شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (53) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث والخمسون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله. ألقاه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري بعد صلاة العشاء من يوم الأربعاء، الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة 1440هـ، الموافق للحادي والعشرين من شهر نوفمبر سنة 2018م. ويتناول المجلس أبوابًا من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أوردها الإمام الآجري بأسانيده ليبيّن عقيدة أهل السنة والجماعة في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
وتزداد أهمية هذا الموضوع لأن أهل السنة يحبون آل البيت ويتولّونهم من غير غلوّ ولا جفاء، ويؤمنون بفضائل علي رضي الله عنه الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يطعنون في أحد من الصحابة. ويسلك الشيخ في شرحه منهج المحدّثين، فيبيّن درجة الأسانيد، ويميّز الصحيح من الضعيف، وينبّه على الرواة المتكلَّم فيهم والمتّهمين بالتشيع.
ويهدف المجلس إلى أن يعرف المتعلم ما ثبت من فضائل علي رضي الله عنه، وأن يفهم معاني «المنزلة» و«الموالاة» فهمًا صحيحًا، وأن يتعلم الموقف الشرعي مما شجر بين الصحابة، وأن يتدرّب على نقد الأسانيد والتثبّت في الرواية.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: منزلة علي رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم كمنزلة هارون من موسى
عقد الإمام الآجري بابًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى». وقاله النبي صلى الله عليه وسلم حين استخلف عليًّا على المدينة في غزوة تبوك، فلحقه علي رضي الله عنه وقد شقّ عليه أن يتخلّف عن الغزو، فطيّب النبي صلى الله عليه وسلم خاطره بهذه الكلمة.
وبيّن الشيخ أن المقصود بالمنزلة هنا منزلة القرب. فهارون أخو موسى عليهما السلام، وعلي رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها. وقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم النبوة صراحةً، إذ لا نبي بعده. وكان الاستخلاف على المدينة في تلك الحال خاصة.
ونبّه الشيخ على أن الحديث صحيح متواتر عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وغيره، وهو في الصحيحين، مع أن بعض طرقه عند الآجري ضعيفة. ومن الطرق الضعيفة رواية فيها أن سعدًا امتنع من الخروج مع معاوية رضي الله عنه لهذا الحديث، وكذلك حديث المؤاخاة الطويل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (متفق عليه).
المحور الثاني: حديث «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» وخبر غدير خم
ساق الإمام الآجري روايات هذا الحديث من طرق كثيرة، منها حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه. فقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع علي رضي الله عنه، فرأى منه جفوة، فلما رجع شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: «ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قال بريدة: بلى، فقال: «فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه».
وذكر خبر غدير خم قرب الجحفة عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع. فقد نزل تحت دوحات، أي شجرات عظام، وجمع الناس، وأخذ بيد علي رضي الله عنه وقال ما قال. وأورد كذلك مناشدة علي رضي الله عنه الناسَ في الرحبة، فقام ثمانية عشر رجلًا فشهدوا أنهم سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم.
ونبّه الشيخ على الطرق الضعيفة، كرواية ميمون أبي عبد الله وعمرو بن ثابت وغيرهما. والحديث ثابت في أصله، ومعنى الموالاة فيه المحبة والنصرة والقرب، لا ما يدّعيه أهل الغلو.
قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ».
المحور الثالث: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمن والى عليًّا، والموقف مما شجر بين الصحابة
عقد الآجري بابًا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمن والى عليًّا رضي الله عنه، ودعائه على من عاداه. وأورد حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه، وقال الشيخ إنه لا شك في صحته. وفيه أن زيدًا قال: سمعته أذناي وأبصرته عيناي، وما بقي في الدوحات أحد إلا سمعه ورآه. ونحن نُشهد الله أننا نوالي عليًّا رضي الله عنه ونحبه.
ونبّه الشيخ على أن المقصود هو المعاداة في الدين. أما ما وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما فكان خصامًا واختلافًا لا عداوة في الدين، ومثله ما وقع بين علي والعباس رضي الله عنهما في الميراث وأرض خيبر. فالصحابة كلهم عدول، والواجب الإمساك عمّا شجر بينهم.
وبيّن الشيخ ضعف عدد من الزيادات. منها تهنئة عمر رضي الله عنه لعلي في رواية علي بن زيد بن جدعان، ومنها حديث «أنا حربٌ لمن حاربكم وسِلْمٌ لمن سالمكم» لضعف أسباط بن نصر وتليد بن سليمان. وذكر أن كل زيادة على أصل الحديث في رواية مسلم الأعور باطلة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ».
المحور الرابع: عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحب عليًّا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق
أورد الآجري حديث زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه، وفيه أنه أقسم على المنبر بالذي فلق الحبة وبرأ النسمة: إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليه أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق.
وأورد أيضًا أثر أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما: كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب. وصحّح الشيخ معناه، وذكر أن ذلك كان في الأنصار، أما المهاجرون فلم يوجد فيهم نفاق.
وتكلّم الشيخ في بعض الطرق، كطريق أحمد بن عمران الأخنسي، وهو متروك، وطريق مساور الحميري وأمه، وهما مجهولان.
قال علي رضي الله عنه: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» (رواه مسلم).
المحور الخامس: النهي عن سبّ علي رضي الله عنه ومنهج النقد الحديثي
ختم المجلس بأثر أم سلمة رضي الله عنها حين قالت لأبي عبد الله الجدلي: أيُسَبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم؟ ثم ذكرت أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سبّ عليًّا فقد سبّني». وبيّن الشيخ أن أبا عبد الله الجدلي ثقة، لكنه رُمي بالتشيع، وضعّف الطريق الأخرى التي فيها عمرو بن ثابت ويزيد بن أبي زياد.
وظهر في المجلس كله منهج الشيخ في التعامل مع أحاديث الفضائل: يثبت ما صحّ، ويبيّن ضعف ما لم يصح، ويعتني بحال الرواة، ولا سيما المتهمين بالتشيع إذا رووا ما يقوّي بدعتهم.
النقاط الرئيسية
- حديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» صحيح متواتر، وهو في الصحيحين، ومعناه منزلة القرب مع نفي النبوة بعده صلى الله عليه وسلم.
- قيل الحديث حين استخلف النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله عنه على المدينة في غزوة تبوك، وكان ذلك استخلافًا خاصًّا بتلك الحال.
- حديث «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» ثابت، وقيل في غدير خم عند الرجوع من حجة الوداع، ومعنى الموالاة فيه المحبة والنصرة.
- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» صحيح، والمقصود به المعاداة في الدين.
- ما وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما كان خصومة واختلافًا لا عداوة في الدين.
- حب علي رضي الله عنه من علامات الإيمان، وبغضه من علامات النفاق، كما في صحيح مسلم.
- في هذه الأبواب روايات كثيرة ضعيفة أو باطلة، ويجب التمييز بينها وبين الثابت الصحيح.
الفوائد والعبر
- أن يحب المسلم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويتولاهم، ومنهم علي رضي الله عنه، فذلك من الإيمان وتحقيق لوصية النبي صلى الله عليه وسلم.
- أن يلتزم منهج أهل السنة الوسط، فلا يغلو في علي رضي الله عنه كما غلت الرافضة، ولا يجفو عنه كما جفت النواصب.
- أن يكفّ لسانه عمّا شجر بين الصحابة، ويعتقد عدالتهم جميعًا، ويحمل خلافهم على الاجتهاد لا العداوة.
- أن يتثبّت في نقل الأحاديث، فلا يحتج إلا بالصحيح، ويحذر من الروايات الضعيفة والموضوعة في الفضائل.
- أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في تطييب خاطر من يشعر بالحزن من أصحابه وأحبابه وبيان منزلتهم عنده.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات