شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (42) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,800 مشاهدة
448 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والأربعون من سلسلة شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يستأنف الشيخ فيه الشرح بعد انقطاع لأمر عارض، ويتناول باب «ذكر فضائل جميع الصحابة رضي الله عنهم». وهو من أعظم أبواب الاعتقاد، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم الميزان الذي يُفرَّق به بين أهل السنة وأهل البدع والأهواء.

يبيّن الشيخ أن الطعن في الصحابة طعن في الدين كله. فهم الذين نقلوا القرآن الكريم والسنة النبوية إلى من بعدهم، ومن كفّرهم أو طعن فيهم انتهى به الأمر إلى الطعن في القرآن نفسه. ولهذا حرص أئمة السلف، ومنهم الإمام الآجري، على جمع الآثار في فضلهم والذبّ عنهم.

ويهدف هذا الدرس إلى تعريف الصحابي تعريفًا دقيقًا، وبيان منزلة الصحابة في الكتاب والسنة وأقوال السلف، وتقرير خيرية القرون الثلاثة المفضلة، وحجية إجماع الصحابة. كما ينبّه الشيخ على درجات الأسانيد التي يوردها الإمام الآجري، فيبيّن الصحيح منها والضعيف والمرسل.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الصحابة حماة الدين وتعريف الصحابي

يقرر الشيخ أن الدين وصل إلينا بسلسلة متصلة: نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بلّغه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ثم نقله الصحابة إلى من بعدهم حتى يومنا هذا. فمن طعن في الناقل فقد طعن في المنقول، ولذلك كان الطعن في الصحابة هدمًا للشريعة من أساسها.

ثم يعرّف الصحابي بأنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو تخللت ذلك ردة ثم رجع إلى الإسلام. ويدخل في ذلك الصغير الذي حُمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه وهو مسلم، والأعمى الذي التقى به وإن لم يره. ويؤكد الشيخ أن مجرد لقاء النبي صلى الله عليه وسلم شرف عظيم لا يدانيه شرف في الدنيا.

ومن الأدلة على فضلهم قوله تعالى:

﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]

ويبيّن الشيخ أن الصحابة هم الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم ونصروه، وعزّروه ووقّروه، ونشروا دينه وتحمّلوا الشدائد في سبيل إعلاء كلمة الله. فوجب علينا أن نحبهم ونجلّهم ونوقّرهم. وحبهم من حب النبي صلى الله عليه وسلم، وحب النبي صلى الله عليه وسلم من حب الله جل وعلا.

المحور الثاني: اصطفاء الله للصحابة وجعلهم وزراء نبيه

أورد الإمام الآجري بإسناده أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو أصل عظيم في هذا الباب:

«إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ»

ويبيّن الشيخ أن قلوب الصحابة خير قلوب العباد بعد الأنبياء عليهم السلام. وإذا كان الله قد أحبهم، وأحبهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد وجب علينا أن نحبهم، وأن نبغض من يبغضهم أو يلعنهم أو يطعن فيهم بأي نوع من أنواع الطعن.

ويستنبط الشيخ من قوله: «فما رأى المؤمنون حسنًا» حجيةَ إجماع الصحابة. فإذا اتفقوا على أمر فهو حق وخير، وإذا اتفقوا على ذم شيء فهو شر. ويستدل لذلك بقوله تعالى:

﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]

ويفرّق الشيخ بين نوعين من العصمة: فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم بشخصه، وأما الصحابة فمعصومون بمجموعهم لا بأفرادهم. فإذا أجمعوا على أمر كان إجماعهم حجة.

المحور الثالث: خيرية القرون المفضلة

ساق الإمام الآجري جملة من الأحاديث في خيرية القرن الأول وما يليه، منها حديث عبد الله بن مسعود وعمران بن حصين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»

ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ الناس خير؟ فقال: «أَنَا وَمَنْ مَعِي، ثُمَّ الَّذِينَ عَلَى الْأَثَرِ، ثُمَّ الَّذِينَ عَلَى الْأَثَرِ». وفي رواية عمران بن حصين وقع الشك في ذكر القرن الثالث.

وينبّه الشيخ إلى أن هذه الخيرية خيرية في المجموع، ولا تعني أن كل فرد في القرن الأول أفضل من كل فرد جاء بعده. فقد يوجد في المتأخرين من السابقين ومن أصحاب اليمين، غير أن السابقين في القرون الأولى أكثر، كما قال تعالى في السابقين:

﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 13-14]

وقال في أصحاب اليمين:

﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 39-40]

ويورد الإمام كذلك حديث جابر رضي الله عنه في اختيار الله لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختيار الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. ويبيّن الشيخ أن إسناده ضعيف لكن معناه صحيح، ويشهد له قوله تعالى:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

المحور الرابع: بركة الصحابة وأثرهم في الأمة

أورد الإمام الآجري الحديث الذي يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي على الناس زمان يخرج فيه الجيش للغزو، فيُسأل: هل فيكم أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيُفتح لهم. ثم يُسأل في زمن لاحق عمّن رأى أصحابه، ثم عمّن رأى من رأى أصحابه. ويبيّن الشيخ أن بركة الصحابة من بركة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذه البركة سرت في الأمة من بعدهم.

وأورد أيضًا الأثر المرسل عن الحسن البصري: «مَثَلُ أَصْحَابِي فِي النَّاسِ كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ». ويبيّن الشيخ أن إسناده مرسل لكن معناه صحيح، فالأمة لا تصلح إلا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبالاقتداء بهم.

وأما حديث «لا تقوم الساعة حتى يُلتمس الرجل من أصحابي كما تُلتمس الضالة» فينبّه الشيخ إلى ضعفه، لأن في إسناده الحارث الأعور وهو متهم بالكذب. ويقرر أنه لو وُجد صحابي بيننا اليوم لكان ذلك حدثًا عظيمًا، ولخفّت به البدع والضلالات المنتشرة.

المحور الخامس: أقوال السلف في الصحابة ووجوب التشبه بهم

نقل الإمام الآجري عن الحسن البصري رحمه الله وصفه البليغ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

«كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ»

ونقل تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ بأنهم الذين هاجروا مع محمد صلى الله عليه وسلم. ويعلّق الشيخ بأن الخيرية لأهل الاتباع والإحسان، وليست لكل من انتسب إلى الأمة دون اتباع.

ونقل عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54] أنهم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة. ونقل عن الفضيل بن عياض رحمه الله أن حب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذخر يُرجى به النجاة عند الله، وأنه كان يقول: «رحم الله من ترحّم على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم».

النقاط الرئيسية

  • الصحابة هم الميزان بين أهل السنة وأهل البدع، والطعن فيهم طعن في القرآن والدين، لأنهم نقلته وحماته.
  • الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على الإسلام، ولو كان صغيرًا أو أعمى.
  • اصطفى الله قلوب الصحابة بعد قلب نبيه صلى الله عليه وسلم، فجعلهم وزراءه يقاتلون على دينه.
  • إجماع الصحابة حجة، فهم معصومون بمجموعهم لا بأفرادهم، ومخالفتهم اتباع لغير سبيل المؤمنين.
  • خير الناس قرن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، والخيرية في المجموع لا في كل فرد.
  • من منهج العلماء تمحيص الأسانيد، فيُبيَّن الضعيف والمرسل وإن كان معناه صحيحًا تشهد له النصوص.
  • حب الصحابة والترحم عليهم من علامات السنة، وبغضهم من علامات الزيغ والهوى.

الفوائد والعبر

  • أن يجعل المسلم حب الصحابة والترحم عليهم عقيدة راسخة يتقرب بها إلى الله، ويربي عليها أهله وأبناءه.
  • أن يحذر من مجالسة من يطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن سماع شبهاتهم، فإن غايتهم الطعن في الدين كله.
  • أن يجعل فهم الصحابة مرجعًا في فهم الكتاب والسنة، ويتشبّه بأخلاقهم وطرائقهم، فهم على الصراط المستقيم.
  • أن يتثبّت طالب العلم من صحة الأحاديث قبل نشرها، ويفرّق بين صحة الإسناد وصحة المعنى.
  • أن يعلم المسلم أن باب الفضل مفتوح للمتأخرين، فيجتهد ليكون من السابقين أو من أصحاب اليمين باتباع الصحابة بإحسان.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات