شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (38) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,494 مشاهدة
76 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن والثلاثون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري ليلة السبت بعد مغرب يوم الجمعة السادس من شهر شعبان سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وألف، الموافق للثالث عشر من شهر مايو سنة 2016م. وقد افتتحه الشيخ بخطبة الحاجة ثم شرع في باب جليل عنوانه: «باب ذكر صفة خَلْق رسول الله ﷺ وأخلاقه الجميلة التي خصّه الله تعالى بها».

وبيّن الشيخ أن الحديث في هذا الباب يدور على أمرين: وصف خَلْقه الشريف ﷺ لنعرفه ونتصوّره ونزداد له حبًّا، ووصف خُلُقه العظيم لنقتدي به ونتخلّق بأخلاقه الكريمة؛ فإن النبي ﷺ إنما بُعث ليتمم مكارم الأخلاق. وقد ساق الإمام الآجري في ذلك جملة من الروايات عن علي بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأم معبد الخزاعية، وهند بن أبي هالة رضي الله عنهم، مع تنبيه الشيخ على درجة أسانيدها.

ومن أهداف هذا الدرس: التعرّف على الصفات الخَلْقية للنبي ﷺ كما نقلها الصحابة، وفهم الألفاظ الغريبة الواردة فيها بشرح أهل اللغة كأبي عبيد القاسم بن سلّام، والوقوف على قصة أم معبد وما فيها من دلائل النبوة، واستخلاص الدروس العملية من شمائله وأخلاقه ﷺ.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: صفة النبي ﷺ في رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه

ساق الإمام الآجري أثر يوسف بن مازن أن رجلًا سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يصف لهم النبي ﷺ، وقد نبّه الشيخ إلى أن إسناده ضعيف لكن معناه صحيح ثابت من طرق أخرى. ووصفه علي رضي الله عنه بأنه لم يكن بالطويل الشديد الطول، وكان فوق الرَّبعة، إذا جاء مع القوم غمرهم، أبيض شديد الوضَح، ضخم الهامة، أغرّ أبلج، أهدب الأشفار، شثن الكفين والقدمين، أي قويّهما غليظهما، إذا مشى تقلّع كأنما ينحدر في صبب، كأن العرق في وجهه اللؤلؤ.

ثم ساق رواية أخرى عن علي رضي الله عنه من طريق شريك بن عبد الله النخعي، وبيّن الشيخ أن شريكًا ضعيف من جهة سوء حفظه. وفيها أنه ﷺ كان عظيم الهامة، أبيض مُشرَبًا بحمرة، وشرح الشيخ أن بياضه ﷺ بياض عربي مشرب بحمرة، ليس كبياض الأوروبيين ولا سمرة الأفارقة، وأنه كان عظيم اللحية، ضخم الكراديس (رؤوس العظام)، طويل المسرُبة (الشعر الممتد من الصدر إلى السرة)، كثير شعر الرأس رَجِلَه، يتكفّأ في مشيته.

وختم علي رضي الله عنه وصفه بقوله الجامع:

«لَا طَوِيلٌ وَلَا قَصِيرٌ، لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ﷺ».

المحور الثاني: صفته ﷺ في روايتي البراء بن عازب وأنس بن مالك رضي الله عنهما

أورد الإمام حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وقد حكم الشيخ بصحته، وفيه وصف جماله ﷺ في حلّة حمراء، وبيّن الشيخ أنها ليست حمراء خالصة وإنما فيها خطوط حمراء، وأن شعره ﷺ كان يضرب منكبيه، وأنه بعيد ما بين المنكبين أي عريض الصدر:

«مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَهُ شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ».

ثم ساق حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه في وصف حسن وجهه وطيب ريحه ولين كفه ﷺ، وفيه:

«مَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّهِ، وَكَانَ رَبْعَةً لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ وَلَا بِالسَّبْطِ، إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ».

وشرح الشيخ أن الجعد هو الشعر شديد التجعّد، والسبط هو المسترسل، وأن شعره ﷺ كان وسطًا بينهما، وأن التكفّؤ في المشي هو الإسراع فيه مع قوة، كأنما ينزل من موضع عالٍ إلى أسفل.

المحور الثالث: قصة أم معبد الخزاعية ودلائل النبوة فيها

ساق الإمام الآجري حديث حُبيش بن خالد رضي الله عنه في قصة خروج النبي ﷺ مهاجرًا من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن أريقط، فمرّوا على خيمتي أم معبد الخزاعية، فسألوها لحمًا وتمرًا يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئًا، وكان القوم مُرمِلين مُشتِين، أي قد نفد زادهم وأصابهم الجهد في زمن الشتاء.

فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كِسر الخيمة خلّفها الجهد عن الغنم، لا لبن فيها، فاستأذنها في حلبها، فمسح بيده ضرعها وسمّى الله عز وجل ودعا لها، فتفاجّت عليه ودرّت واجترّت، ودعا بإناء يُربض الرهط، فحلب فيه ثجًّا حتى علاه البهاء، فسقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب ﷺ آخرهم، ثم حلب فيه ثانيًا حتى ملأ الإناء وغادره عندها. وقد استشهد أبو عبيد في شرح لفظ «الثجّ» بمعنى السيلان بقوله تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: 14]

ولما رجع أبو معبد ورأى اللبن تعجّب، فوصفت له أم معبد النبي ﷺ وصفًا بليغًا صار من أجمع ما رُوي في صفته، فقال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه. وعلّق الشيخ على ذلك بأن الهداية بيد الله؛ فمن الناس من يوعظ آلاف المرات وقلبه كالحجر، ومنهم من يرى شيئًا يسيرًا فيفتح الله قلبه. ثم ذُكر الهاتف الذي سُمع صوته بمكة ينشد:

جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ *** رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَاهَا بِالْهُدَى فَاهْتَدَتْ بِهِ *** فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ

وأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه بأبيات منها: «لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ». ثم ذكر الإمام أن قريشًا خرجت في طلب النبي ﷺ حتى نزلت بأم معبد، وقد أسلمت وحسن إسلامها، فتعاجمت عليهم وأخفت أمره حكمةً منها، فانصرفوا ولم يعلموا من خبره شيئًا. وأشار الشيخ إلى ما في ذلك من الحكمة، وأن العلماء ورثة الأنبياء في الدفاع عن دينهم وسنّتهم.

المحور الرابع: وصف أم معبد وشرح غريبه عند أبي عبيد القاسم بن سلّام

ذكر الإمام الآجري أنه أخرج هذا الحديث مسندًا في كتابه «دلائل النبوة»، ثم نقل شرح أبي عبيد القاسم بن سلّام رحمه الله لغريب حديث أم معبد، لأن النظر فيه يزيد علمًا ومعرفة. ومن وصفها الجامع:

«رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ، أَبْلَجَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الْخَلْقِ، لَمْ تَعِبْهُ نُحْلَةٌ، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ، وَسِيمًا قَسِيمًا، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ غَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ، أَزَجُّ أَقْرَنُ، إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ، فَصْلٌ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، رَبْعَةٌ لَا بَائِنٌ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّدٌ».

ومن شرح أبي عبيد والشيخ لألفاظه: «أبلج الوجه» أي مشرقه، و«النُّحلة» الدقة والنحول، و«الصَّعلة» صغر الرأس، و«الوسيم» الحسن الوضيء، و«القسيم» الحسن أيضًا، و«الدَّعَج» شدة سواد العين، و«الغَطَف» طول الأشفار وانعطافها، و«الصَّحَل» كالبحّة في الصوت لا تكون حادّة، و«السَّطَع» طول العنق وارتفاعه، و«الأزجّ» الدقيق الحاجبين الطويلهما، و«الأقرن» الذي يلتقي طرفا حاجبيه، و«النَّزْر» القليل من الكلام، و«الهَذْر» الكثير منه، و«المحفود» المخدوم، و«المحشود» الذي يجتمع الناس حوله، و«المفنَّد» الذي يُكثر اللوم ويُنسب إلى الخرف وضعف الرأي.

المحور الخامس: وصف هند بن أبي هالة لخَلْقه ومنطقه وأخلاقه ﷺ

ختم الإمام الباب بحديث الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه سأل خاله هند بن أبي هالة، وكان وصّافًا، عن حلية النبي ﷺ. ونبّه الشيخ على ضعف إسناده؛ ففيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف، ورجل من ولد أبي هالة مجهول. وفيه أنه ﷺ كان فخمًا مفخّمًا، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة، أزهر اللون، واسع الجبين، سهل الخدين، ضليع الفم، مفلّج الأسنان، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام.

ثم وصف منطقه وأخلاقه فقال: كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فصل لا فضول فيه ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظّم النعمة وإن دقّت لا يذمّ منها شيئًا، لا يذمّ ذواقًا ولا يمدحه.

ومن أعظم ما ورد فيه من وصف خلقه ﷺ: أنه لا تُغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعُدِّيَ الحق وانتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. وهذا ميزان عظيم في التفريق بين الغضب لله والغضب للنفس.

النقاط الرئيسية

  • عقد الإمام الآجري بابًا في صفة خَلْق النبي ﷺ وأخلاقه، والغاية من وصف الخَلْق معرفته ﷺ وتصوّره، ومن وصف الخُلُق محبته والاقتداء به.
  • اتفقت الروايات على أنه ﷺ كان رَبعة ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، أبيض مشربًا بحمرة، ضخم الهامة، شثن الكفين والقدمين، يتكفّأ في مشيته كأنما ينحدر من صبب.
  • حديث البراء في الحلّة الحمراء حديث صحيح، وحديث أنس شاهد على طيب ريحه ولين كفه ﷺ.
  • بيّن الشيخ درجة الأسانيد؛ فبعضها ضعيف كرواية يوسف بن مازن وشريك وهند بن أبي هالة، مع أن معاني كثير منها ثابتة من طرق أخرى.
  • قصة أم معبد من دلائل النبوة، وفيها بركة النبي ﷺ في الشاة العجفاء التي لا لبن فيها، وأدبه ﷺ في أنه شرب آخر القوم.
  • وصف أم معبد من أبلغ ما رُوي في صفته ﷺ، وقد شرح أبو عبيد القاسم بن سلّام غريب ألفاظه.
  • كان ﷺ طويل الصمت، يتكلم بجوامع الكلم، لا يغضب لنفسه، ولا يقوم لغضبه شيء إذا انتُهكت حرمات الله.

الفوائد والعبر

  • معرفة شمائل النبي ﷺ تزيد محبته في القلب، والمحبة الصادقة تثمر الاتباع والتخلّق بأخلاقه، فليحرص المسلم على دراسة سيرته وشمائله.
  • الاقتداء به ﷺ في أدب الكلام: قلة الكلام فيما لا يعني، والتكلم بالكلام الفصل الواضح الذي لا هذر فيه ولا تقصير.
  • تعلّم إيثار الآخرين وخدمتهم كما فعل ﷺ حين سقى أم معبد وأصحابه ثم شرب آخرهم، فساقي القوم آخرهم شربًا.
  • الهداية بيد الله وحده؛ فعلى المسلم أن يسأل الله أن يفتح قلبه للحق، وألّا يكون ممن يوعظ مرارًا وقلبه قاسٍ.
  • ضبط الغضب: ألّا يغضب المسلم لنفسه ولا لأجل الدنيا، وأن يكون غضبه لله إذا انتُهكت حرماته، مع تعظيم نعم الله وإن صغرت وترك ذمّ الطعام.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات