شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (12) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني عشر من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس «باب ذكر اللفظية ومن زعم أن هذا القرآن حكاية للقرآن الذي في اللوح المحفوظ». وهو باب مهم في مسألة كلام الله تعالى، فقد بيّن فيه أهل السنة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكشفوا الأساليب الملتوية التي سلكها الجهمية ومن تبعهم لتمرير القول بخلق القرآن.
ويوضح الشيخ أن هذه المسألة ليست حدثًا تاريخيًا انقضى، فالقول بالكلام النفساني ما زال يُدرَّس في معاهد كبيرة. ثم ينتقل إلى أصل منهجي خطير يتصل بالباب مباشرة، وهو الضوابط الشرعية للتكفير والتبديع، والفرق بين الحكم على القول والحكم على القائل المعيَّن. ويحذّر من التسرّع في إطلاق الأحكام على الناس.
أهداف المجلس: أن يعرف المشاهد حقيقة مذهب اللفظية وأقسام الجهمية في القرآن، وأن يفهم ما جرى بين الإمام البخاري والإمام الذهلي في مسألة اللفظ، وأن يضبط شروط التكفير وموانعه، وأن يعرف متى يُحكم على المخالف بالبدعة، وأن لمناظرة أهل البدع وإقامة الحجة عليهم أصلًا مشروعًا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أقسام الجهمية في القرآن وحقيقة مذهب اللفظية
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم بيّن أن الجهمية في القرآن ثلاثة أقسام:
- قسم صرّحوا بأنه مخلوق.
- قسم توقفوا حين علت راية السنة وذلّ أهل البدعة، فقالوا: «القرآن كلام الله» وسكتوا، وهم يعتقدون في أنفسهم أنه مخلوق.
- قسم ثالث تصدّى لهم الإمام أحمد وأئمة الدين، فلجؤوا إلى عبارة ملبِّسة: «لفظي بالقرآن مخلوق».
وهذه العبارة تحتمل معنيين: اللفظ بمعنى التلفظ وهو صوت القارئ وفعله، واللفظ بمعنى الملفوظ وهو القرآن نفسه. ومراد اللفظية الثاني، لكنهم لم يقدروا على التصريح به لعلوّ شأن أهل السنة في زمانهم. واستشهد الشيخ بقول الإمام البربهاري: إن المبتدعة كالعقارب، يدفنون رؤوسهم في الرمال، فإذا وجدوا فرصة لدغوا.
ثم أوضح أن من صور هذا المذهب اليوم القول بأن الكلام قسمان: كلام نفساني، وكلام بصوت وحرف. فينزّهون الله بزعمهم عن الكلام بالصوت والحرف، ويقولون إن الله تكلّم بالقرآن في نفسه ثم أوحاه إلى جبريل. ولازم قولهم وصف الله بالعجز عن الكلام، لكنهم لا يلتزمون هذا اللازم. وهو قول الأشاعرة والماتريدية، وقد زلّ فيه علماء كبار.
ومن آيات خطبة الحاجة التي افتتح بها المجلس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] «وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»
المحور الثاني: مسألة اللفظ بين الإمامين البخاري والذهلي
ذكر الشيخ الفتنة التي وقعت بين أهل السنة في مسألة اللفظ. فقد سُئل الإمام البخاري عن عبارة «لفظي بالقرآن مخلوق»، فقال: «ألفاظنا من أفعالنا، وأفعالنا مخلوقة». وهذا كلام حق، لأن مراده الأصوات. فالصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري سبحانه. نسمع القرآن بأصوات القرّاء المختلفين، والأصوات مخلوقة، أما القرآن المتلوّ فكلام الله غير مخلوق. ولهذا ألّف البخاري كتابه «خلق أفعال العباد».
أما الإمام الذهلي، تلميذ الإمام أحمد، فأراد أن يسدّ الباب ويحسم المادة بمنع هذا الكلام كليًّا، فوقع ما وقع. ويرى الشيخ أن كلا الإمامين لم يخطئ: فالذهلي أراد سدّ الذريعة، والبخاري أراد بيان الحق وتوضيحه. ونبّه إلى أن هذه الواقعة تُقرأ للعظة والعبرة فقط، وتُراجع تفاصيلها في «سير أعلام النبلاء».
وأخذ الشيخ من الواقعة درسًا منهجيًا: ليس كل من أخطأ يكون مبتدعًا، ولو كان خطؤه في مسألة عقدية اجتهادية وهو يريد الحق ولم يتبيّن له. أما التبديع بكل خطأ فهو مسلك الخوارج.
المحور الثالث: التكفير المطلق وتكفير المعيَّن وشروطه وموانعه
عند قول الآجري: «ومن قال مخلوق فقد كفر»، نبّه الشيخ على أصل عظيم. قول العالم «من قال كذا فهو كافر» حكم على القول وتكفير مطلق، وليس حكمًا على كل قائل بعينه. فلا يكفَّر المعيَّن إلا على يد أهل العلم، وبعد أن تتوفر فيه أربعة شروط:
- أن يكون عالمًا: يعلم أن هذا الأمر من دين الله، فالجاهل معذور بجهله.
- أن يكون قاصدًا: يقصد معنى الكلمة، فمن سبق لسانه بكلمة الكفر خطأً لم يكفر.
- أن يكون مختارًا: غير مكره.
- أن يكون غير متأوِّل: فالتأويل المحتمل الذي له مساغ في اللغة مانع من التكفير. أما التأويل الفاسد فلا يمنع، كتأويل الرافضة والباطنية لآيات القرآن بالطعن في الصحابة وأمهات المؤمنين.
وضرب الشيخ أمثلة: رجل أسلم حديثًا ويظن الخمر حلالًا لا يرتد بمجرد قوله. والعوام الذين يذبحون وينذرون عند الأضرحة فعلهم شرك، لكنهم لا يُحكم عليهم بالشرك إلا بعد إقامة الحجة، لغلبة الجهل وقلة العلم. أما من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة وهو ناشئ بين المسلمين، كأن يقول إن أركان الإسلام أربعة، أو يستحلّ الزنا، أو يسبّ الله صراحة، فهذا لا يُتصوَّر فيه الجهل.
ومن الأدلة التي ذكرها الشيخ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66] ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] وفي الحديث عن الرجل الذي وجد راحلته بعد أن يئس منها: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» رواه مسلم. وفيه دليل على أن من لم يقصد كلمة الكفر لا يكفر بها.
المحور الرابع: ضوابط التبديع ومتى يُحكم على المخالف بالبدعة
بيّن الشيخ أن شروط التبديع هي شروط التكفير نفسها. وسُمّي أهل البدع «أهل الأهواء» لأنهم اتبعوا الهوى. ويُحكم بالبدعة في حالتين:
- من تقرّر عنده الحق ثم انتكس عنه: لأجل الدنيا أو الشهرة أو المال، فهذا متّبع للهوى، ويُبدَّع بلا إقامة حجة لأنه عالم بالحق.
- من خالف أصلًا من أصول أهل السنة المقرَّرة في كتبهم: فإن خالفه عالمًا معاندًا فهو مبتدع إلا أن يكون مكرهًا، وإن خالفه جاهلًا أو متأولًا تأويلًا سائغًا عُلِّم وبُيِّن له.
وحذّر الشيخ من اختراع أصول لا وجود لها في كتب أهل السنة، كجعل زيارة شيخ معيّن أو تزكيته أصلًا يُمتحن به الناس. واستدل بالمخضرمين، وهم من أسلموا في زمن النبي ﷺ ولم يلقوه، كأبي وائل شقيق بن سلمة. فقد فاتهم شرف الصحبة، ولم يطعن أحد في دينهم ولا سنّيتهم.
ونبّه أيضًا إلى أن الحكم بالبدعة والكفر والفتوى في الحلال والحرام له أهله. ومن شروط المفتي أن يكون عالمًا بأصول الفقه، ومن لم يكن كذلك فلا يتصدّر للفتوى.
المحور الخامس: مناظرة أهل البدع وإقامة الحجة عليهم
ناقش الشيخ من يجعل ترك مجالسة أهل البدع مطلقًا أصلًا من أصول أهل السنة، ولو كانت المجالسة لمناظرتهم وبيان الحق لهم. فذكر ما قرّره ابن حزم رحمه الله من أن مناظرة أهل البدع وإقامة الحجة عليهم فرض. ولا يمكن إقامة الحجة على المبتدع دون مناقشته وبيان الحق له.
واستدل بالواقع العملي لأئمة السنة: فقد ناظر الإمام أحمد ابن أبي دؤاد، وناظر غير واحد من الأئمة رؤوس البدع، وناظر شيخ الإسلام ابن تيمية الصوفية والأشاعرة وغيرهم مشافهةً وفي كتبه. ولم يُبدَّع أحد منهم بسبب ذلك.
وردّ الشيخ على من يشترط إقامة الحجة في كل حال. فالأمور المعلومة من الدين بالضرورة، كاستحلال الزنا وسبّ الله والطعن في القرآن، لا يُتصوَّر فيها الجهل، فلا وجه لاشتراط إقامة الحجة فيها. وختم بالتحذير من الأحكام المتعجّلة: لا يجوز أن يُرمى بالكفر كل من سُمع منه القول بالكلام النفساني، فالواجب التعلم أولًا.
النقاط الرئيسية
- القرآن كلام الله غير مخلوق، وعبارة «لفظي بالقرآن مخلوق» ملبِّسة استعملها الجهمية للتستّر بالقول بخلق القرآن.
- القول بالكلام النفساني ما زال موجودًا ويُدرَّس، وهو مذهب الأشاعرة والماتريدية، ولازمه نفي كلام الله بالحرف والصوت.
- الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري. وقول البخاري «ألفاظنا من أفعالنا وأفعالنا مخلوقة» حق في معناه.
- التكفير المطلق للقول لا يستلزم تكفير القائل المعيَّن.
- شروط تكفير المعيَّن وتبديعه أربعة: أن يكون عالمًا، قاصدًا، مختارًا، غير متأوِّل تأويلًا سائغًا.
- من عرف الحق ثم تركه اتباعًا للهوى والدنيا مبتدع بلا إقامة حجة. ومن خالف أصلًا من أصول السنة جاهلًا أو متأولًا يُعلَّم ويُبيَّن له.
- مناظرة أهل البدع لإقامة الحجة عليهم مشروعة، وقد مارسها أئمة السنة كأحمد وابن تيمية.
الفوائد والعبر
- الحذر من العبارات المجملة الموهمة في العقيدة، والحرص على الألفاظ الشرعية الواضحة التي استعملها السلف.
- التورّع عن إطلاق أحكام التكفير والتبديع على الأشخاص، وترك ذلك للعلماء الراسخين العارفين بالشروط والموانع.
- حفظ مكانة الأئمة عند الخلاف بينهم، وقراءة ما جرى بينهم للعظة والعبرة، لا لإثارة الفتن.
- طلب العلم المؤصَّل، كأصول الفقه وضوابط الأحكام، قبل الكلام في دين الله والتصدّر للفتوى.
- الثبات على الحق وعدم التلوّن فيه لأجل الدنيا أو الشهرة، فإن الانتكاس عن الحق بعد معرفته من علامات اتباع الهوى.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات