شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (57) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع والخمسون من مجالس شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأربعاء، الخامس عشر من شهر جمادى الآخرة سنة أربعين وأربعمائة وألف من الهجرة، الموافق للعشرين من شهر فبراير سنة تسع عشرة وألفين. ويتناول المجلس جملة من الأبواب في فضائل سِبطَي رسول الله ﷺ وريحانتيه: الحسن والحسين رضي الله عنهما.
يعرض الشيخ في هذا المجلس صورًا من رحمة النبي ﷺ وشفقته بحفيديه؛ فقد كان يحملهما على ظهره وعاتقه في الصلاة وخارجها، ويلاعبهما ويقبّلهما. ثم ينتقل إلى نبوءته ﷺ بأن الله سيُصلح بالحسن بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وإلى إخباره بمقتل الحسين رضي الله عنه. ويعتني الشيخ في أثناء ذلك ببيان درجة الأسانيد، فيميّز الصحيح والجيد من الضعيف والباطل.
ومن أهداف هذا المجلس ترسيخ محبة آل بيت النبي ﷺ على منهج أهل السنة والجماعة، والاقتداء بهديه ﷺ في الرحمة بالأطفال. ويستخلص الشيخ كذلك الدروس العظيمة من موقف الحسن رضي الله عنه في حقن دماء المسلمين وتقديم مصلحة الأمة على الملك والرئاسة، ويحذّر من الفتن ومن التسبب في سفك الدماء المعصومة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حمل النبي ﷺ للحسن والحسين على ظهره في الصلاة وغيرها
افتتح الشيخ المجلس بباب «ذكر حمل النبي ﷺ للحسن والحسين رضي الله عنهما على ظهره في الصلاة وغير الصلاة». وبيّن أن رسول الله ﷺ كان رحيمًا بالطفل الصغير والشيخ الكبير وبالأمة كلها، ومن صور رحمته شفقته بحفيديه. فقد كانا يثبان على ظهره وهو ساجد، فإذا أراد الصحابة منعهما أشار إليهم أن دعوهما، وإذا قضى صلاته وضعهما في حجره.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجود أخذهما فوضعهما على الأرض، فإذا عاد إلى السجود عادا إلى ظهره، حتى يقضي صلاته. ونبّه الشيخ على ضعف بعض الروايات في الباب، منها رواية زمعة بن صالح، ورواية مسروح أبي شهاب في قوله: «نِعْمَ الجَمَلُ جَمَلُكُما» التي وصفها بأنها باطلة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ وضعهما في حجره بعد الصلاة ثم قال: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ هَذَيْنِ».
المحور الثاني: ملاعبة النبي ﷺ للحسن والحسين ورحمته بالصغار
أورد الإمام الآجري حديث بريدة رضي الله عنه، وقد جوّد الشيخ إسناده. وفيه أن النبي ﷺ كان يخطب، فأقبل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل ﷺ عن المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه. وعلّق الشيخ بأنه ﷺ قطع خطبته شفقة ورحمة، وأن هذا من كمال خُلقه الذي قد يستغربه بعض الناس اليوم.
وفي هذا الحديث قال ﷺ: «صَدَقَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا».
وذكر حديث الأقرع بن حابس رضي الله عنه حين رأى النبي ﷺ يقبّل الحسن فقال: «إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا». فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» [متفق عليه].
وذكر أيضًا حديث أبي هريرة رضي الله عنه في احتضانه ﷺ الحسنَ وتقبيله، ودعائه له: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ». وكان أبو هريرة بعد ذلك يقول للحسن: «هَلُمَّ أُقَبِّلْ مِنْكَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ».
المحور الثالث: إصلاح الله بالحسن بين فئتين عظيمتين من المسلمين
عقد الإمام الآجري بابًا في إخبار النبي ﷺ أن الله يُصلح بالحسن بن علي رضي الله عنهما أمر المسلمين. وأورد حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» [رواه البخاري].
وبيّن الشيخ أن هذه النبوءة تحققت عام الجماعة سنة أربعين، حين تنازل الحسن لمعاوية رضي الله عنهما، فأصلح الله به بين أهل العراق وأهل الشام. وكان الحسن قد جمع الناس وقال: «ما أحب أن ألي من أمر أمة محمد ﷺ ما يزن مثقال حبة من خردل يُهراق فيها محجمة من دم، قد عرفتُ ما ينفعني مما يضرني، فالحقوا بطِيَّتكم».
ونقل الإمام الآجري ثناءه على فعل الحسن: فقد ترك الملك وهو قادر عليه وأهلٌ له، صيانةً لدينه وحفظًا لدماء أمة محمد ﷺ، لمّا رأى أن الملك لا يتم إلا بتلف الأنفس وذهاب الدين. ثم وجّه الشيخ نقدًا لمن يرفعون في زماننا شعارات «الشرعية» ولا يبالون بالدماء التي تُراق والأعراض التي تُنتهك.
المحور الرابع: عِظَم حرمة الدماء والتحذير من التسبب في سفكها
استطرد الشيخ في بيان أن على المسلم أن يحرص دائمًا على حقن دماء المسلمين، وألا يكون سببًا في إراقتها. فالمباشر للقتل والمتسبب فيه كلاهما على خطر عظيم، والواجب أن يجتنب الإنسان الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويسعى في نجاة نفسه. وحذّر من مسالك بعض الطوائف المبتدعة التي جرّت على الأمة القتل والسجن والتشريد دون أن تحصّل مصلحة شرعية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].
وقال ﷺ: «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» [رواه البخاري].
المحور الخامس: إخبار النبي ﷺ بمقتل الحسين رضي الله عنه
ختم الشيخ المجلس بباب «إخبار النبي ﷺ بقتل الحسين رضي الله عنه، وقوله: اشتد غضب الله على قاتله». وأورد فيه حديث أم سلمة رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام أتى النبي ﷺ بتربة حمراء، وأخبره أن ابنه هذا يُقتل في تلك الأرض، وهي كربلاء. وبيّن الشيخ أن في بعض أسانيده ضعفًا، لكن الشيخ الألباني صحّح أصل الحديث بمجموع طرقه، ونبّه على ضعف بعض الروايات الأخرى في الباب.
وذكر أثر المطلب بن عبد الله: لما أُحيط بالحسين رضي الله عنه سأل عن اسم الأرض، فقيل: كربلاء، فقال: «صدق النبي ﷺ، إنها أرض كرب وبلاء». وبيّن الشيخ أن أهل الكوفة هم الذين دعوا الحسين ثم غدروا به، وأن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم نصحوه بعدم الخروج، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
النقاط الرئيسية
- رحمة النبي ﷺ شملت الصغير والكبير، ومن أظهر صورها شفقته بالحسن والحسين في الصلاة وخارجها.
- محبة الحسن والحسين من محبة النبي ﷺ، لقوله: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ هَذَيْنِ».
- تقبيل الأولاد وملاعبتهم من الرحمة المشروعة، و«مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».
- تحققت نبوءة النبي ﷺ في الحسن رضي الله عنه حين أصلح الله به بين المسلمين عام الجماعة.
- قدّم الحسن رضي الله عنه حقن الدماء ومصلحة الأمة على الملك والرئاسة مع قدرته وأهليته.
- حرمة دم المسلم عظيمة، والتسبب في إراقته كالمباشرة في الخطر والإثم.
- الأمانة العلمية تقتضي بيان درجة الأحاديث، فيُعتمد الصحيح ويُنبَّه على الضعيف والباطل.
الفوائد والعبر
- الاقتداء بالنبي ﷺ في الرحمة بالأبناء والأحفاد: تقبيلهم وملاعبتهم واحتضانهم، وعدم الجفاء معهم.
- غرس محبة آل بيت النبي ﷺ في القلوب على منهج أهل السنة، بلا غلو ولا جفاء.
- تقديم مصلحة الجماعة وحقن الدماء على المكاسب الدنيوية والمناصب، اقتداءً بالحسن رضي الله عنه.
- الحذر من الفتن والشعارات التي تُسوِّغ سفك الدماء، والسعي إلى أن يكون المسلم مفتاحًا للخير والإصلاح.
- التثبت في الأخبار والأحاديث قبل نشرها، والرجوع إلى أهل العلم في معرفة صحيحها من ضعيفها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات