شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (24) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.

3,253 مشاهدة
412 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والعشرون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل الشيخ فيه أبواب الإيمان بالقدر والرد على القدرية الذين زعموا أن الله لا يخلق الشر، وأن الإنسان يخلق أفعاله بنفسه. ويبيّن مذهب أهل السنة في أن فعل الله كله خير، وأن العبد مأمور بالإيمان بالقدر خيره وشره.

ويتتبع الدرس أصل بدعة القدر وسلسلة رجالها، وهي بدعة بدأت برجل أسلم ثم ارتد. ويعرض موقف السلف في التحذير من أهل البدع، ويذكر ضوابط هذا التحذير حتى لا يقع المسلم في الغلو في التبديع والتكفير. ثم ينتقل الشيخ إلى آفة العُجب بالعمل، ويؤكد أن الطاعة نعمة من الله تستوجب الشكر والتواضع، لا الفخر والاغترار.

ويهدف هذا الدرس إلى ترسيخ عقيدة أهل السنة في القدر، وتعريف المشاهد بشبهات القدرية والرد عليها، وتعليمه الميزان الصحيح في التعامل مع المخالف، وتربية النفس على التواضع ورؤية فضل الله في كل عمل صالح.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الإيمان بالقدر خيره وشره وأن فعل الله كله خير

يقرر الشيخ أن المؤمن مطالب بالإيمان بالقدر خيره وشره. والقدر الذي يكرهه العبد شرٌّ بالنسبة إليه، كالمرض والموت والمصائب، أما فعل الله تعالى فكله خير وحكمة، وليس في فعله سبحانه شر. ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في استفتاح الصلاة كما في صحيح مسلم: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ».

وهنا يظهر أثر الإيمان وحسن الثقة بالله. فما كتبه الله على عبده من مكروه لم يكتبه إلا لحكمة، وقد يكون وراءه مصلحة عظيمة لا يدركها العبد إلا بعد زمن، وقد لا يدركها في الدنيا أصلًا ويجد ثوابها في الآخرة. فالواجب على المؤمن أن يفرح بقدر الخير ويشكر الله عليه، وأن يصبر على قدر الشر.

وأما القدرية فقد خالفوا منهج أهل السنة، فزعموا أن الله لا يخلق الشر وأن العبد أو الشيطان هو خالقه. وهذه بدعة في دين الله، فوجب بيانها والتحذير منها حتى لا يغترّ بها أحد من المسلمين.

المحور الثاني: أصل بدعة القدر وسلسلة أئمتها

ذكر الإمام الآجري أن الله قد أجلّ المسلمين عن أن يكون أئمة القدرية من علمائهم. فإمامهم في هذه البدعة معبد الجهني بالبصرة، وقد ردّ عليه الصحابة والتابعون. ونقل عن الإمام الأوزاعي رحمه الله قوله: «أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيًّا فأسلم ثم تنصّر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد».

ونبّه الشيخ على أن هذه البدعة لم تؤخذ عن عالم من علماء المسلمين ولا عن عابد أو زاهد، وإنما أُخذت عن مرتد. ثم ذكر ما نزل بغيلان من الخزي بعد مناظرته مع الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وذمَّ العلماء لعمرو بن عبيد وهجرهم إياه. ولهذا اشتد الإمام الآجري في وصف هؤلاء الأئمة بأنهم أنجاس أرجاس.

ومن الآثار التي ساقها المصنف قول عبد الله بن يزيد بن هرمز: «لقد أدركتُ وما بالمدينة أحد يُتَّهم بالقدر إلا رجل من جهينة يقال له معبد الجهني، فعليكم بدين العواتق». ومعناه: عليكم بالدين الفطري السهل الذي تعرفه النساء في البيوت، بعيدًا عن الجدل والفلسفة وعلم الكلام.

المحور الثالث: التحذير من أهل البدع وضوابطه

روى المصنف أن الحسن البصري رحمه الله كان ينهى عن مجالسة معبد الجهني ويقول: «لا تجالسوه؛ فإنه ضالٌّ مُضِلّ». واستفاد الشيخ من هذا أن من حاد عن الصراط المستقيم وخالف منهج أهل السنة يُبيَّن أمره ويُحذَّر منه. وهذا من منهج أهل السنة، وليس طعنًا في العلماء ولا تفريقًا للصف كما يزعم بعض الناس.

لكن الشيخ وضع لذلك شرطًا مهمًّا، وهو أن تكون المخالفة لمنهج أهل السنة في أصل من الأصول، لا أن تكون خلافًا فقهيًّا اجتهاديًّا. فالمسائل الاجتهادية قد يكون الصواب فيها مع هذا أو مع ذاك. وقد يخالف الصغيرُ الكبير ويكون معه الحق، كما قال الهدهد لسليمان عليه السلام: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 22]. والعالم قد يفوته علم أو ينسى عند الفتوى، والمعصوم هو النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم.

وحذّر الشيخ من الغلو في التبديع والتكفير، وضرب لذلك مثلًا بقصة ذكرها العلامة الألباني رحمه الله عن بلده ألبانيا. فقد زار أحد المشايخ رجلًا، فلم يقلب له صاحبُ البيت نعله تعظيمًا كما جرت عادتهم، فكفّره بسلسلة من التأويلات الفاسدة. وذكر أيضًا قول بعض الصوفية إن من لم يأخذ بطريقته فهو ضال مبتدع. وهذا لا يصح إلا في حق النبي صلى الله عليه وسلم، أما غيره فيؤخذ من قوله ويُترك. وأوصى الشيخ الشباب بالجلوس عند العلماء، لأن إرادة الخير وحدها لا تكفي ما لم تكن موافقة للكتاب والسنة وهدي السلف.

المحور الرابع: لوازم مذهب القدرية والرد عليهم

بيّن الإمام الآجري أن القدرية لا يقولون: «اللهم وفقني لطاعتك»، ولا يقولون: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، لأن المشيئة عندهم للعبد، إن شاء أطاع وإن شاء عصى. وأكد الشيخ أن معرفة الباطل مطلوبة لردّه والحذر منه، لا للعمل به، ومن لم يعرف الشر قد يقع فيه.

وساق المصنف قصة مجوسي وقدري اجتمعا في سفينة. قال القدري للمجوسي: أسلِم، فقال المجوسي: حتى يريد الله. فقال القدري: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يدعك. فقال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان، فهذا شيطان قوي! فكان المجوسي في هذا الموقف أفقه من القدري، إذ ألزمه بلازم قوله، وهو أن الله عاجز عن ردّ كيد الشيطان. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

وذكر المصنف مسألة يُقطع بها القدرية، وهي أن يُسأل أحدهم: هل أراد الله من العباد أن يؤمنوا؟ فإن قال: أراد ولم يقدر، فقد نسب العجز إلى الله، وهذا كفر بإجماع المسلمين. وإن قال: قدر ولم يُرِد، قيل له: فمن يهدي من لم يُرِد الله هدايته؟ وختم الشيخ هذا الباب بالتذكير بأن الرؤى والمنامات الواردة في حق القدرية تُذكر على سبيل التحذير، لا على سبيل الاستدلال.

المحور الخامس: آفة العُجب بالعمل وعلامات الخذلان

أورد المصنف قول أبي سليمان الداراني رحمه الله: «وكيف يُعجَب عاقل بعمله، وإنما يعدّ العمل نعمة من الله تعالى؟». وعلّق الشيخ بأن صلاتنا وقيامنا وصيامنا وقراءتنا وطلبنا للعلم كلها من نعم الله علينا. فالواجب أن يشكر العبدُ ربه عليها، لا أن يغترّ بنفسه فيدخل عليه الشيطان فيهلكه. وقد قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

وذكر الشيخ أن من علامات خذلان الله لعبده أن يكله إلى نفسه، فيعجب برأيه ويجزم بأنه على الحق المبين، ويسيء الظن بعباد الله. والمؤمن الموفق هيّن ليّن سمح، ولا سيما عند الخلاف والمشكلات، لأن أخلاق الناس الحقيقية تظهر عندها. وأشار إلى أن العقل قد يختل بمصيبة يسيرة كفقد حبيب أو مال، فلا يأمن أحد على نفسه، ولهذا نسأل الله: «وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا».

وضرب الشيخ مثلًا بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد كان يناظر كبار العلماء وهو في نحو الرابعة عشرة من عمره، ومع ذلك كان إذا أشكل عليه أمر يذهب إلى المساجد الخربة فيمرّغ وجهه في التراب ويقول: يا معلّم إبراهيم علّمني. وذكر أيضًا ما أكرم الله به أهل الحديث من حفظ حواسهم وعقولهم إلى آخر أعمارهم، كالإمامين ابن باز والألباني رحمهما الله. ثم دعا إلى سلفية حقيقية في المنهج والأخلاق والأدب، لا في المظهر وحده، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [البقرة: 208].

النقاط الرئيسية

  • الإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان، وفعل الله كله خير وحكمة، والشر إنما هو في المقدور بالنسبة إلى العبد.
  • بدعة القدر أصلها رجل أسلم ثم ارتد، وعنه أخذها معبد الجهني، ثم أخذها غيلان عن معبد.
  • حذّر السلف من القدرية، ووصف الحسن البصري معبدًا الجهني بأنه «ضالٌّ مُضِلّ».
  • التحذير يكون ممن خالف منهج أهل السنة في الأصول، لا ممن خالف في المسائل الاجتهادية.
  • الغلو في التبديع والتكفير بالتأويلات الفاسدة انحراف خطير، ولا يُلزم بقول أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
  • من لوازم مذهب القدرية الباطلة نسبة العجز إلى الله تعالى، وتركُ سؤاله التوفيق وتركُ قول «لا حول ولا قوة إلا بالله».
  • العمل الصالح نعمة من الله لا يُعجب بها العاقل، ومن علامات الخذلان أن يُوكَل العبد إلى نفسه.

الفوائد والعبر

  • احرص على الرضا والصبر عند نزول المصائب، وأحسن الظن بالله، فقد تكون وراء المكروه مصلحة عظيمة لا تدركها الآن.
  • الزم الدين الفطري السهل، وابتعد عن الجدل والفلسفة وعلم الكلام التي أفسدت عقائد كثير من الناس.
  • اطلب العلم عند العلماء الراسخين قبل أن تتكلم في التبديع والتكفير، فإرادة الخير وحدها لا تكفي ما لم تكن موافقة للكتاب والسنة.
  • إذا وفقك الله لطاعة فاحمده واشكره، وسله القبول والثبات، واحذر من العجب والاغترار بالعمل.
  • كن هيّنًا ليّنًا سمحًا مع الناس خاصة عند الخلاف، وتأدّب مع الله بالتواضع اقتداءً بأئمة السلف كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات