شرح كتاب "الشريعة " للإمام للآجري (35) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس والثلاثون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وفيه يجمع الشيخ بين آخر ما يتعلق بالجنة والنار، وبداية كتاب جديد عظيم القدر هو كتاب فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وما شرّفه الله به في كتابه من الصفات العالية.
يبدأ المجلس بأحاديث الجنة، كحديث نهر الكوثر الذي أعطاه الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ثم يقرّر عقيدة أهل السنة في أن الجنة والنار باقيتان، وأن أهلهما خالدون فيهما أبدًا. بعد ذلك ينتقل إلى قول الإمام الآجري: «قبيحٌ بالمسلمين أن يجهلوا معرفة فضائل نبيهم صلى الله عليه وسلم»، ويعرض ما وصف الله به رسوله في القرآن الكريم، وما أوجبه على العباد من حقوقه.
والمقصود من هذا الدرس أن يعرف طالب العلم عقيدة الخلود في الدار الآخرة، وأن يعرف مكانة النبي صلى الله عليه وسلم وحقوقه على أمته من إيمان ومحبة واتباع وطاعة وتوقير وصلاة عليه، وأن يتعلّم كيف يميّز بين الروايات الصحيحة والضعيفة والباطلة في باب الفضائل.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: نهر الكوثر، والخوف من النفاق
ذكر الإمام الآجري حديث أنس رضي الله عنه في وصف الكوثر، وهو نهر في الجنة أعطاه الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم، حافتاه قباب اللؤلؤ، وطينه مسك أذفر. وسأل أبو بكر بن عياش حُميدًا الطويل: أكان ذلك في النوم أم في اليقظة؟ فقال: في اليقظة. وبيّن الشيخ أن في بعض الروايات أنه رآه في المنام، ولا إشكال في ذلك، لأن رؤيا الأنبياء حق.
ووقف الشيخ عند خبر مناشدة حذيفة رضي الله عنه، صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين: «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، هَلْ أَنَا مِنْهُمْ؟». فإذا كان هذا خوف الصحابة على أنفسهم مع سبقهم وفضلهم، فما حالنا مع تقصيرنا وذنوبنا ونحن نشعر بالأمان؟ ودعا الشيخ أن يؤدّبنا الله بأدب نبيه صلى الله عليه وسلم وأدب أصحابه الكرام.
ومن نصّ الحديث كما ورد في الدرس:
«دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي فِي مَجْرَى مَائِهِ، فَإِذَا مِسْكٌ أَذْفَرُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ».
المحور الثاني: الجنة والنار باقيتان، وأهلهما خالدون فيهما
قرّر الإمام الآجري أن أهل الجنة خالدون فيها أبدًا، وأن أهل النار من الكفار والمنافقين خالدون فيها أبدًا. واستدل على ذلك بآيات كثيرة من سور النساء والمائدة والتوبة والحجر وفاطر، فيها التصريح بالخلود والتأبيد، وبأنه لا يمسّ أهل الجنة فيها تعب، ولا يخرجون منها.
ومن أوضح أدلة ذلك حديث ذبح الموت، إذ يُؤتى به يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيُوقَف بين الجنة والنار، فيعرفه الفريقان، ثم يُعلَن لهم الخلود بلا موت. وفي أثناء ذلك ذكر الشيخ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأنه «اشترى نفسه من الله» ثلاث مرات، أي أنه كان يتصدّق بقدر ديته كاملة، وهي مائة من الإبل، في سبيل الله. ثم سأل الله الشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57].
وقال تعالى: ﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119].
وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 47-48].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36].
المحور الثالث: كتاب فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وصفاته في القرآن
افتتح الإمام الآجري هذا الكتاب بقوله: «قبيحٌ بالمسلمين أن يجهلوا معرفة فضائل نبيهم صلى الله عليه وسلم، وما خصّه الله عز وجل به من الكرامات والشرف في الدنيا والآخرة». وذكر أنه ألّف في ذلك أربعة أجزاء مختصرة، وأنه سيذكر في كتاب «الشريعة» من فضائله ما لا ينبغي للمسلمين أن يجهلوه، لأن معرفتها تزيدهم علمًا وفضلًا وشكرًا لمولاهم الكريم.
وأكّد الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وأفضل خلق الله على الإطلاق. وأن كون المسلم من أمته نعمة عظيمة تستحق الشكر، لأنها خير الأمم. وقد وصفه الله بأنه شاهد ومبشّر ونذير وداعٍ إلى الله بإذنه وسراج منير، وأخبر أنه مكتوب عند أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، وأوجب عليهم اتباعه ونصرته، وأخبر أنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأن الإنس والجن مطالبون بقبول دعوته.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-47].
وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 151-152].
المحور الرابع: حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته
ذكر الإمام الآجري بالأدلة القرآنية حقوقًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي:
- الإيمان به مع الإيمان بالله.
- محبته، وهي علامة صدق من ادّعى محبة الله، ومن لم يتبعه فدعواه محبة الله كاذبة.
- تقديم محبته على الآباء والأبناء والأموال والمساكن.
- طاعته، فمن عصاه فقد عصى الله.
- التحاكم إليه، والتسليم لحكمه دون أن يجد المؤمن في نفسه حرجًا أو ضيقًا.
- توقيره، فلا تُرفع الأصوات عنده، ولا يُدعى كما يدعو الناس بعضهم بعضًا.
وأخبر الله أن إيذاء رسوله إيذاء له سبحانه، وأن من فعل ذلك استحق اللعنة في الدنيا والآخرة والعذاب المهين. وأن من حادّ الرسول فقد حادّ الله. وأن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فلا اختيار لهم إذا قضى أمرًا. ومن تشريف الله له أنه حرّم نكاح أزواجه من بعده على جميع العالمين، لأنهن أمهات المؤمنين. وفرض على الخلق الصلاة عليه، وأخبر أنه سبحانه وملائكته يصلّون عليه.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وقال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63].
وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
المحور الخامس: متى وجبت له النبوة؟ وبيان الضعيف والباطل من الروايات
أورد الإمام الآجري حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: متى وجبت لك النبوة؟ فقال: «بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ». وشرحه الشيخ بأن نبوته كانت ثابتة في علم الله وكتابه قبل أن يُوجد صلى الله عليه وسلم، وآدم يومئذ بين الروح والجسد.
ثم ذكر حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ»، أي أن آدم كان ما يزال جسدًا من طين، وبيّن الشيخ أن هذا الإسناد ضعيف. وذكر أثر عطاء أنه كان نبيًّا مكتوبًا قبل أن تُخلق الدنيا بألف عام.
وحذّر الشيخ من الأثر الذي يُروى في توسّل آدم عليه السلام بـ«حق محمد»، وفيه أنه رأى مكتوبًا على العرش «لا إله إلا الله محمد رسول الله». وبيّن أن إسناده ضعيف جدًّا وأن هذا الكلام باطل، لأن فيه أكثر من راوٍ متروك، منهم عثمان بن خالد. وفي هذا تنبيه إلى أن باب الفضائل يجب أن يُتحرّى فيه الصحيح.
النقاط الرئيسية
- الكوثر نهر في الجنة أعطاه الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم، حافتاه قباب اللؤلؤ وطينه مسك أذفر، ورؤيا الأنبياء حق.
- عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار باقيتان، وأن أهل الجنة خالدون فيها أبدًا، وأن الكفار والمنافقين خالدون في النار أبدًا، ويدلّ على ذلك حديث ذبح الموت.
- قال الإمام الآجري: «قبيحٌ بالمسلمين أن يجهلوا معرفة فضائل نبيهم صلى الله عليه وسلم».
- النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وأفضل المخلوقات على الإطلاق، وكون المسلم من أمته نعمة تستحق الشكر.
- محبة الرسول واتباعه علامة صدق محبة الله، وطاعته من طاعة الله.
- من حقوقه التحاكم إليه، والتسليم لحكمه دون حرج، وتوقيره، والصلاة عليه، وتحريم أذاه.
- نبوته صلى الله عليه وسلم كانت ثابتة وآدم بين الروح والجسد، أما أثر توسّل آدم بحق محمد فباطل لا يصح.
الفوائد والعبر
- أن يخاف المؤمن على نفسه من النفاق كما خاف الصحابة، فلا يأمن مكر الله مهما عمل من الصالحات.
- أن يجعل الخلود في الجنة أو النار نصب عينيه، فيعمل لدار البقاء، ويبذل ماله في سبيل الله كما فعل عبد الله بن جعفر رضي الله عنه.
- أن يتعلّم فضائل النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله، لأن معرفتها تزيد الإيمان والمحبة وشكر الله على نعمة الانتساب إلى أمته.
- أن يُثبت محبته للنبي صلى الله عليه وسلم بالاتباع والطاعة والتسليم لسنته، لا بالدعوى وحدها، وأن يكثر من الصلاة والسلام عليه.
- أن يتثبّت في الروايات، فلا ينشر في باب الفضائل والعقائد إلا ما صحّ، ويجتنب الأحاديث الضعيفة والباطلة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات