان رضي الله عنه. وأشهر ما فيه حديث عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ مضطجعًا كاشفًا عن ساقيه، فاستأذن أبو بكر ثم عمر فأذن لهما وهو على حاله. فلما استأذن عثمان جلس وسوّى ثيابه، فلما سألته عائشة عن ذلك قال:
«أَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ»
وذكر المصنف ما رُوي من وجوه عن النبي ﷺ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ». وذكر حديث عبد الله بن حوالة رضي الله عنه وصححه الشيخ: «تَهْجُمُونَ عَلَى رَجُلٍ مُعْتَجِرٍ بِبُرْدَةٍ حِبَرَةٍ يُبَايِعُ النَّاسَ، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، قال: فهجمنا على عثمان رضي الله عنه وهو كذلك. وشرح الشيخ أن الاعتجار هو لفّ العمامة على الرأس من غير أن يُجعل منها شيء تحت الحنك.
وأورد المصنف حديث أبي أمامة رضي الله عنه: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي مِثْلُ أَحَدِ الْحَيَّيْنِ: رَبِيعَةَ وَمُضَرَ»، وكان المشيخة يرون أنه عثمان رضي الله عنه. ثم ختم الباب بقصة سخاء عثمان رضي الله عنه في عام القحط زمن أبي بكر رضي الله عنه: قدمت له قافلة طعام من الشام، فزاده التجار في الربح مرة بعد مرة، فقال لهم إن الله زاده بكل درهم عشرة، وتصدّق بالطعام كله على فقراء المسلمين. وبيّن الشيخ أثناء ذلك درجة الأسانيد، فنبّه على الرواة المتروكين والمتهمين، وعلى الأحاديث المرسلة والضعيفة.
النقاط الرئيسية
- عثمان بن عفان رضي الله عنه قُتل شهيدًا مظلومًا، وقد بشّره النبي ﷺ بالجنة في أحاديث كثيرة رواها جمع من الصحابة.
- الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه أهل بغي وفجور أحدثوا في الإسلام خرقًا عظيمًا، وقد عجّل الله لبعضهم العقوبة في الدنيا كما وقع لجهجاه.
- آل البيت يعظّمون عثمان رضي الله عنه ويعرفون فضله، ومن ذلك موقف الحسن بن علي رضي الله عنهما في الذب عنه.
- سب الصحابة وبغضهم شقاوة وخذلان، ومحبتهم من الإيمان، ومبغضهم عدو لله ولرسوله ﷺ.
- لا نعتقد عصمة آحاد الصحابة، لكن لا يبلغ أحد بعدهم منزلتهم ولا عُشر معشار أحدهم.
- من أبرز صفات عثمان رضي الله عنه الحياء حتى استحيت منه الملائكة، والسخاء والإنفاق في سبيل الله.
- لا بد من تحقيق الأسانيد والتمييز بين الصحيح والضعيف والموضوع، حتى في أبواب الفضائل.
الفوائد والعبر
- أن يحفظ المسلم لسانه وقلبه من الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ، ويترضّى عنهم، ويذب عنهم في المجالس، فذلك من علامات صدق الإيمان.
- الحذر من الفتن والخروج على ولاة الأمر، فقد كانت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه باب شر عظيم على الأمة، ومن سعى في إذلال السلطان أذلّه الله.
- الاقتداء بعثمان رضي الله عنه في الحياء، فالحياء من الإيمان، وهو خلق يحبه الله ويكرم عليه عباده.
- تعلّم البذل والإيثار من قصة عثمان رضي الله عنه في عام القحط، فالتجارة الرابحة حقًا هي التجارة مع الله، والحسنة عنده بعشر أمثالها.
- التثبت مما يُنقل من الأحاديث والقصص، وعدم الاحتجاج بالموضوع والمتروك، والرجوع إلى أهل العلم في معرفة صحيح السنة من سقيمها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات