شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (8) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن من شرح كتاب «الفروق» (أنوار البروق في أنواء الفروق) للإمام شهاب الدين القرافي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه الشيخ «الفرق الثالث»، وهو الفرق بين الشرط اللغوي وغيره من الشروط العقلية والشرعية والعادية. وهذه مسألة دقيقة من مسائل أصول الفقه، ويظن كثير من الناس أن هذه الشروط كلها بمعنى واحد، مع أن لكل نوع منها قاعدة تخصه وأحكامًا تترتب عليه.
ولا يتضح هذا الفرق إلا بعد معرفة حقيقة السبب والشرط والمانع عند الأصوليين. ولذلك يشرح الشيخ تعريف كل واحد منها، ويوضح القيود الواردة في كل تعريف وسبب وضعها، ويضرب أمثلة من أبواب الصلاة والزكاة والطلاق والجعالة. ويذكر في أثناء ذلك تعقيبات العلامة ابن الشاط على القرافي.
والمقصود من هذا الدرس أن يستطيع المتعلم التمييز بين الأحكام الوضعية الثلاثة، وأن يعرف أن الشروط اللغوية (التعاليق) هي في حقيقتها أسباب، وأن يعرف الفروق العملية بينها وبين سائر الشروط، وأن يطّلع على نموذج من المسائل الدقيقة التي اعتنى بها العلماء، ومنها البيت المشهور الذي تكلم عليه الإمام ابن الحاجب.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة وأنواع الشروط الأربعة
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة كما هي سنة النبي ﷺ، وتلا فيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]، ثم قال: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
ثم ذكر أن الشروط أربعة أنواع:
- الشرط الشرعي: مثل الوضوء لصحة الصلاة، وقد ربطه الشارع بمشروطه بالخطاب الذي يسمى خطاب الوضع.
- الشرط العقلي: مثل الحياة للعلم، وارتباطه بمشروطه يدركه العقل.
- الشرط العادي: مثل السُّلَّم للصعود إلى السطح، وقد ربطه الله تعالى بمشروطه بقدرته ومشيئته وجرت به العادة.
- الشرط اللغوي: وهو التعليق بأدوات الشرط، ومثّل له الشيخ بقوله تعالى: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 29]. وواضع اللغة هو الذي جعل هذا الربط دالًّا على ارتباط بعض المعاني ببعض.
ونقل الشيخ قول ابن الشاط: كان الأولى بالقرافي أن يفرّق بين الشروط كلها، كما فرّق بين الشرط اللغوي وغيره. وذكر ابن الشاط أن ما قرره القرافي مبني على اصطلاح الأصوليين، وأنه ليس محل اتفاق، فقد ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إلى خلافه.
المحور الثاني: حقيقة السبب والشرط والمانع وقيود تعريفاتها
السبب: هو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته. ومثاله دخول الوقت، فهو سبب لوجوب الصلاة. وقوله «يلزم من وجوده الوجود» قيد يُخرج الشرط، لأن الشرط لا يلزم من وجوده شيء، فمن توضأ لا تلزمه الصلاة بمجرد وضوئه. وقوله «يلزم من عدمه العدم» قيد يُخرج المانع، لأن المانع لا يلزم من عدمه شيء، فانتفاء الحيض لا يوجب الصلاة بمجرده. أما قيد «لذاته» فيحترز به من حالات يقترن فيها وجود السبب بفقد الشرط أو بوجود المانع، ومن حالات يخلف فيها السبب سبب آخر.
الشرط: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، ولا تكون المناسبة في ذاته بل في غيره. والقيد الأول يُخرج المانع، والقيد الثاني يُخرج السبب، وقيد «لذاته» يحترز به من مقارنة الشرط لوجود السبب أو لقيام المانع. والقيد الأخير يُخرج جزء العلة، لأن جزء العلة يشتمل على جزء من المناسبة.
المانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، مثل الحيض بالنسبة للصلاة والصيام.
وتلخيص ذلك أن المعتبر في المانع وجوده، والمعتبر في الشرط عدمه، والمعتبر في السبب وجوده وعدمه معًا.
المحور الثالث: مثال الزكاة الذي يجمع الثلاثة
تجتمع الأحكام الوضعية الثلاثة في الزكاة:
- النصاب سبب: إذا وُجد وجبت الزكاة، وإذا عُدم لم تجب.
- الحول شرط: إذا عُدم لم تجب الزكاة، وإذا وُجد لم تجب الزكاة بمجرد مروره، لأن مروره قد لا يصاحبه ملك للنصاب.
- الدين مانع: إذا كان الدين ينقص المال عن النصاب منع وجوب الزكاة. ومثّل له الشيخ بمن يملك خمسة وعشرين ألفًا والنصاب عشرون ألفًا، وعليه دين سبعة آلاف، فالذي يملكه في الحقيقة ثمانية عشر ألفًا، وهو دون النصاب.
ونبّه الشيخ إلى أن الكلام هنا عن الزكاة المفروضة، وأن من أراد أن يتصدق تطوعًا فذلك باب آخر.
المحور الرابع: الشروط اللغوية أسباب، والفروق الثلاثة بينها وبين غيرها
إذا عُرفت هذه الحقائق ظهر أن الشروط اللغوية، وهي التعاليق، أسباب بالمعنى الأصولي. فإذا قال الرجل لزوجته: «إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق»، لزم من الدخول الطلاق، ولزم من عدم الدخول عدم الطلاق، إلا أن يخلفه سبب آخر كأن ينشئ الطلاق بعد التعليق. أما الشروط العقلية والشرعية والعادية فهي شروط بالمعنى الأصولي، كالحياة مع العلم، والطهارة مع الصلاة، والسُّلَّم مع صعود السطح، فيلزم من عدمها العدم، ولا يلزم من وجودها شيء.
ولذلك فإطلاق لفظ «الشرط» على النوعين إما أن يكون من باب الاشتراك، وإما من باب المجاز، والمجاز أرجح من الاشتراك، وإما من باب التواطؤ باعتبار قدر مشترك بينهما، وهو توقف الوجود على الوجود. وقد صحّح ابن الشاط هذا الوجه الأخير. ويتحصل من ذلك ثلاثة فروق:
- اقتضاء الوجود: وجود الشرط اللغوي يقتضي وجود المشروط، أما وجود الشرط الشرعي فلا يقتضيه، فوجود الطهارة لا يلزم منه وجود الصلاة.
- الإبدال والإخلاف: يمكن أن يخلف الشرطَ اللغوي غيرُه. فمن قال لزوجته «إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق ثلاثًا» ثم قال لها «أنتِ طالق ثلاثًا» وقع الطلاق بالإنشاء بدلًا من المعلَّق. ومن قال «إن أتيتني بعبدي الآبق فلك هذا الدينار» ثم وهبه إياه قبل أن يأتي بالعبد، استحقه بالهبة لا بالمجيء بالعبد.
- الإبطال: يمكن إبطال الشرطية، كتنجيز الطلاق فإنه يبطل التعليق، وكفسخ الجعالة. والشرط الشرعي يقبل الإبطال أيضًا، فقد يسقط الشارع شرطية الطهارة بالماء عند التعذر فينتقل المكلف إلى التيمم، ويسقط القيام في الصلاة عن العاجز عنه. أما الشرط العقلي فلا يقبل الإبطال، لأن ارتباطه بمشروطه ليس بالوضع.
ونقل الشيخ تعقيب ابن الشاط: جميع الشروط تقبل الإبدال والإخلاف والإبطال ما عدا العقلية خاصة، لأن ما عداها مربوط بالوضع، فلا يمتنع رفعه.
المحور الخامس: مسائل التعاليق ولغز «ما قبل قبله رمضان»
ثم شرع القرافي في مسائل الشروط اللغوية، ووصفها بأن فيها مباحث دقيقة وأمورًا غامضة وإشارات لطيفة، تكون معرفتها حلية للفضلاء وجمالًا للعلماء. وأول هذه المسائل البيت المشهور الذي يسأل فيه قائله الفقيه عمن قال لزوجته: أنتِ طالق في شهر «قبل ما قبل قبله رمضان».
ويرى القرافي أن هذا البيت من نوادر الأبيات، وأنه دقيق المعنى عسير الاستنباط، فهو بيت واحد يمكن أن يُنشد على ثمانية أوجه بالتقديم والتأخير وتغيير الألفاظ مع سلامة الوزن، وتتفرع عنه سبعمائة وعشرون مسألة من مسائل التعليق. وقد تكلم عليه الإمام جمال الدين أبو عمرو ابن الحاجب وأجاد فيه.
ونقل الشيخ اعتراض ابن الشاط، فهو يرى أن البيت مستهجن، وأن الذين يستعظمون مثل هذه الألغاز هم قوم ليست لهم ممارسة لدقائق العلوم.
النقاط الرئيسية
- الشروط أربعة أنواع: شرعية وعقلية وعادية ولغوية، وليست كلها بمعنى واحد كما يظن كثير من الناس.
- السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده شيء، والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه شيء.
- المعتبر في المانع وجوده، وفي الشرط عدمه، وفي السبب وجوده وعدمه معًا.
- في الزكاة يكون النصاب سببًا، والحول شرطًا، والدين الذي ينقص المال عن النصاب مانعًا.
- الشروط اللغوية (التعاليق) أسباب بالمعنى الأصولي، لأنه يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم.
- يفترق الشرط اللغوي عن غيره في ثلاثة أمور: اقتضاء الوجود، وقبول الإبدال والإخلاف، وقبول الإبطال.
- الشرط العقلي وحده لا يقبل الإبطال ولا الإبدال، لأن ارتباطه بمشروطه ليس بالوضع.
الفوائد والعبر
- معرفة الفرق بين السبب والشرط والمانع تعين على فهم أحكام العبادات والمعاملات، كوجوب الزكاة وصحة الصلاة.
- المكلف يستفيد من هذا الباب عمليًا، فمن ملك النصاب وعليه دين ينقصه عن النصاب يعرف أن الدين يمنع وجوب الزكاة المفروضة.
- ألفاظ التعليق في الطلاق وغيره خطيرة، لأن الشرط اللغوي سبب يترتب عليه الحكم متى وُجد، فينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه.
- في الدرس بيان لتيسير الشريعة ورفعها للحرج، فهي تسقط شرطية الطهارة بالماء عند التعذر وتنقل المكلف إلى التيمم، وتسقط القيام عن العاجز عنه.
- يتعلم طالب العلم من تعقيبات ابن الشاط على القرافي أدب النقد العلمي، وأن يزن الأقوال بالدليل، ولا يغترّ بالألغاز على حساب التحقيق.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات