شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (51) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,612 مشاهدة
136 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

يتناول هذا المجلس الحادي والخمسون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، بشرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله، بابًا عظيمًا من أبواب الاعتقاد هو ذكر فضائل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. ويعرض المجلس عذر عثمان رضي الله عنه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعه إياهم من القتال يوم الدار، وشهادة الصحابة له بالخير والفضل، ثم يبيّن أصل الفتنة التي انتهت بقتله مظلومًا شهيدًا.

وتظهر أهمية هذا الموضوع في أن الطعن في عثمان رضي الله عنه كان من أوائل أبواب الضلال التي فُتحت على هذه الأمة. وقد تسلّل منه أهل الأهواء إلى الطعن في الصحابة جميعًا. فكان بيان فضله، والرد على الشبهات المثارة حوله، وكشف الأيدي الخفية التي أشعلت الفتنة، من صميم عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام.

ويهدف هذا المجلس إلى أن يعرف المشاهد مكانة عثمان رضي الله عنه وسابقته في الإسلام، وأن يقف على شهادة آل البيت له، وأن يفهم الحِكَم التي جعلته يمنع الصحابة من الدفاع عنه. كما يهدف إلى إدراك خطر الفتن ودعاتها، وأهمية لزوم الطاعة والجماعة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: شهادة آل البيت لعثمان رضي الله عنه بالتقوى والإيمان

ساق الإمام الآجري رحمه الله آثارًا عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في الثناء على عثمان رضي الله عنه. منها أن عثمان ذُكر عند الحسن بن علي رضي الله عنهما فأثنى عليه، وجعله من المحسنين الذين يحبهم الله. وسُئل علي رضي الله عنه عن عثمان فقال: كان من الذين آمنوا ثم اتقوا، يشير إلى قوله تعالى:

﴿ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 93]

وروى محمد بن علي (ابن الحنفية) رحمه الله أن عليًّا رضي الله عنه كان جالسًا على سرير وعنده عمار بن ياسر وزيد بن صوحان وصعصعة، فذُكر عثمان، فقرأ علي رضي الله عنه قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]

وقال: نزلت في عثمان. فلما سُئل ابن الحنفية: أأروي هذا عنك؟ قال: نعم، ثم لعن الروافض. وبيّن الشيخ أن إسناد هذا الأثر صحيح، وأن أكثر رجاله ممن عُرف بالتشيع لعلي رضي الله عنه. وفي ذلك أبلغ ردٍّ على من يزعم العداوة بين آل البيت وبين عثمان رضي الله عنهم أجمعين.

المحور الثاني: مناشدة عثمان رضي الله عنه الناس يوم الحصار وتعديد فضائله

لما حُصر عثمان رضي الله عنه في داره أشرف على الناس فناشدهم بالله، وذكّرهم بفضائل شهد بها النبي صلى الله عليه وسلم. وكان مقصوده التحدث بنعمة الله عليه، وبيان أن الله قد غفر له، فبأي حق يؤذونه؟ فذكّرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما اهتز الجبل:

«اثْبُتْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ»

وذكّرهم بتجهيزه جيش العسرة من ماله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُجَهِّزُ هَؤُلَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ». وذكّرهم بشرائه بئر رومة التي كان لا يُشرب منها إلا بثمن، فجعلها للفقير والغني وابن السبيل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَأَجْرُهَا لَكَ». وذكّرهم كذلك بشرائه المِربد لتوسعة المسجد النبوي، فقال صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا وَأَجْرُهُ لَكَ». وفي كل ذلك كان الناس يقولون: اللهم نعم، فيقول رضي الله عنه: اللهم اشهد.

ومن فضائله أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب له بسهمه في بدر. فقد تخلّف عنها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ليمرّض زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي بيعة الرضوان، وكان عثمان قد بُعث إلى مكة، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده على يده الأخرى وقال: «هَذِهِ لِعُثْمَانَ». أما يوم أحد فقد نزل فيه العفو الإلهي الصريح:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 155]

المحور الثالث: ردّ ابن عمر رضي الله عنهما على الطاعنين في عثمان

جاء رجل إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في خلافة عثمان، فتكلم بكلام طويل يعيب فيه عثمان. فلما فرغ قال له ابن عمر: كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيّ: أفضل أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان.

ثم قال: وإنّا والله ما نعلم عثمان قتل نفسًا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئًا، ولكنما هو هذا المال؛ فإن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطى أولي قرابته سخطتم. إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم، لا يتركون لهم أميرًا إلا قتلوه. ففاضت عينا الرجل من الدمع، وقال: اللهم لا نريد ذلك.

ونقل الإمام الآجري كذلك قول عمرو بن دينار: لقد عابوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عابوها عليه. وعلّل الشيخ ذلك بأن عمر رضي الله عنه كان مهيبًا شديدًا، وكان عثمان رضي الله عنه رقيقًا حييًّا، فتجرأ عليه أهل الأهواء.

المحور الرابع: أصل الفتنة ودور عبد الله بن سبأ اليهودي

أجاب الإمام الآجري عمّن سأل عن أصحاب عثمان الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكر الفتنة: «هَذَا وَأَصْحَابُهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى». فبيّن أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهود لهم بالجنة، المذكورة صفتهم في التوراة والإنجيل، الذين من أحبهم سعد ومن أبغضهم شقي. ومنهم علي وطلحة والزبير وسعد وسائر الصحابة رضي الله عنهم، وكلهم أنكر قتله واستعظم ما جرى عليه، وشهد على قتلته أنهم في النار.

ثم بيّن أن قتلته طوائف أشقاها الله، حملهم على ذلك الحسد والبغي وإرادة الفتنة وإيقاع الضغائن بين الأمة. وكان أول ذلك رجل يهودي يُقال له ابن السوداء، وهو عبد الله بن سبأ. أظهر الإسلام، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار له أتباع في الأمصار. ثم طعن في الأمراء، ثم في عثمان، ثم في أبي بكر وعمر، ثم أظهر الغلو في علي رضي الله عنه. وقد أعاذ الله عليًّا وذريته من مذهب السبئية.

وشبّه الإمام الآجري صنيعه بصنيع بولس اليهودي الذي دخل في النصرانية فأفسدها وفرّق أهلها أحزابًا. وقد تنقّل ابن سبأ بين الكوفة والبصرة ومصر، يجمع أهل الضلالة ويكاتبهم. ثم تواعدوا على وقت يجتمعون فيه ويسيرون إلى المدينة لفتنتها وأهلها، ففعلوا وقتلوا عثمان رضي الله عنه.

المحور الخامس: لماذا منع عثمان رضي الله عنه الصحابة من القتال؟

بيّن الإمام الآجري أن الصحابة لم يقصّروا في نصرة عثمان رضي الله عنه. فقد فجأهم الأمر، ولم يكن في المدينة جيش مُعدّ للحرب، إذ كانت الجيوش على الثغور تحمي الدولة. ومع ذلك عرضوا أنفسهم على نصرته ولو تلفت نفوسهم، وكان في الدار جماعة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، منهم عبد الله بن عمر والحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة. فقال لهم عثمان: أعزم على كل رجل منكم يرى أن لي عليه حقًّا ألّا يُهريق فيّ دمًا. وقال: أنتم في حِلٍّ من بيعتي، وفي حَرَجٍ من نصرتي، وإني لأرضى أن ألقى الله عز وجل سالمًا مظلومًا. وكانت طاعة ولي الأمر عندهم مقدّمة على الدفاع عنه.

وذكر الإمام الآجري لمنع عثمان الصحابة من القتال وجوهًا كلها محمودة:

  • أنه علم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يُقتل مظلومًا، وأنه أمره بالصبر، فوعده من نفسه الصبر فوفّى بوعده.
  • أنه علم قلة عدد الصحابة وكثرة البغاة، فوقاهم بنفسه شفقة عليهم، لأنه راعٍ مسؤول عن رعيته.
  • أنها فتنة وليست قتالًا في سبيل الله، والفتنة إذا سُلّ فيها السيف قُتل فيها من لا يستحق، وذهبت فيها الأموال وانتُهكت الحرمات.
  • أن يكون الصحابة شهداء على ظلم من قتله، فالمؤمنون شهداء الله في أرضه، مع حرصه على ألّا يُهراق بسببه دم مسلم.

وخلص الإمام الآجري إلى أن عثمان رضي الله عنه كان على الحق في صبره، وأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا موفّقين في فعلهم. فقد أنكروا بقلوبهم وألسنتهم، وعرضوا أنفسهم للنصرة، ثم أطاعوا ولي أمرهم في غير معصية الله.

النقاط الرئيسية

  • شهد آل البيت لعثمان رضي الله عنه بالإيمان والتقوى والإحسان، ومنهم علي والحسن وابن الحنفية، وكان ابن الحنفية يلعن الروافض الطاعنين فيه.
  • لعثمان رضي الله عنه فضائل عظيمة منها تجهيز جيش العسرة، وشراء بئر رومة، وتوسعة المسجد النبوي، وبشارته بالشهادة.
  • عقيدة الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأمة بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان.
  • أغلب ما عابه الخوارج على عثمان يرجع إلى المال والأهواء، لا إلى دمٍ حرام ولا كبيرة.
  • أصل الفتنة عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي تستّر بالإسلام والأمر بالمعروف ليكيد للإسلام وأهله.
  • منع عثمان رضي الله عنه الصحابة من القتال صبرًا ووفاءً بوعده للنبي صلى الله عليه وسلم، وحقنًا لدماء المسلمين.
  • أطاع الصحابة ولي أمرهم في غير معصية، فكانوا مأجورين موفّقين لا مقصّرين.

الفوائد والعبر

  • وجوب محبة الصحابة جميعًا والذبّ عنهم، فمن أحبهم سعد ومن أبغضهم شقي، والطعن فيهم بابٌ إلى الطعن في الدين كله.
  • الحذر من دعاة الفتنة الذين يتسترون بالشعارات البراقة كالأمر بالمعروف، ثم يبدؤون بالطعن في الأمراء وينتهون إلى الطعن في خيار الأمة.
  • تقديم مصلحة الأمة وحقن الدماء على حظوظ النفس، كما ضحّى عثمان رضي الله عنه بنفسه لئلّا يقتتل المسلمون.
  • الحرص على البذل في سبيل الله في أوقات الشدة، اقتداءً بعثمان في تجهيز جيش العسرة ووقف بئر رومة.
  • الوفاء بالعهد والصبر على البلاء ثقةً بوعد الله ورسوله، ولزوم الطاعة والجماعة في غير معصية الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات