شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (54) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع والخمسون من مجالس شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء من يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع الأول سنة أربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للثامن والعشرين من شهر نوفمبر سنة ثمانٍ عشرة وألفين للميلاد. وتدور مادته حول فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي من أبواب الاعتقاد التي عُني بها أئمة السنة في محبة الصحابة وتوقيرهم وإنزالهم منازلهم.
تتناول هذه الحلقة عدة أبواب من الكتاب: ما أُعطيه علي رضي الله عنه من العلم والحكمة والتوفيق في القضاء، ودعاء النبي ﷺ له بالسداد والعافية، وأمره ﷺ إياه بقتال الخوارج وما أكرمه الله به من قتالهم، ثم الشروع في باب جوامع فضائله. ويقف الشيخ عند الأسانيد فيبيّن صحيحها من ضعيفها وموضوعها، وينبّه على الرواة المتروكين والوضّاعين.
ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف طالب العلم منزلة علي رضي الله عنه عند أهل السنة، وأن يتعلم منهج التثبت في الروايات وعدم قبول كل ما يُروى في الفضائل، وأن يدرك خطر الخوارج وصفاتهم كما جاءت في السنة النبوية، وأن يستفيد من آداب القضاء والدعاء التي علّمها النبي ﷺ لصحابته.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: علم علي رضي الله عنه وحكمته وتوفيقه في القضاء
عقد الإمام الآجري بابًا في ذكر ما أُعطيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه من العلم والحكمة والتوفيق للصواب في القضاء، ودعاء النبي ﷺ له بالسداد. وقرر الشيخ أن عليًّا رضي الله عنه إمام عدل وإمام هدى، وأن الله آتاه علمًا كثيرًا بالكتاب والسنة وبالأقضية والفتاوى.
ونبّه الشيخ على أن هذا الإقرار بعلمه لا يعني قبول كل ما يُروى في ذلك. فحديث «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» وما في معناه من ألفاظ مثل «مدينة الفقه» و«دار الحكمة» حكم عليه الشيخ بأنه باطل موضوع لا يصح عن رسول الله ﷺ، لأن في أسانيده متهمين بالكذب وسرقة الحديث، كعبد الحميد بن بحر وعثمان بن عبد الله العثماني، وفيها كذلك رواة ضعفاء.
ومما رُوي في هذا الباب قصة بعث النبي ﷺ عليًّا إلى اليمن قاضيًا. ذكر الشيخ أن بعض أسانيدها ضعيفة، لكن معناها صحيح، وهي بمجموع طرقها حسنة أو صحيحة إن شاء الله. وأشار إلى أن طريق حارثة بن مضرب عن علي صحيح. وفيها أدب عظيم من آداب القضاء، وهو أن يسمع القاضي من الخصمين جميعًا قبل أن يحكم.
قال علي رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، تبعثني إلى قوم أسنّ مني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء، فوضع يده على صدره وقال: «إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ». قال علي: فما زلتُ قاضيًا، أو: ما شككتُ في قضاءٍ بعدُ.
المحور الثاني: روايات في تفاضل الصحابة وبيان درجتها
أورد الآجري بإسناده حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَقْوَاهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ...»، وفي الحديث ذكر أُبَيّ بن كعب وزيد بن ثابت وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وغيرهم.
وضعّف الشيخ هذا الإسناد تضعيفًا شديدًا، لأن فيه سلامًا الطويل وزيدًا العمي. وكذلك ضعّف رواية أبي سعيد البقال سعيد بن المرزبان عن أبي محجن. وفي ذلك درس منهجي، فالأحاديث المسوقة في الفضائل يُنظر في أسانيدها ولا تُقبل لمجرد حسن معناها. وما ثبت لعلي رضي الله عنه من الفضائل بالأسانيد الصحيحة فيه غُنية عن الضعيف والموضوع.
المحور الثالث: دعاء النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه بالعافية والمغفرة
ذكر الآجري بابًا في دعاء النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه بالعافية من البلاء مع المغفرة. وأورد فيه كلمات علّمها النبي ﷺ عليًّا يقولها فيُغفر له ولو كانت ذنوبه مثل زبد البحر. وذكر الشيخ أن هذا الحديث قيل فيه بالتحسين وقيل بالتضعيف. ونصّ الكلمات: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».
وأورد كذلك قصة مرض علي رضي الله عنه حين عاده النبي ﷺ. كان علي يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فَارْفَعْنِي، وَإِنْ كَانَ بَلَاءً فَصَبِّرْنِي». فسأله النبي ﷺ عمّا قال، ثم وضع يده عليه وقال: «اللَّهُمَّ اشْفِهِ»، فما اشتكى وجعه ذلك بعدُ.
ومن ذلك أيضًا خبر موت أبي طالب. أتى علي النبيَّ ﷺ فأخبره، فقال له: «اذْهَبْ فَوَارِهِ، ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي». فلما رجع أمره فاغتسل، ثم دعا له بدعوات. قال علي: ما أحب أن لي بهن ما على الأرض من شيء. وفي رواية: هي أحب إليّ من حُمْر النَّعَم.
المحور الرابع: أمر النبي ﷺ عليًّا بقتال الخوارج وكرامة من قاتلهم
عقد الآجري بابًا في أمر النبي ﷺ عليًّا رضي الله عنه بقتال الخوارج، وأن الله أكرمه بقتالهم، وأورد فيه آثارًا صحيحة. منها حديث عَبيدة السلماني أنه شهد مع علي يوم النهروان، فلما قُتل الخوارج قال علي: إن فيهم رجلًا مُخْدَجَ اليد، أو مُودَنَ اليد، أو مَثْدُونَ اليد. فطلبوه فلم يجدوه، ثم وجدوه بين القتلى، فإذا رجل أسمر في يده مثل ثدي المرأة. فاستقبل علي القبلة ورفع يديه، وحمد الله وأثنى عليه وشكره على أن أكرمه بقتالهم.
ثم أقبل علي على أصحابه فقال: «لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ». فقال عَبيدة: أأنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: إي وربِّ الكعبة، ثلاثًا.
ومنها قول علي رضي الله عنه حين رفع الحرورية شعار «لا حكم إلا لله»: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ». ثم ذكر أن رسول الله ﷺ وصف أناسًا يقولون الحق بألسنتهم ولا يجاوز حلوقهم، وأنهم من أبغض خلق الله إليه. وذكر الآجري كذلك قصة جندب الذي شكّ في قتال الخوارج لما رأى من عبادتهم، فاعتزل العسكر. فأخبر علي رضي الله عنه أن مصارعهم دون النهر، فكان كما قال، وقاتلهم جندب بعد ذلك.
وأورد أثر عائشة رضي الله عنها حين سألت مسروقًا عن صاحب الثُّدَيَّة، فذكرت أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هُمْ شِرَارُ أُمَّتِي، يَقْتُلُهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي». وقالت إنه لم يكن بينها وبين علي إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها. وفي ذلك بيان لسلامة صدور الصحابة بعضهم لبعض، رضي الله عنهم أجمعين.
المحور الخامس: جوامع فضائل علي رضي الله عنه
شرع الآجري في باب جوامع فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الشريفة الكريمة عند الله عز وجل وعند رسوله ﷺ وعند المؤمنين، وأورد فيه حديث أبي رُهم أو أبي الطفيل. ومعناه أن النبي ﷺ كان عنده قوم، فدخل علي فخرجوا وبقي هو، فتلاوموا ورجعوا. فقال النبي ﷺ: «مَا أَنَا أَدْخَلْتُهُ وَأَخْرَجْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُ وَأَخْرَجَكُمْ».
وأورد حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وذكر الشيخ أن في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو مختلف فيه. وفيه أن النبي ﷺ قال: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْتِ هَذَا الصَّوْرِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فطلع أبو بكر، ثم عمر، ثم قال ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ عَلِيًّا»، فطلع علي رضي الله عنه. وفي هذا بشارة له بالجنة، وهي ثابتة له رضي الله عنه في أحاديث العشرة المبشرين.
النقاط الرئيسية
- علي بن أبي طالب رضي الله عنه إمام هدى وعدل، وقد آتاه الله علمًا وحكمة وتوفيقًا في القضاء.
- حديث «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» وما في معناه موضوع لا يصح، كما قرر الشيخ في هذا المجلس.
- من آداب القضاء ألّا يحكم القاضي حتى يسمع من الخصمين جميعًا، وهو ما علّمه النبي ﷺ عليًّا حين بعثه إلى اليمن.
- دعا النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه بالشفاء والعافية، فما اشتكى وجعه بعد ذلك.
- الخوارج شرار الأمة، يقولون الحق بألسنتهم ولا يجاوز حلوقهم، وقد أكرم الله عليًّا بقتالهم كما أخبر النبي ﷺ.
- شعار الخوارج «لا حكم إلا لله» كلمة حق أريد بها باطل.
- المنهج الصحيح في الفضائل هو التثبت من الأسانيد، وتمييز الصحيح من الضعيف والموضوع.
الفوائد والعبر
- محبة آل البيت والصحابة جميعًا من أصول عقيدة أهل السنة، وهي محبة قائمة على ما صح من الأخبار دون غلو ولا جفاء.
- على المسلم أن يتثبت فيما ينقله من أحاديث، ولا يتساهل في نسبة شيء إلى رسول الله ﷺ ولو كان في باب الفضائل.
- العدل في الحكم بين الناس يقتضي سماع جميع الأطراف قبل إصدار الحكم، في القضاء وفي سائر شؤون الحياة.
- العبرة بموافقة السنة لا بظاهر العبادة، فقد كان الخوارج أهل عبادة وصلاة، ومع ذلك كانوا شرار الخلق لانحرافهم عن منهج الصحابة.
- ينبغي للمؤمن أن يلجأ إلى الدعاء عند المرض والبلاء، وأن يسأل الله الصبر والعافية والمغفرة، اقتداءً بما علّمه النبي ﷺ أصحابه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات