شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (1) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.
المقدمة
هذا هو الدرس الأول في شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وكتاب «الشريعة» من أهم كتب الاعتقاد المسندة عند أهل السنة والجماعة، فقد جمع فيه مؤلفه أصول العقيدة الإسلامية مستدلًا عليها بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة السلف، وردَّ فيه على الفرق الضالة.
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم شرح معنى كلمة «الشريعة» في عنوان الكتاب، وعرَّف بالإمام الآجري ومكانته وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته. ثم عرض موضوع الكتاب وطريقة تقسيمه إلى أجزاء، وذكر أبرز المسائل التي يتناولها كل جزء، مع تعليقات على واقع المسلمين اليوم.
والهدف من هذا الدرس أن يعرف طالب العلم قيمة الكتاب ومنهج مؤلفه قبل أن يبدأ في دراسة متنه، وأن يدرك أهمية تلقي العقيدة الصحيحة من مصادرها الأصلية بفهم سلف الأمة، وأن يتعوَّد على قراءة الأسانيد كما كان السلف يفعلون، فبها يُعرف ما صح من الأقوال المنسوبة إلى الصحابة وما لم يصح.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: معنى «الشريعة» ومكانة الاتباع
بيَّن الشيخ أن كلمة «الشريعة» في عنوان الكتاب معناها الطريقة المستقيمة التي تدل على الحق وتوصل إليه. فالكتاب قائم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، وهذه هي الطريق التي توصلنا إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
واستشهد الشيخ بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
وفي خطبة الحاجة التي افتتح بها الدرس تقرير لهذا الأصل، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
المحور الثاني: التعريف بالإمام الآجري رحمه الله
ذكر الشيخ ما قاله الإمام الذهبي في ترجمته في «سير أعلام النبلاء»: هو الإمام المحدث القدوة، شيخ الحرم الشريف، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي، صاحب التصانيف. أصله من بغداد، ثم صار شيخًا للحرم المكي. ونبَّه الشيخ على أن العالم ينبغي أن يكون قدوة للناس في الخير، لأن العلم ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو وسيلة إلى العمل وتقوى الله وتهذيب النفس.
وأكد الشيخ أن العالم لا بد له من شيوخ يتلقى عنهم، فالعلم سلسلة متصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر قول السلف: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ». ومن شيوخ الآجري: أبو مسلم الكَجِّي، وهو أكبر شيوخه، وجعفر بن محمد الفريابي، وموسى بن هارون، وأبو القاسم البغوي صاحب «معجم الصحابة» و«الجعديات»، وابن أبي داود، وغيرهم كثير. ومن تلاميذه: أبو الحسين بن بشران، وأبو الحسن الحمّامي المقرئ، وأبو نعيم الأصبهاني صاحب «حلية الأولياء» و«معرفة الصحابة».
ووصفه العلماء بأنه كان صدوقًا خيِّرًا عابدًا، صاحب سنة واتباع. وقال الخطيب البغدادي: كان دَيِّنًا ثقة، وله تصانيف. ومن مؤلفاته: «الشريعة»، و«الرؤية»، و«الغرباء»، و«الأربعين»، و«الثمانين»، و«أخلاق العلماء»، و«التهجد». وتوفي بمكة في المحرم سنة 360هـ وقد جاوز الثمانين، وكانت أسانيده عالية.
المحور الثالث: موضوع الكتاب وأول أجزائه، لزوم الجماعة والنهي عن الفرقة
يتناول الكتاب أكثر قضايا العقيدة الإسلامية على منهج أهل السنة والجماعة، فيوضحها ويستدل عليها بالكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين وأقوال الصحابة والتابعين، ثم يذكر عقائد الفرق الضالة كالخوارج والمرجئة والمعتزلة ويرد عليها. وبيَّن الشيخ أن العقيدة أعظم ما يعيش به المسلم، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. فالموحِّد مهما وقع فيه من الذنوب مآله إلى الجنة برحمة الله، أما الكافر فلا يدخلها ﴿حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40].
بدأ الآجري الجزء الأول بالأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، ثم بيَّن افتراق الأمم السابقة وافتراق هذه الأمة، وأن الحق في طائفة واحدة يجب عليها أن تأخذ بأيدي الناس إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم تكلم عن الخوارج وسوء مذهبهم وقتال علي رضي الله عنه لهم.
وقرر الشيخ أن من منهج السلف طاعة ولي الأمر في غير معصية الله، فإن أمر بمعصية فلا طاعة له فيها، ومع ذلك لا يجوز الخروج عليه ولا تهييج الناس ضده، بل يُدعى له بالصلاح، فإن «قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ». ولاحظ الشيخ أن الخروج على الحكام لم يأتِ بخير في أي بلد من بلاد المسلمين، وأن الدين يقوم على الأدلة والقواعد لا على العواطف.
المحور الرابع: مصادر التلقي وذم الجدال، ومسائل القرآن والإيمان
تكلم الآجري عن مصادر العقيدة وكيف تُتلقى، فأمر بالتمسك بالكتاب والسنة وسنة الصحابة، وحذَّر من البدع والضلالات والجدال فيما يخالف الكتاب والسنة. وأكد الشيخ أن فهمنا للنصوص يجب أن يكون تابعًا لفهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة، وأن الدين لا يتغير بتغير الزمان، وخاصة مسائل الاعتقاد والأحكام الشرعية الثابتة.
وبدأ الجزء الثاني بذم الجدال والخصومات في الدين والمراء في القرآن والمجادلة بمتشابهه، ومن الأدلة على ذلك الحديث: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ»، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]. ثم أثبت أن القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق، وردَّ على القائلين بخلقه وعلى اللفظية والواقفة.
ثم تناول مسائل الإيمان: دخول العمل في مسمى الإيمان، وحكم تارك الصلاة، وزيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل الناس فيه، والاستثناء في الإيمان كقول المسلم: «أنا مؤمن إن شاء الله». وختم هذا الجزء بالرد على المرجئة وبيان سوء مذهبهم. ونبَّه الشيخ على أن الأمة اليوم تعاني من الغلو في جانب ومن الإرجاء والتفريط في جانب آخر.
المحور الخامس: القدر والرؤية والصفات والرد على الحلولية
خصص الآجري الجزء الرابع والخامس للإيمان بالقدر ومسائله، والجزء السادس لما نُقل عن الصحابة والتابعين من الرد على القدرية. وبيَّن الشيخ أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي، وإنما يُحتج به عند المصائب والابتلاءات التي لا اختيار للعبد فيها. والعبد مسؤول عمّا جعل الله له فيه إرادة واختيارًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]. ولا يكون في ملك الله إلا ما يريد، والواجب الإيمان بالقدر وترك التنقيب والجدال فيه.
وفي الجزء السابع أثبت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة بالأدلة والبراهين، وهي أعظم نعيم ينالونه في الجنة. وأثبت كذلك صفة الضحك لله تعالى على ما يليق بجلاله، وردَّ على المعتزلة الذين ينكرون الصفات.
ثم بدأ الجزء الثامن بالرد على الحلولية الذين يزعمون أن الله يحلُّ في بعض خلقه، وقرر أن الله تعالى لا يحل في أحد ولا يتشخص في أحد، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4].
النقاط الرئيسية
- «الشريعة» معناها الطريقة المستقيمة الدالة على الحق والموصلة إليه، وهي قائمة على الكتاب والسنة وفهم السلف.
- الإمام الآجري (ت 360هـ) محدث قدوة وشيخ الحرم المكي، كان صدوقًا عابدًا صاحب سنة واتباع، وله أسانيد عالية ومؤلفات كثيرة.
- العلم يُؤخذ عن الشيوخ بسلسلة متصلة، فلا بد لطالب العلم أن ينظر عمّن يأخذ دينه.
- يقرر الكتاب العقيدة الصحيحة بالأدلة، ويرد على الفرق الضالة كالخوارج والمرجئة والقدرية والمعتزلة والحلولية.
- بدأ الآجري كتابه بالأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، ومن منهج السلف طاعة ولي الأمر في غير معصية وترك الخروج عليه.
- الجدال والمراء في الدين مذمومان، وفهم الصحابة هو الميزان في فهم النصوص، والعقيدة لا تتغير بتغير الزمان.
- لا يُحتج بالقدر على المعاصي، ورؤية المؤمنين لربهم في الآخرة حق ثابت بالأدلة.
الفوائد والعبر
- العلم ليس مقصودًا لذاته، فينبغي لطالب العلم أن يجعله طريقًا إلى العمل والعبادة وتقوى الله، وأن يكون قدوة للناس في الخير.
- العقيدة الصحيحة هي أساس النجاة، فيجب على المسلم أن يحرص على تصحيحها وتعلُّمها من مصادرها الموثوقة.
- على المسلم أن يحرص على جمع كلمة المسلمين، وأن يبتعد عن أسباب الفتنة والفرقة، وأن يدعو لولاة الأمور بالصلاح بدل التهييج عليهم.
- ينبغي ترك الجدال الذي يضيع الأوقات ويقسي القلوب، والانشغال بالعلم النافع والعمل الصالح كالمحافظة على صلاة الفجر.
- على المسلم أن يتوب ويستغفر إذا وقع في الذنب ولا يحتج بالقدر، وأن يصبر ويرضى بالقدر عند المصائب.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات