شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (4) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,957 مشاهدة
347 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع من شرح كتاب «الفروق» للإمام شهاب الدين القرافي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه واحدًا من أهم الفروق في الكتاب، وهو الفرق بين الخبر والإنشاء. وعلى هذا الفرق تقوم مسائل كثيرة في أصول الفقه والفقه، مثل الطلاق والبيع والعقود والإقرارات وغيرها.

يعرض الشيخ تعريف الإمام القرافي للخبر، ثم ينقل تعقيبات العلامة ابن الشاط عليه. ويوازن بين القولين ويبيّن سبب الخلاف بينهما. وخلال ذلك يشرح مصطلحات منطقية وأصولية مهمة، منها الحدّ والرسم، والصدق والتصديق، والقبول والمقبول، والممكن والواجب والمستحيل، ويقرّبها بأمثلة من الواقع.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم كيف تُبنى التعريفات العلمية الجامعة المانعة، وكيف يميّز بين ما هو صفة للكلام نفسه وما هو صفة للسامع أو المخبِر. كما يهدف إلى أن يفهم حقيقة الإنشاء، وأثر اللفظ والنية والخطأ في ترتّب الأحكام الشرعية.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تعريف الخبر عند القرافي واعتراض ابن الشاط

عرّف الإمام القرافي الخبر بأنه: «المحتمل للتصديق والتكذيب لذاته». ومعنى قوله «لذاته» أننا ننظر إلى الكلام نفسه بقطع النظر عن المخبِر والمخبَر عنه. فبعض الأخبار لا يقبل إلا الصدق بالنظر إلى المخبَر عنه، مثل قولنا: الواحد نصف الاثنين. وبعضها لا يقبل إلا الكذب. أما من حيث هي أخبار فإنها كلها تقبل الأمرين.

واعترض العلامة ابن الشاط على هذا التعريف، ورأى أن الأولى أن يقال: الخبر «قولٌ يلزمه الصدق أو الكذب». وحجته أن التصديق والتكذيب صفتان للسامع، وليسا صفتين للخبر نفسه. وقد ينفكّ الخبر عن التصديق والتكذيب لأسباب: إما لغفلة السامع عن سماعه، وإما لإعراضه عن الحكم عليه مع أنه سمعه، وإما لعدم وجود ما يرجّح أحد الاحتمالين. أما الصدق والكذب فلا ينفكّ الخبر عن أحدهما أبدًا.

واحتج ابن الشاط أيضًا بأن الصدق والكذب يلحقان الخبر قبل التصديق والتكذيب. فالسامع يصدّق الخبر لأنه صادق، ويكذّبه لأنه كاذب. واستدل كذلك بأن القرافي نفسه نصّ على أن الصدق والكذب من خصائص الخبر، فلا وجه للعدول عنهما إلى التصديق والتكذيب. ثم وصف ابن الشاط كلام القرافي بأنه «ضعيف ساقط». وعلّق الشيخ بأنه لو وصفه بأنه مرجوح أو احتمال ضعيف لكان أولى وأليق بالأدب مع أهل العلم.

المحور الثاني: الفرق بين الصدق والتصديق، وبين الحدّ والرسم

التصديق والتكذيب قول وجودي، أي يُنطق به ويُسمع. أما الصدق فهو مطابقة الخبر للواقع، والكذب عدم مطابقته للواقع. فالصدق والكذب نسبة وإضافة، والنسب والإضافات أمور عدمية. فالنسبة معدومة قبل أن يُنسب شيء إلى شيء، والإضافة معدومة قبل أن يُضاف شيء إلى شيء. وبهذا يكون الفرق بينهما فرقًا بالوجود والعدم.

ثم بيّن الشيخ الفرق بين الحدّ والرسم. فالحدّ تعريف الشيء بحقيقته وماهيته وصفاته الذاتية. والرسم تعريفه بصفاته العرضية. ومثّل لذلك بالأسد: فإذا وصفت ذاته فذكرت أنه حيوان له رأس كبير وأربع قوائم وناب عظيم، فهذا من قبيل الحدّ. وإذا وصفته بأنه يأكل الحيوانات لا الحشائش، وبلونه وشعره، وبأنه شجاع مقدام، فهذا من قبيل الرسم.

والقاعدة أن الحدّ والرسم لا يصحّان إلا بوصف لازم للمعرَّف. فإن كان اللازم وصفًا حقيقيًا ذاتيًا فالتعريف حدّ، وإن لم يكن ذاتيًا فالتعريف رسم. ولذلك ينبغي أن يكون التعريف جامعًا مانعًا مختصرًا. ومن هنا رأى ابن الشاط أن قيد «لذاته» يُستغنى عنه إذا عُرّف الخبر بلزوم الصدق أو الكذب، لأن لزوم أحدهما للخبر أمر لا يمكن غيره.

المحور الثالث: مسألة «الواو» و«أو» في الحدّ، والفرق بين القبول والمقبول

أورد بعضهم على تعريف الخبر أن الصدق والكذب متنافيان، فكان الواجب أن يُستعمل في الحدّ حرف «أو» الدالّ على أحد الشيئين. فأجاب القرافي بأن الصواب هو اختيار القاضي أبي بكر رحمه الله، وهو استعمال «الواو». ووجه ذلك أن تنافي المقبولَين لا يلزم منه تنافي القبولَين.

ومثّل لذلك بالإنسان: فهو ممكن، يقبل الوجود ويقبل العدم في آنٍ واحد من حيث ذاته. أما المقبول نفسه فلا يكون إلا واحدًا منهما، فإما أن يوجد وإما ألا يوجد. ولو لم يوجد فيه إلا أحد القبولين للزم أحد أمرين: أن يصير الممكن مستحيلًا، أو أن يصير واجبًا. وكلاهما خلاف المفروض.

وبيّن القرافي أن الشبهة التي وقعت لإمام الحرمين سببها الالتباس بين القبول والمقبول. والصواب أن كل جسم يقبل جميع الأضداد، وقبولاته كلها مجتمعة فيه، وإنما يتعاقب عليه المقبول على سبيل البدل. ورجّح ابن الشاط قول إمام الحرمين. وبيّن الشيخ سبب الخلاف: فابن الشاط نظر إلى كل خبر جزئي على حدة، وهو إما صدق وإما كذب قولًا واحدًا. والقرافي نظر إلى الخبر من حيث هو أمر كلّي عامّ.

المحور الرابع: الممكن والواجب والمستحيل، وثبات الأوصاف الذاتية

قرّر الإمام القرافي أن الإمكان والوجوب والاستحالة أوصاف ذاتية لا تتبدّل. فالله عز وجل واجب الوجود، ووجود إله شريك له مستحيل، والجائز يبقى جائزًا دائمًا فلا يصير واجبًا ولا مستحيلًا.

ومثّل الشيخ لذلك بوجودنا نحن البشر. فقبل مئة سنة لم نكن موجودين، فكان الإخبار بوجودنا حينئذ كذبًا. ثم وُجدنا فصار الإخبار بوجودنا صدقًا. ومع ذلك لم يكن وجودنا مستحيلًا من قبل، ولم يصبح واجبًا الآن، بل بقي جائزًا في الحالين. فالذي تغيّر هو مطابقة الخبر للواقع، أما الوصف الذاتي فلم يتغيّر. ونبّه الشيخ كذلك إلى معنى «الدور» في التعريفات، وهو توقّف الشيء على ما يتوقّف عليه، كتعريف الجنس بالنوع مع أن النوع لا يُعرف إلا بالجنس.

المحور الخامس: حدّ الإنشاء وأثر النية والخطأ في ألفاظ الطلاق

عرّف القرافي الإنشاء بأنه: «القول الذي يوجد به مدلوله في نفس الأمر، أو متعلَّقه». ويدخل فيه الأمر والنهي والتحضيض والتمنّي والسؤال، مثل: قم، واجلس، وذاكر، وليتك تفعل كذا. فهذه أقوال يتعلّق بها شيء يُطلب إيجاده.

وقيد «يوجد به مدلوله» احتراز من مثل أن يقول قائل: «السَّفّ عليّ واجب». فهذا الوجوب لا يثبت بلفظه، وإنما يثبت الوجوب بإيجاب الشارع. بخلاف قول الرجل لزوجته: «أنتِ طالق» مريدًا إنشاء الطلاق، فإن إزالة العصمة تحصل بهذا اللفظ نفسه. وكذلك يحصل الملك بلفظ البيع، ونحو ذلك من صيغ العقود. وقد يكون قوله «أنتِ طالق» خبرًا لا إنشاءً، كأن يخبرها بأنها طالق وهي في العدة من طلاق رجعي.

ثم تناول الشيخ مسألة سبق اللسان. فمن أراد أن يقول لزوجته: «أنتِ حائض» فقال خطأً: «أنتِ طالق»، فإن ابن الشاط تعقّب كلام القرافي في هذه الصورة، وكان لكلٍّ منهما نظر فيها. ومثّل الشيخ للخطأ بمن أراد سداد دين عليه لمحمد فأعطى المال لمحمود خطأً، فإن ذمّته لا تبرأ بذلك. واستدل على أن الخطأ مرفوع المؤاخذة بقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [رواه ابن ماجه].

وقد افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، وفيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1].

النقاط الرئيسية

  • عرّف القرافي الخبر بأنه المحتمل للتصديق والتكذيب لذاته، أي بقطع النظر عن المخبِر والمخبَر عنه.
  • رجّح ابن الشاط تعريف الخبر بأنه «قول يلزمه الصدق أو الكذب»، لأن الصدق والكذب صفتان للخبر، أما التصديق والتكذيب فصفتان للسامع.
  • التصديق والتكذيب أمران وجوديان، والصدق والكذب نسبة وإضافة، وهما أمران عدميان.
  • الحدّ تعريف الشيء بحقيقته وصفاته الذاتية، والرسم تعريفه بصفاته العرضية، ولا يصحّ واحد منهما إلا بوصف لازم.
  • تنافي المقبولَين لا يستلزم تنافي القبولَين، ولذلك اختار القاضي أبو بكر «الواو» في الحدّ. ورجّح ابن الشاط قول إمام الحرمين لأنه نظر إلى الأخبار الجزئية، بينما نظر القرافي إلى الخبر من حيث هو كلّي.
  • الإمكان والوجوب والاستحالة أوصاف ذاتية ثابتة لا تتبدّل، وإنما يتغيّر صدق الخبر أو كذبه بحسب مطابقته للواقع.
  • الإنشاء قول يوجد به مدلوله في نفس الأمر، كإزالة العصمة بلفظ الطلاق وحصول الملك بلفظ البيع، والخطأ مرفوع المؤاخذة بنص الكتاب والسنة.

الفوائد والعبر

  • الدقة في التعريفات أساس الفهم الصحيح للعلوم الشرعية، فالخطأ في الحدّ يورث الخطأ في الأحكام المبنية عليه.
  • ينبغي التأدب مع أهل العلم عند الردّ عليهم، فيقال في القول المرجوح «مرجوح» أو «فيه نظر» بدل «ضعيف ساقط».
  • فهم سبب الخلاف بين العلماء، كاختلاف زاوية النظر بين الجزئي والكلّي، يعين على الإنصاف والجمع بين الأقوال.
  • ينبغي الحذر في التلفّظ بصيغ العقود والطلاق، لأن الإنشاء يترتّب عليه أثره الشرعي بمجرد اللفظ.
  • من رحمة الله بهذه الأمة أن رفع عنها المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وهذا يبعث على الطمأنينة مع الحرص على التثبّت.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات