شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (65 ) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس والستون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، وهو من أهم مصنفات السلف في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول هذا المجلس الأبواب التي عقدها الإمام الآجري في فضائل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. وتشمل هذه الأبواب دعاء النبي ﷺ له، وغزوه البحر، ومصاهرته للنبي ﷺ، وكتابته له، وصحبته.
وتظهر أهمية هذا الموضوع في أن الكلام في الصحابة رضي الله عنهم من مسائل الاعتقاد عند أهل السنة. فمحبتهم والترضي عنهم والكف عما شجر بينهم أصل من أصول الدين. ومعاوية رضي الله عنه من أكثر الصحابة تعرضًا للطعن من أهل الأهواء، ولذلك أفرده الأئمة بأبواب تبين منزلته وتدفع الشبهات عنه.
ويهدف هذا الدرس إلى تعريف المشاهد بالثابت من فضائل معاوية رضي الله عنه، وإلى تمييز الصحيح من الضعيف في الروايات الواردة فيها. فقد اعتنى الشيخ ببيان درجة الأسانيد التي أوردها الآجري، ليكون اعتقاد طالب العلم مبنيًا على الدليل الصحيح.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: دعاء النبي ﷺ لمعاوية رضي الله عنه
أورد الإمام الآجري بابًا في دعاء النبي ﷺ لمعاوية رضي الله عنه. ومن أشهر ما ورد فيه حديث عبد الرحمن بن أبي عَميرة رضي الله عنه، وهو من أصحاب النبي ﷺ، أنه سمع النبي ﷺ يدعو لمعاوية. وهذا الحديث صححه أهل العلم، وفيه شهادة عظيمة لمعاوية بالهداية.
وأورد الآجري كذلك حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه في الدعاء لمعاوية بتعليم الكتاب والحساب والوقاية من العذاب. وقد بيّن الشيخ أن هذا الحديث ضعيف الإسناد، لأن مداره على الحارث بن زياد. ونبّه على أن ما صح من فضائل معاوية رضي الله عنه يكفي عن الضعيف.
عن عبد الرحمن بن أبي عميرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا، وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي).
المحور الثاني: مصاهرة النبي ﷺ لمعاوية رضي الله عنه
عقد الإمام الآجري بابًا في مصاهرة النبي ﷺ لمعاوية رضي الله عنه. فقد تزوج النبي ﷺ أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها، وهي أخت معاوية. فصارت أمًّا للمؤمنين، ولهذا وصف بعض السلف معاوية بأنه «خال المؤمنين».
وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير آية الممتحنة أن المودة المذكورة فيها هي تزويج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان. وأورد الآجري حديثًا في أن النبي ﷺ سأل ربه ألا يزوِّج ولا يتزوج إلا من يكون معه في الجنة، ثم ربطه بقوله تعالى في سورة التحريم. وفي إسناد هذا الحديث كلام عند أهل العلم.
قال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: 7]
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: 8]
المحور الثالث: بشارة النبي ﷺ لأول جيش يغزو البحر
أورد الآجري حديث أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها، خالة أنس بن مالك رضي الله عنه. فقد نام النبي ﷺ عندها ثم استيقظ يضحك، وأخبرها أن ناسًا من أمته عُرضوا عليه غزاةً يركبون البحر كالملوك على الأسرّة. فسألته أن يدعو الله أن يجعلها منهم، فدعا لها.
وقد تحققت هذه البشارة في زمن معاوية رضي الله عنه، فهو أول من غزا البحر من المسلمين. وخرجت أم حرام مع زوجها عبادة بن الصامت رضي الله عنه في تلك الغزوة. فلما رجعوا رُكِّبت دابتها فصرعتها فماتت. وفي ذلك دلالة على فضل معاوية رضي الله عنه والجيش الذي قاده.
قال رسول الله ﷺ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا»، وقال: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ» (رواه البخاري).
المحور الرابع: كتابة معاوية رضي الله عنه للنبي ﷺ
من فضائل معاوية رضي الله عنه أنه كان من كتّاب النبي ﷺ. وقد طلب أبو سفيان رضي الله عنه من النبي ﷺ أن يجعل معاوية كاتبًا بين يديه، فأجابه إلى ذلك، كما في صحيح مسلم. ولا يأتمن النبي ﷺ على الكتابة إلا الثقة الأمين.
وأورد الآجري روايات في كتابة معاوية للنبي ﷺ إلى الناس، منها كتابته لعيينة بن حصن والأقرع بن حابس. وأورد كذلك روايات أخرى في استشارة جبريل عليه السلام في استكتابه. وقد نبّه الشيخ على ضعف بعض هذه الطرق، وأن منها ما هو موضوع، مع ثبوت أصل كتابته في الصحيح.
المحور الخامس: صحبة معاوية رضي الله عنه وفقهه
ختم الآجري هذه الأبواب بذكر صحبة معاوية رضي الله عنه للنبي ﷺ. ومن ذلك ما رواه البخاري عن ابن أبي مليكة: أن معاوية أوتر بركعة، فذُكر ذلك لابن عباس رضي الله عنهما. فدافع عنه ابن عباس وشهد له بالصحبة والفقه.
وهذه شهادة من حبر الأمة وترجمان القرآن. وهي تدل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعرفون لمعاوية قدره. وتدل كذلك على أن الصحبة شرف لا يعدله شرف، وأنها مانعة من الطعن فيمن نالها.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «دَعْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ»، وفي رواية: «أَصَابَ، إِنَّهُ فَقِيهٌ» (رواه البخاري).
النقاط الرئيسية
- عقد الإمام الآجري أبوابًا مستقلة في فضائل معاوية رضي الله عنه، لأن الدفاع عن الصحابة من أصول اعتقاد أهل السنة.
- ثبت دعاء النبي ﷺ لمعاوية بأن يجعله هاديًا مهديًا وأن يهدي به.
- أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها أخت معاوية، وفي ذلك شرف المصاهرة للنبي ﷺ.
- معاوية رضي الله عنه أول من غزا البحر من المسلمين، فدخل في بشارة النبي ﷺ بأن ذلك الجيش قد أوجب.
- كان معاوية من كتّاب النبي ﷺ، وثبت ذلك في صحيح مسلم.
- شهد ابن عباس رضي الله عنهما لمعاوية بالصحبة والفقه، كما في صحيح البخاري.
- بيّن الشيخ ضعف كثير من الروايات التي أوردها الآجري، ونبّه على أن الصحيح يغني عن الضعيف والموضوع.
الفوائد والعبر
- على المسلم أن يحفظ قلبه ولسانه من الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ، وأن يترضى عنهم جميعًا.
- ينبغي لطالب العلم أن يتحرى الأسانيد، وألا يبني اعتقاده إلا على ما صح من الأخبار، ولو كان في باب الفضائل.
- الصحبة شرف عظيم، ومن ثبتت له الصحبة لا يجوز تنقّصه، كما بيّن ابن عباس رضي الله عنهما.
- الجهاد في سبيل الله ونشر الإسلام من أعظم القربات، فقد استحق به أول جيش يغزو البحر بشارة النبي ﷺ.
- كتب السلف مثل «الشريعة» للآجري ترسّخ في المسلم منهج أهل السنة والجماعة، وتحصّنه من شبهات أهل الأهواء.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات