شرح كتاب "الشريعة " للإمام للآجري (32) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,834 مشاهدة
476 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والثلاثون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويتناول المجلس أصلًا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بحوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وقد ساق الإمام الآجري في هذا الباب الأحاديث المسندة عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم، ردًّا على من أنكر الحوض أو شكَّ فيه.

ويقف الشيخ في هذا المجلس عند قصة عبيد الله بن زياد، فقد كان ينكر الحوض في أول أمره، ثم رجع وأقرَّ به لما حُدِّث بالأحاديث الصحيحة. ويشرح الشيخ كذلك صفات الحوض وآنيته وماءه، ويبيِّن حال الذين يُذادون عنه بسبب ما أحدثوا في الدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

ويهدف هذا الدرس إلى ترسيخ الإيمان بالحوض على منهج السلف، والتحذير من البدع والإحداث في الدين لأنهما سبب للحرمان من الورود عليه. ويبيِّن الدرس أيضًا واجب أهل العلم في الصدع بالحق وتعليم السنة لمن جهلها، وإن كان المخالف من ذوي السلطان.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إثبات الحوض وقصة رجوع عبيد الله بن زياد

ذكر الإمام الآجري أن عبيد الله بن زياد، وكان أميرًا على العراق، كان ينكر حوض النبي صلى الله عليه وسلم في بداية أمره. فحدَّثه أبو سبرة بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقد كتبه أبو سبرة من فِيه كما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون زيادة ولا نقصان. وفي الحديث وصف الحوض بأن مسافته مسيرة شهر، وأن أباريقه مثل الكواكب، وأن ماءه أشد بياضًا من الفضة، وأن من شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا.

فلما سمع ابن زياد ذلك قال: ما حُدِّثتُ عن الحوض حديثًا أثبت من هذا، أشهد أن الحوض حق. ثم أخذ الصحيفة التي جاء بها أبو سبرة. وساق الآجري كذلك أثر الشعبي، وفيه أن رجلًا قال عند ابن زياد: «لا سقاه الله من حوض محمد»، فأنكر ابن زياد ذلك، فشهد له أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره بأنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر حوضه.

وبيَّن الشيخ أن ابن زياد لو بقي على إنكاره لكان حريًّا أن يُحرم من الحوض يوم القيامة، ولكنه رجع وتاب. وفي هذا بيان لمنهج السلف في تعليم الجاهل وإقامة الحجة عليه بالدليل.

والحوض ثابت بالسنة المتواترة، وقد جاء في القرآن ذكر الكوثر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]، وقد فُسِّر الكوثر بأنه نهر في الجنة يصبُّ منه الحوض.

المحور الثاني: واجب العلماء في بيان السنة لولاة الأمر وغيرهم

نبَّه الشيخ على أن بعض ولاة الأمر قد ينكرون شيئًا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم جهلًا بها. فالواجب على أهل العلم ألا يكتموا العلم، بل يبيِّنوه لهم. فإن عمل به الوالي فالحمد لله، وإن أعرض فحسابه على الله. ولا يجوز للعالم أن يداهن أو يجامل على حساب دين الله عز وجل.

واستدل الشيخ بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند الإمام أحمد والترمذي بإسناد جيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ».

وبيَّن الشيخ أن السكوت عن بيان الحق مصيبة، وأن الأعظم منها أن يفتي العالم بخلاف الحق. ومن ذلك أن يوافق المخالف فيقول: لا حوض ولا كذا ولا كذا، وهذا من تلبيس الشيطان والكلام بالباطل.

المحور الثالث: صفة الحوض وآنيته

ساق الإمام الآجري حديث أبي ذر رضي الله عنه، وفيه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آنية الحوض، فقال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ، يَشْخُبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ» رواه مسلم.

وشرح الشيخ معنى «الليلة المُصْحِية»، وهي الليلة الصافية التي لا سحاب فيها ولا مطر، فتظهر فيها النجوم أكثر ما تكون. وفي ذلك بيان لكثرة آنية الحوض كثرةً لا تُحصى.

وساق الآجري حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا» متفق عليه. وبيَّن الشيخ أن معنى «الفَرَط» المتقدِّم الذي يسبق القوم ليهيِّئ لهم الماء.

المحور الرابع: الذين يُذادون عن الحوض بسبب الإحداث في الدين

أورد الإمام الآجري أحاديث فيها أن أقوامًا يُطردون عن الحوض. منها حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي» رواه مسلم. وفسَّر الشيخ قوله «اختُلِجوا» بأنهم انتُزعوا واقتُطعوا، تطردهم الملائكة.

ومنها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» رواه البخاري. وبيَّن الشيخ أن هؤلاء أحدثوا في دين الله وابتدعوا فيه، فطُردوا عن الحوض. نسأل الله الستر والعافية.

ومنها حديث أم سلمة رضي الله عنها، فقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أيها الناس»، وكانت الجارية تمشطها، فقالت لها: استأخري عني. فقالت الجارية: إنما دعا الرجال ولم يدعُ النساء. فقالت أم سلمة: إني من الناس. فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ» رواه مسلم. وفي هذا تحذير بليغ من سلوك سبيل يُوجب الطرد عن الحوض.

المحور الخامس: علامة أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة

ساق الآجري حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أن الصحابة سألوا: كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ» رواه مسلم ومالك.

وشرح الشيخ معنى الغُرَّة والتحجيل. فالغُرَّة نور في الوجه، والتحجيل نور في اليدين والقدمين، وكلاهما من آثار الوضوء. أما الخيل الدُّهم البُهم فهي السود الخالصة التي لا يخالط لونها بياض.

وفي الحديث فضل عظيم للوضوء، إذ جعله الله علامةً يعرف بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته يوم القيامة.

النقاط الرئيسية

  • الإيمان بحوض النبي صلى الله عليه وسلم من عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة.
  • رجع عبيد الله بن زياد عن إنكار الحوض لما بلغته الأحاديث الصحيحة، فأقرَّ بأن الحوض حق.
  • يجب على العلماء بيان السنة وعدم كتمانها، وألا تمنعهم هيبة الناس أو السلطان من قول الحق.
  • ماء الحوض أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وآنيته أكثر من نجوم السماء، ومن شرب منه لم يظمأ أبدًا.
  • النبي صلى الله عليه وسلم فَرَط أمته على الحوض، أي يتقدَّمهم إليه.
  • يُطرد عن الحوض أقوام بسبب ما أحدثوه في الدين من البدع بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
  • يعرف النبي صلى الله عليه وسلم أمته يوم القيامة بالغُرَّة والتحجيل من آثار الوضوء.

الفوائد والعبر

  • الحذر من البدع والإحداث في الدين، ولزوم السنة، فالبدعة سبب للحرمان من الشرب من الحوض.
  • المحافظة على الوضوء وإسباغه، فهو نور للمؤمن وعلامة يُعرف بها يوم القيامة.
  • الرجوع إلى الحق متى ظهر الدليل، كما فعل ابن زياد حين أقرَّ بالحوض بعد إنكاره.
  • الصدع بالحق وتعليم الجاهل بالحكمة، وترك المداهنة في دين الله.
  • الحرص على الحديث الصحيح المضبوط في أبواب العقيدة، كما فعل أبو سبرة حين كتب الحديث عن ابن عمر دون زيادة ولا نقص.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات