شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (9) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد بعد مغرب يوم السبت الثامن عشر من ذي الحجة سنة 1436هـ، الموافق للثالث من أكتوبر سنة 2015م. ويتناول المجلس قضية من قضايا المنهج، هي موقف أهل السنة من مناظرة أهل البدع، ومتى تكون المناظرة ضرورة يُلجأ إليها.
ويعرض الشيخ في هذا المجلس جانبًا من تاريخ محنة القول بخلق القرآن، وهي من أعظم الفتن التي مرّت بها الأمة. فيذكر ثبات الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وموقف الإمام يزيد بن هارون الواسطي، والمناظرة المشهورة بين الشيخ القادم من المصيصة وأحمد بن أبي دؤاد بين يدي الخليفة الواثق. ويبيّن من خلال ذلك أثر العلماء الربانيين في حفظ الدين، وخطورة بطانة السوء على ولاة الأمر.
أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد ضوابط مناظرة المبتدعة، وأن يفهم حقيقة مسألة خلق القرآن وخطرها، وأن يستفيد من سِيَر الأئمة في الثبات على الحق ومن الحجة السلفية في إبطال البدع، وأن يلزم طريق السنة والسلف الصالح في أوقات المحن.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حكم مناظرة أهل البدع ومتى تكون ضرورة
يرى الإمام الآجري رحمه الله ترك مناظرة أهل البدع إلا عند الضرورة. وينبّه الشيخ إلى أن هذا الرأي ليس محل اتفاق بين أهل السنة جميعًا، فقد ناظر أهل العلم المبتدعة وأقاموا عليهم الحجة. ومن ذلك مناظرة الإمام الشافعي لحفص الفرد ولبشر المريسي. وللإمام ابن حزم كلام طويل في الإنكار على من يترك المناظرة مطلقًا.
ثم بيّن الآجري صورة الضرورة التي تُباح فيها المناظرة، وهي أن يتبنّى إمامٌ ذو سلطان مذهبَ سوء، فيمتحن الناس ويُكرههم عليه. وحينئذ يلزم أهلَ العلم البيانُ، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوز للعلماء كتمان ما علموه من الحق. وقد تقع بذلك فتنة عظيمة من قتل وسجن وأذى، فيكون الأولى أن يُناظَر وليُّ الأمر ويُناقَش ويُوضَّح له الحق.
وقرّر الآجري أن العلماء في زمن المحنة ناظروا المعتزلة اضطرارًا لا اختيارًا، ليعرف العامة الحق من الباطل. فأثبت الله الحق مع الإمام أحمد ومن كان على طريقته، وأذلّ المعتزلة وفضحهم.
المحور الثاني: حقيقة القول بخلق القرآن وخطره
القرآن كلام الله تعالى، تكلّم به ربُّ العالمين حقيقة، وليس بمخلوق. وقرّب الشيخ خطر القول بخلقه بمثال: المخلوق يجوز إصلاحه والتدخل فيه، كما يُعالَج الإنسان إذا مرض أو انكسرت يده. فلو كان القرآن مخلوقًا لجاز نقده وتصحيحه وتغيير ألفاظه وروايته بالمعنى، أما كلام الله فممنوع فيه ذلك كله. قال تعالى:
﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]
ومن هنا فرّق الشيخ بين ترجمة القرآن وترجمة معانيه. فترجمة القرآن نفسه حرام قولًا واحدًا، لأنه معجز بنظمه وألفاظه وجمله، وإنما تُترجم معانيه. ومثّل لذلك بقوله تعالى:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]
فلا يصح أن يُستبدل بلفظ «اللباس» لفظٌ آخر كالقميص ونحوه. وذكر الشيخ أن خواتيم الآيات، مثل «إن الله على كل شيء قدير» و«إن الله عزيز حكيم»، إذا تدبّرها المسلم فُتحت له بها أبواب من العلم والعبودية، وأيقن أنه كلام الله سبحانه.
المحور الثالث: محنة خلق القرآن وأثر العلماء الربانيين
امتحن الناسَ بهذه البدعة ثلاثة خلفاء من بني العباس: المأمون والمعتصم والواثق.
- المأمون: دعا الإمام أحمد ربَّه ألّا يرى وجهه، فهلك المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد.
- المعتصم: كان رجلَ سيف لا رجلَ علم، فسيطر عليه المعتزلة، فعذّب الإمام أحمد حتى كاد يضرب عنقه، والإمام صابر محتسب.
- الواثق: كاد أن يرجع عن البدعة، ويُقال إنه رجع سرًّا.
- المتوكل: رفع الله به المحنة، وعادت السنة إلى ظهورها.
وذكر الشيخ قصة يزيد بن هارون الواسطي شيخ الإمام أحمد. فقد زيّن المعتزلة للمأمون القول بخلق القرآن، فقال: «لولا يزيد بن هارون لأعلنتُ القول بخلق القرآن»، خشية أن يردّ عليه فتقوم الفتنة. فذهب إليه أحد الحاشية وأخبره سرًّا بعزم الخليفة، فقال يزيد: «كذبت، ما كان أمير المؤمنين ليحمل الناس على ما لم يعرفوه». ثم طلب منه أن يعيد الخبر على الملأ بعد الدرس، فلما أعاده كذّبه يزيد أمام العلماء والطلبة. فرجع الرجل خائبًا، وخاف المأمون أن يعلن بدعته، فلم يُظهرها إلا بعد موت يزيد.
واستنبط الشيخ من ذلك أن العلماء لا يملكون سلاحًا ولا جيوشًا، لكنهم إذا صدقوا مع الله أخذ الله بقلوب العباد إليهم، ونفع بكلمتهم ولو بعد مماتهم. وأشار إلى أن الحكام كانوا يهابون العلماء الربانيين كالشيخ ابن باز رحمه الله. وبيّن أن من علامات الخير للحاكم أن يرزقه الله بطانة صالحة، وأن من خذلانه أن تكون بطانته بطانة سوء. كما ذكر قصة أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، وكان يُظهر الاعتزاز بالسنة حتى قال إن بغلته لو تكلمت لقالت إنها سنية، فلما امتُحن أجاب ثم قال: «كفرنا وخرجنا». فالعبد لا يتمنى البلاء، ويسأل الله الثبات والعافية.
وإذا نزلت المحنة بأهل الدين فلا يأس، فالعاقبة للمتقين، والواجب لزوم الهدي والصبر والدعاء. قال النبي ﷺ:
«إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَٰنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» [رواه مسلم]
﴿وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128] — ﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]
المحور الرابع: مناظرة الشيخ المصيصي لابن أبي دؤاد بين يدي الواثق
روى الآجري عن المهتدي أنه قال: «ما قطع أبي (يعني الواثق) إلا شيخٌ جيء به من المصيصة». أُدخل الشيخ على الواثق مقيدًا فسلّم عليه، فلم يردّ الواثق السلام. فذكّره الشيخ بأدب القرآن وأدب النبي ﷺ في ردّ السلام، فقال الواثق: «وعليك السلام». والآية التي استدل بها الشيخ هي:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86]
وبيّن الشيخ أن إلقاء السلام مستحب، وأن ردّه واجب على الكفاية. ثم طلب الشيخ المصيصي أن تُحلّ قيوده ويُعطى ماءً يتوضأ به، لأنه كان يصلي في الحبس بالتيمم. واستشهد الشارح هنا بحديث النبي ﷺ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا» [متفق عليه]، تنبيهًا على أن السجين لا يُحرم حقوقه التي شرعها الله.
ثم سأل الشيخُ أحمدَ بنَ أبي دؤاد، قاضيَ الدولة ورأسَ المعتزلة: هل دعا إلى هذا القول رسول الله ﷺ؟ أو أبو بكر؟ أو عمر؟ أو عثمان؟ أو علي؟ وفي كل مرة يقول: لا. فأحكم عليه الحجة بقوله: لا يخلو الأمر من أن يكونوا علموه أو جهلوه.
- فإن كانوا علموه وسكتوا عنه، وسعنا ما وسعهم من السكوت.
- وإن كانوا جهلوه وعلمه هو، فكيف يجهل النبي ﷺ والخلفاء الراشدون شيئًا من الدين يعلمه هو وأصحابه؟
فقام الواثق ودخل خلوته يضحك ويردد حجة الشيخ، ثم أمر أن يُعطى الشيخ نفقة ويُخرج من البلد. ونبّه الشارح إلى أن هذه المناظرة أصل عظيم يُردّ به كل أمر مُحدث في الدين، كالدعوة إلى إراقة الدماء المعصومة أو الخروج في المظاهرات. وأشار إلى «كتاب الحيدة» بوصفه مثالًا على مناظرات أهل السنة للمبتدعة، مع التنبيه إلى الكلام في إسناده.
المحور الخامس: لزوم السنن ومنهج أئمة السلف
ختم الآجري هذا الباب بالأمر بحفظ سنن رسول الله ﷺ، وسنن أصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، وأقوال أئمة المسلمين، كمالك والأوزاعي وسفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل والقاسم بن سلّام، ومن كان على طريقتهم من أهل العلم. وقال: «من اقتدى بهؤلاء الأئمة سلم له دينه إن شاء الله».
وأكد الشيخ أن ضلال العالِم ضلالٌ للعالَم. فلو جهر العلماء جميعًا بكلمة الحق، كتحريم الربا مثلًا، لعرف المسلمون الحكم الشرعي، ولم يضلّ إلا من رضي لنفسه الضلال. أما إذا أفتى بعض المنتسبين إلى العلم بالباطل، فإن أهل الأهواء يتعلقون بفتواهم. وهذا تصديق لما افتُتح به المجلس من خطبة الحاجة: «وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
النقاط الرئيسية
- يرى الإمام الآجري ترك مناظرة أهل البدع إلا لضرورة، وقد ناظرهم كثير من الأئمة كالشافعي لإقامة الحجة.
- من صور الضرورة أن يتبنّى صاحب السلطان بدعة ويمتحن الناس عليها، فيجب البيان ولا يجوز كتمان الحق.
- القرآن كلام الله غير مخلوق، والقول بخلقه يفتح باب التلاعب بألفاظه، ولذلك تُترجم معانيه لا ألفاظه.
- امتحن الناسَ ثلاثة خلفاء: المأمون والمعتصم والواثق، فثبت الإمام أحمد، ورفع الله المحنة بالمتوكل.
- هيبة العلماء الربانيين، كيزيد بن هارون، تمنع الحكام من إظهار الباطل، وبطانة السوء سبب للفتن.
- حجة الشيخ المصيصي «علموه أو جهلوه» قاعدة جامعة في إبطال كل محدثة لم يدعُ إليها النبي ﷺ وخلفاؤه.
- السلامة في الدين تكون بلزوم السنن وآثار الصحابة والتابعين وأئمة السلف.
الفوائد والعبر
- اعرض كل أمر جديد في الدين على هدي النبي ﷺ وأصحابه: إن لم يدعوا إليه فإنه يسعك ما وسعهم من السكوت.
- لا تتمنَّ البلاء واسأل الله الثبات: فقد يضعف من يُظهر الاعتزاز بالسنة عند المحنة، كما وقع لأبي معمر، والتوفيق بيد الله وحده.
- لا تيأس عند اشتداد المحن: فالعاقبة للمتقين، والقلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء، والواجب الصبر والاحتساب والدعاء ولزوم الطريق دون تبديل.
- اعرف قدر العلماء الربانيين والتفّ حولهم: وأدِّ واجب البيان والنصيحة بحكمة، ولا تتعلق بزلّات بعض المنتسبين إلى العلم.
- التزم الآداب الشرعية في جميع الأحوال: كردّ السلام وأداء حقوق الناس ولو كانوا مسجونين أو مخالفين، فالظلم ولو في هرة سبب لدخول النار.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات