شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (50) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,075 مشاهدة
361 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخمسون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يفتتح المجلس «كتاب ذكر فضائل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه». وقد بيّن الشيخ أن الآجري أورد هذا الباب في كتاب عقيدة لأن من اعتقاد أهل السنة الترضّي على جميع أصحاب النبي ﷺ، والكفّ عمّا شجر بينهم، والشهادة لمن شهد له النبي ﷺ بالجنة.

يعرض الدرس أبواب الآجري في فضائل ذي النورين، ويحكم الشيخ على أسانيد الروايات واحدة واحدة. فيبيّن الصحيح والحسن، وينبّه على الضعيف وعلى الرواة المتروكين والمتّهمين بالكذب. وفي ذلك درس منهجي مهمّ، وهو أن الفضائل الثابتة تكفي، ولا حاجة إلى الروايات الواهية.

أهداف التعلم: معرفة المكانة العظيمة لعثمان رضي الله عنه، وفهم خصيصته في زواجه من ابنتي النبي ﷺ، والوقوف على بذله ماله في سبيل الله. ويتعرّف المشاهد كذلك على إخبار النبي ﷺ بالفتنة وبأن عثمان يُقتل مظلومًا، وعلى موقفه العظيم حين حقن دماء المسلمين بدمه، مع التدرّب على التمييز بين الثابت والضعيف من الروايات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: عقيدة أهل السنة في الصحابة وموقع فضائل عثمان منها

افتتح الإمام الآجري هذا الكتاب ببيان أن ذكر فضائل الصحابة جزء من الاعتقاد. فأهل الحق يترضّون عن أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا، ويمسكون عن الخوض فيما وقع بينهم، ويحبّونهم ويعرفون لهم سابقتهم ونصرتهم للدين.

وعثمان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين، وقد اجتمعت له مناقب كثيرة. ذكر منها الآجري إكرام الله له بالكرامات والمناقب الجميلة، وبشارة النبي ﷺ له بالجنة وبالشهادة، وإخباره بأنه يُقتل مظلومًا، وأمره له بالصبر، فصبر حتى قُتل وحقن دماء المسلمين.

قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]

المحور الثاني: ذو النورين وزواجه من ابنتي رسول الله ﷺ

قال الآجري: أول فضائل عثمان بعد الإيمان بالله ورسوله أن الله أكرمه بزواج ابنتي رسول الله ﷺ، رقية ثم أم كلثوم، واحدة بعد واحدة. ولم يجمع أحد من خلق الله بين ابنتي نبي منذ آدم عليه السلام إلا عثمان. وعلّق الشيخ بأنها خصيصة لا توجد في غيره من البشر، وأن من زوّجه هو سيد الأنبياء ﷺ.

وأورد الآجري قول حسين الجعفي لأبي عبد الرحمن الكوفي: لماذا سُمّي عثمان ذا النورين؟ قال: لا أدري. قال:

«لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ ابْنَتَيْ نَبِيٍّ إِلَّا عُثْمَانُ» — وقال الشيخ: إسناده حسن.

ثم نبّه الشيخ على روايات كثيرة في هذا الباب لا تصحّ. منها حديث «إن الله أوحى إليّ أن أزوّج كريمتيّ عثمان» وفي إسناده متّهم بالكذب. ومنها حديث «ما زوّجتُ عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء»، وحديث «لو كنّ عشرًا لزوّجتهنّ عثمان» وهو ضعيف جدًّا. وأورد كذلك قصة أسامة بن زيد حين أرسله النبي ﷺ إلى عثمان وعنده رقية، وفي إسنادها مولى لعثمان مجهول. وبيّن الشيخ أن أصل الزواج ثابت لا شكّ فيه، وأن النبي ﷺ لا يفعل شيئًا يكرهه الله، ولو لم يرد الله ذلك ما أقرّ نبيّه عليه.

المحور الثالث: مواساة عثمان للنبي ﷺ بماله وتجهيزه جيش العسرة

عقد الآجري بابًا في مواساة عثمان للنبي ﷺ بماله. وأورد فيه حديث عبد الرحمن بن سمرة أن عثمان جاء في غزوة تبوك بألف دينار في كمّه، فصبّها في حجر النبي ﷺ، فجعل النبي ﷺ يقلّبها ويقول:

«مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» يردّدها مرارًا، وذكر الشيخ أن في إسناده عند المصنف ضعفًا.

ونقل الآجري عن قتادة والزهري ما جهّز به عثمان الجيش. فعند قتادة أنه حمل تسعمائة وثلاثين بعيرًا وسبعين فرسًا. وعند الزهري أنه حمل تسعمائة وأربعين بعيرًا، ثم جاء بستين فرسًا فأتمّ بها الألف.

وأورد أيضًا خبر الأحنف بن قيس في مناشدة عثمان لعلي وطلحة والزبير وسعد رضي الله عنهم: هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال يوم جيش العسرة:

«مَنْ جَهَّزَهَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ»، فجهّزتهم حتى ما يفقدون خطامًا ولا عقالًا؟ وقال ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ»، فابتعتُها. وقال ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِي بَيْتًا فَيَزِيدُهُ فِي الْمَسْجِدِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ»، فابتعتُه. فقالوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

وأشار الشيخ إلى أن في إسناد هذا الخبر عند المصنف كلامًا، غير أن هذه المناقب معروفة لعثمان رضي الله عنه.

المحور الرابع: إخبار النبي ﷺ بالفتنة وأن عثمان فيها على الهدى ويُقتل مظلومًا

أورد الآجري حديث مرة بن كعب رضي الله عنه. فقد قام في الشام بعد خطباء من الصحابة، فذكر أن النبي ﷺ ذكر فتنة وقرّبها، فمرّ رجل مقنّع فقال ﷺ:

«هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى»، قال: فقمتُ إليه فأقبلتُ عليه بوجهه، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وأورد حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ ذكر فتنة فمرّ رجل فقال:

«يُقْتَلُ هَذَا الْمُقَنَّعُ مَظْلُومًا»، فنظرتُ فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ثم أورد حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في البستان، وهو متفق عليه كما نبّه الشيخ. فقد بُشّر أبو بكر ثم عمر بالجنة، ثم استأذن رجل فسكت النبي ﷺ هنيهة ثم قال:

«ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ»، فإذا هو عثمان، فحمد الله ثم قال: «اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ».

وأورد الآجري أيضًا روايات عن زيد بن أرقم في بشارة عثمان بالجنة على بلاء شديد. وبيّن الشيخ أنها ضعيفة لأن في إسنادها عبد الأعلى بن أبي المساور وهو متروك. ومنها رواية القميص: «إن الله مقمّصك قميصًا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه»، وهي ضعيفة من هذا الطريق، ومعناها معروف من حديث عائشة رضي الله عنها في السنن.

المحور الخامس: بذل عثمان دمه دون دماء المسلمين وتركه الانتصار لنفسه

عقد الآجري بابًا في أن عثمان بذل دمه دون دماء المسلمين، وترك الانتصار لنفسه مع قدرته عليه. وذكر فيه ما رُوي من عرض المغيرة بن شعبة عليه ثلاث خصال وهو محصور، ونبّه الشيخ إلى أن هذه الرواية منقطعة. والخصال الثلاث: أن يُخرق له باب من الدار فيلحق بمكة، أو يلحق بالشام وفيها معاوية، أو يخرج بمن معه فيقاتل لأنه على الحق وهم على الباطل.

فكان جوابه أنه لا يذهب إلى مكة لأنه سمع أنه يُلحد رجل من قريش بمكة عليه نصف عذاب العالم، فلا يكون إيّاه. ولا يفارق دار هجرته ومجاورة رسول الله ﷺ. ولا يكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بإهراق الدم بغير حق.

وأورد حديث أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة رضي الله عنها، وفيه أن عثمان قيل له يوم الدار: ألا تقاتل؟ فقال:

«إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، وَإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ».

ونقل الآجري قول الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: لو لم يكن في عثمان إلا خصلتان لكفتاه: بذله دمه دون دماء المسلمين، وجمعه المصحف. وأشار الشيخ إلى أن هذا الموقف أصل في أن العاقل إذا اقتضت مصلحة الأمة أو مصلحة من حوله أن يتنازل عن شيء من حقه لله تعالى فلا حرج عليه في ذلك، بل هو اقتداء بعثمان رضي الله عنه.

النقاط الرئيسية

  • الترضّي عن جميع الصحابة والكفّ عمّا شجر بينهم من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة.
  • سُمّي عثمان «ذا النورين» لأنه تزوّج ابنتي رسول الله ﷺ رقية ثم أم كلثوم، ولم يجمع أحد بين ابنتي نبي غيره.
  • جهّز عثمان جيش العسرة في غزوة تبوك، واشترى بئر رومة للمسلمين، ووسّع المسجد النبوي، وهذه من أعظم مناقبه.
  • أخبر النبي ﷺ أن عثمان يكون على الهدى زمن الفتنة وأنه يُقتل مظلومًا، وبشّره بالجنة على بلوى تصيبه، وهذا الأخير في الحديث المتفق عليه.
  • صبر عثمان على العهد الذي عهده إليه النبي ﷺ، ورفض القتال حقنًا لدماء المسلمين مع قدرته عليه.
  • من أعظم مآثره بذل دمه دون دماء المسلمين، وجمعه الناس على المصحف.
  • بيّن الشيخ أسانيد الروايات، فميّز الحسن والصحيح من الضعيف والمتروك والموضوع، وفي ذلك تنبيه على العناية بالثابت في باب الفضائل.

الفوائد والعبر

  • التنازل عن الحق للمصلحة العامة: إذا اقتضى صلاح الأمة أو صلاح من حولك أن تتنازل عن شيء من حقك ابتغاء وجه الله، فلك في عثمان رضي الله عنه قدوة.
  • البذل في سبيل الله: المال وسيلة لنصرة الدين وخدمة المسلمين، كسقيا الماء وعمارة المساجد وتجهيز الخير، وأثر ذلك باقٍ عند الله.
  • الصبر على البلاء والوفاء بالعهد: قابل عثمان البشارة بالبلاء بقوله «الله المستعان»، وبقي ثابتًا على العهد حتى لقي الله شهيدًا.
  • حرمة دماء المسلمين: قدّم عثمان نفسه على أن يكون أول من يُريق دم مسلم في الأمة، وهذا يبيّن عظم حرمة الدماء.
  • التثبّت في الرواية: ينبغي لطالب العلم أن يعتمد على ما صحّ من الأحاديث، وأن يحذر نشر الضعيف والموضوع ولو كان في باب الفضائل.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات