شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (27) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.

4,714 مشاهدة
266 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع والعشرون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس بابًا مهمًّا من أبواب العقيدة، وهو «باب التحذير من مذاهب الحلولية». ويبين فيه الإمام الآجري بطلان قول من زعم أن الله عز وجل حالٌّ في خلقه أو في كل مكان بذاته، ويقرر ما عليه أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى بذاته فوق سماواته مستوٍ على عرشه، وأن علمه محيط بكل شيء.

ويكتسب هذا الموضوع أهميته من تعلقه بتوحيد الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات. فقد ضلت فيه طوائف كثيرة، منها من قال بالحلول الخاص، ومنها من قال بالحلول العام أو الاتحاد العام. وقادتها هذه الأقوال إلى الكفر وهدم أصول الإسلام. ولهذا اهتم الأئمة ببيان هذه المسألة بالكتاب والسنة وأقوال السلف.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم أقسام مذاهب الحلولية ووجه بطلانها، وأن يفهم معنى معية الله لخلقه فهمًا صحيحًا، وأن يجمع الأدلة الشرعية على علو الله تعالى واستوائه على عرشه، وأن يعرف أقوال أئمة السلف في هذا الباب.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مذاهب الحلولية وأقسامها والتحذير منها

بدأ الشيخ ببيان معنى الحلول، وقسمه إلى أقسام:

  • الحلول الخاص: وهو قول النصارى إن الله حلَّ في عيسى عليه السلام.
  • الاتحاد الخاص: وهو قول بعض طوائف النصارى إن اللاهوت والناسوت اتحدا كما يختلط الماء باللبن.
  • الحلول العام: وهو القول بأن الله بذاته في كل مكان، حتى الأماكن الخربة والنجسة، تعالى الله عن ذلك.
  • الاتحاد العام: وهو قول أهل وحدة الوجود كابن عربي وابن الفارض، الذين يجعلون الله تعالى عين الكائنات الموجودة.

ونقل الشيخ قول الإمام الآجري إن هؤلاء قوم «لعب بهم الشيطان»، وإنهم خرجوا بسوء مذهبهم عن طريق أهل العلم. فقد تكلموا في الله عز وجل بما تنكره قلوب العلماء والعقلاء، ولا يوافق كتابًا منزلًا ولا قول أحد من الصحابة ولا أئمة المسلمين. ولذلك قال الآجري إنه يستوحش أن يذكر أقوالهم القبيحة تنزيهًا لجلال الله وعظمته.

واستشهد الشيخ بقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: «إِنَّا لَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ»، لما في كلامهم من الكفر الصريح. وبيَّن أنهم يحتجون بآيات من القرآن يفسرونها بأهوائهم وعلى خلاف فهم سلف الأمة، فيضلون ويضلون من سمعهم من الجهال.

المحور الثاني: عقيدة أهل السنة في علو الله واستوائه على عرشه

قرر الإمام الآجري أن مذهب أهل العلم أن الله عز وجل على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء. فهو سبحانه يعلم ما في السماوات العلى والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى، ويعلم السر وأخفى، وخائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما توسوس به النفوس ويخطر على البال. ولا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، والملائكة ترفع إليه أعمال العباد وهو أعلم بها منهم.

وبيَّن الشيخ أن لله تعالى العلو المطلق بأنواعه الثلاثة: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. ونبه على أن الاستواء معناه العلو والارتفاع، وأن قول المبتدعة «استوى بمعنى استولى» تحريف للنص. فقد زادوا في «استوى» لامًا كما زاد اليهود نونًا في قولهم «حنطة» بدل «حطة».

قال تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5].
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7].
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].

وذكر الشيخ قصة الإمام الجويني حين قال على المنبر: «كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان». فقام إليه أبو جعفر الهمذاني وقال: دعنا من هذا، ما من أحد يدعو إلا ويتجه قلبه إلى العلو، فكيف ندفع هذه الضرورة؟ فضرب الجويني على رأسه وقال: «حيَّرني الهمذاني». والشاهد أن العلو مما فطر الله عليه القلوب.

المحور الثالث: معنى المعية والرد على استدلال الحلولية

أورد الإمام الآجري الآية التي يحتج بها الحلولية، وهي آية المجادلة. وبيَّن أن معناها أن الله تعالى مع خلقه بعلمه، وهو على عرشه، وليس معهم بذاته. والدليل من سياق الآية نفسها، فقد افتتحها الله بالعلم وختمها بالعلم.

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7].

وبيَّن الشيخ أن المراد بالمعية العامة هنا علم الله وإحاطته وتدبيره وسمعه وبصره. ثم نقل أقوال السلف في ذلك:

  • قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: «اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي السَّمَاءِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَا يَخْلُو مِنْ عِلْمِهِ مَكَانٌ».
  • سُئل سفيان الثوري رحمه الله عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]، فقال: «عِلْمُهُ».
  • قال الضحاك في آية النجوى: «هُوَ عَلَى الْعَرْشِ، وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ».

المحور الرابع: أدلة القرآن الكريم على علو الله تعالى

ساق الإمام الآجري آيات كثيرة تدل على أن الله تعالى في السماء على عرشه، وأن علمه محيط بجميع خلقه. واستدل الشيخ بآيتي رفع عيسى عليه السلام: فلو كان الله في كل مكان بذاته لما كان لرفع عيسى إليه في السماء معنى.

قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ۝ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 16-17].
وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10].
وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1].
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55].
وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ۝ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 157-158].
وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12].

ونبه الشيخ إلى أن الواجب على المسلم أن يعتقد أن الله جل وعلا بذاته فوق عرشه، وأن علمه وسمعه وبصره محيطة بكل شيء. فهو سبحانه يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ولا تختلف عليه الأصوات، ولا تعجزه اللغات.

المحور الخامس: أدلة السنة والآثار على أن الله فوق عرشه

عقد الإمام الآجري بابًا في ذكر السنن التي تدل العقلاء على أن الله عز وجل على عرشه فوق سبع سماوات، وأن علمه محيط بكل شيء. ومن ذلك:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» [متفق عليه].

وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع فقال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» [رواه مسلم].

وقول عائشة رضي الله عنها: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ». فقد جاءت خولة تشتكي زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة في الحجرة يخفى عليها بعض كلامها، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: 1].

وأورد الآجري أيضًا حديث العباس بن عبد المطلب المعروف بحديث «الأوعال»، وحديث الأعرابي الذي استشفع بالله على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «وَيْحَكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ». ونبه الشيخ على أن إسناد الحديثين ضعيف، وإن كان معنى علو الله فوق عرشه صحيحًا ثابتًا بغيرهما. وذكر كذلك أثر ابن عباس رضي الله عنهما: «إن الله استوى على عرشه قبل أن يخلق شيئًا، وكان أول ما خلق القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». واستفاد منه الشيخ تقرير الإيمان بالقدر، وأن على العبد امتثال الأمر واجتناب النهي والصبر على المصائب.

النقاط الرئيسية

  • مذاهب الحلولية أربعة أقسام: حلول خاص، واتحاد خاص، وحلول عام، واتحاد عام، وكلها أقوال كفرية باطلة.
  • عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله تعالى بذاته فوق سماواته مستوٍ على عرشه، وعلمه محيط بكل شيء.
  • معية الله العامة لخلقه معية علم وإحاطة وسمع وبصر وتدبير، وليست اختلاطًا ولا حلولًا. والدليل أن آية المجادلة افتُتحت بالعلم وخُتمت به.
  • اتفق السلف كمالك وسفيان الثوري والضحاك على أن الله في السماء على عرشه وعلمه في كل مكان.
  • تفسير «استوى» بمعنى «استولى» تحريف، يشبه تحريف اليهود لكلمة «حطة».
  • العلو مما فُطرت عليه القلوب، فما من داعٍ إلا ويتجه قلبه إلى السماء.
  • يجب التنبه إلى درجة الأحاديث المروية، فبعضها ضعيف الإسناد كحديث الأوعال وحديث الأعرابي، والعقيدة ثابتة بالأدلة الصحيحة.

الفوائد والعبر

  • مراقبة الله في السر والعلن: إذا علم العبد أن الله يعلم السر وأخفى، ويسمع كل صوت، ويرى دبيب النملة في الظلماء، استحيا منه وأصلح باطنه وظاهره.
  • تعظيم الله وتنزيهه: على المسلم أن يتجنب الألفاظ والعقائد التي تتضمن تشبيه الله بخلقه أو حلوله فيهم، وأن يقتدي بالسلف في تعظيمهم لجلال الله.
  • الرجوع إلى فهم السلف: الحد الفاصل في معرفة الحق هو فهم الكتاب والسنة كما فهمه الصحابة والأئمة، لا تأويلات أهل الأهواء التي يضل بها الجهال.
  • التوجه إلى الله في الدعاء: فطرة التوجه إلى العلو عند الدعاء شاهد على صدق عقيدة العلو، فليدعُ المسلم ربه موقنًا أنه سميع قريب.
  • الرضا بالقدر والعمل بالشرع: كل ما يجري مكتوب عند الله، فيؤدي العبد ما أُمر به، ويجتنب المعاصي، ويصبر عند المصائب ويحتسب.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات