شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (6) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا المجلس السادس شرح كتاب «الفروق» (أنوار البروق في أنواء الفروق) للإمام شهاب الدين القرافي رحمه الله. وهو من أجلّ كتب القواعد الفقهية وأدقّها، إذ يُعنى بالتمييز بين المسائل التي تتشابه في ظاهرها وتفترق في حقيقتها وأحكامها. ويتناول المجلس تتمة «الفرق الثاني بين الخبر والإنشاء»، وذلك من خلال المسائل التي يُتوهَّم أنها إنشاء وليست كذلك، مع تعقيبات الإمام ابن الشاط رحمه الله على القرافي.
ويدور الدرس حول قضية دقيقة في باب الطلاق، وهي: هل يفيد لفظ «أنتِ طالق» زوال العصمة بالوضع اللغوي أم بالوضع العرفي؟ وما ثمرة هذا الخلاف عند الفتوى والقضاء؟ ثم ينتقل الشيخ إلى المسألة الثالثة، وهي ألفاظ الكنايات، مثل: «حبلُكِ على غاربِكِ» و«الخلية» و«البرية» و«البائن» و«البتة» و«الحرام»، فيعرض أقوال المذاهب الأربعة وغيرهم فيها.
أهداف التعلم: أن يفهم الطالب الفرق بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية وأثره في الأحكام، وأن يدرك منزلة العرف والنية في ألفاظ الطلاق، وأن يطّلع على مناهج الفقهاء واختلافهم في صرائح الطلاق وكناياته. ويتربّى بذلك على التأني والاحتياط في هذا الباب الخطير.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: لفظ «أنتِ طالق» بين الخبر والإنشاء، والوضع اللغوي والعرفي
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ومما تلاه فيها قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ» [آل عمران: 102]. ثم شرع في المسألة الثانية، وهي أن من قال لامرأته «أنتِ طالق» ولا نية له، فإن المتبادر إلى الأذهان أن الطلاق يلزمه بالوضع اللغوي. ويقرر القرافي أن الأمر ليس كذلك، فهذا اللفظ وُضع في اللغة للخبر عن كونها طالقًا. ولو أخبر بذلك عن طلاق سابق لم تلزمه طلقة ثانية، كمن سُئل عن زوجته المطلقة: أهي في عصمته؟ فقال: «هي طالق»، فلا يقع عليه طلاق جديد ولو كانت رجعية في العدة؛ لأن قوله إخبار لا إنشاء.
واستدل القرافي بأن مادة «ط ل ق» موضوعة في اللغة لإزالة مطلق القيد، يقال: وجه طلق، وحلال طلق، وأُطلق فلان من الحبس، وانطلقت بطنه. وإزالة قيد العصمة نوع من أنواع القيد. فلو كان اللفظ لغويًّا لاستوى «أنتِ طالق» و«أنتِ منطلقة»، لكن الفقهاء ألزموا بالأول الطلاق من غير نية، ولم يلزموا بالثاني إلا بالنية. فدلّ ذلك على أن «طالق» نُقل عرفًا للإنشاء دون «منطلقة».
ثم ضرب القرافي مثالًا افتراضيًّا: لو جاء زمان ينعكس فيه الحال، فصار لفظ «منطلقة» موضوعًا للإنشاء، وهُجر لفظ «طالق» فلا يُستعمل إلا نادرًا، لما لزم الطلاق بـ«طالق» إلا بالنية، ولزم بـ«منطلقة» بغير نية. فعُلم أن لفظ الطلاق لم يوجب إزالة العصمة بالوضع اللغوي، بل بالعرف الإنشائي.
المحور الثاني: تعقيبات ابن الشاط على القرافي
لم يسلّم ابن الشاط للقرافي بأن «أنتِ طالق» عبارة عن إزالة مطلق القيد. ويرى أن الظاهر من اللغة أنه لفظ موضوع لإزالة قيد عصمة النكاح، أو للإخبار عن ذلك، فهو عنده حقيقة لغوية. أما الاستدلال باتحاد معنى مادة «ط ل ق» فهو ما يسميه النحاة «الاشتقاق الكبير»، وليس بالقوي عند المحققين.
وفرّق ابن الشاط بين اللفظين من جهة اللغة نفسها؛ فلفظ «طالق» يدل لغةً على إزالة عصمة النكاح، و«منطلقة» يدل على المسير والمشي، وهما معنيان متغايران. فعدم لزوم الطلاق بلفظ «منطلقة» سببه مغايرة معنى الانطلاق لمعنى الطلاق، لا كونه لغويًّا محضًا. ومع ذلك يسوغ استعمال «منطلقة» إنشاءً للأمر بالانطلاق، إن قلنا إن استعمال الألفاظ الخبرية في الإنشاء قياسي، وإلا توقّف ذلك على السماع.
وبيّن الشيخ ثمرة الخلاف عمليًّا: إن قلنا إنها حقيقة لغوية وقع الطلاق دون اشتراط النية. وإن قلنا إنها حقيقة عرفية، فإذا كان العرف يجعلها فكًّا لعصمة النكاح لم تُشترط النية، وإذا كان العرف لا يقرّ بذلك فلا بد من النية.
المحور الثالث: الطلاق في الجاهلية، والحقائق العرفية، وثمرة الفرق
أورد القرافي إشكالًا: العرب كانت تنكح وتطلق قبل البعثة، وكانت تطلق بالظهار، فلفظ الطلاق معلوم لهم، فيكون لغويًّا سابقًا على الشريعة. وأجاب بأن الإنشاءات قد تتقدم الشريعة وتكون عرفية، كألفاظ «الراوية» و«البحر» و«الغائط» و«الخلاء». فقد استعملتها العرب قبل البعثة، ونصّ أئمة اللغة مع ذلك على أنها مجازات لغوية وحقائق عرفية. ومثلها ألفاظ عقود المعاوضات، وألفاظ القسم كقولهم: «والله» و«تالله» و«بالله». فالعوائد تحدث مع طول الأيام، بُعث نبي أم لا. ووافقه ابن الشاط على صحة هذا الجواب.
ثم ذكر القرافي فائدة الفرق: إذا كانت الإفادة بالعرف تنقّلنا مع العرف حيث تنقّل، فيكون الأصل عدم اللزوم حتى يثبت النقل العرفي. وإذا كانت بالوضع اللغوي كان الأصل اللزوم حتى تطرأ عادة ناسخة. ويظهر أثر ذلك في الألفاظ المتنازع فيها هل هي صريحة أو كناية، وعدّه القرافي فرقًا عظيمًا يحتاج إليه الفقيه.
وتعقّبه ابن الشاط بأن العرف كما يتبدل عن العرف يتبدل عن اللغة. وبيّن أن إلزام العقود من الطلاق وغيره مبني في الفتوى على نية المتكلم أو عرفه، لا على اللغة ولا على عرف غيره. أما في القضاء فيُحكم على المتكلم بعرفه لا بنيته، لاحتمال كذبه فيما يدّعيه من النية. والمعتبر في الجملة هو الاستعمال الجاري في زمن وقوع العقد.
المحور الرابع: كنايات الطلاق واختلاف المذاهب فيها
عرض الشيخ المسألة الثالثة نقلًا عن «التهذيب». فقد قال الإمام مالك في قول القائل «حبلُكِ على غاربِكِ» إنه يلزمه الطلاق الثلاث، ولا تُقبل نيته إن أراد أقل منها. وكذلك ألفاظ: خلية، وبرية، وبائن، وبائنة مني، ووهبتُكِ، ورددتُكِ. قال عبد الملك بن الماجشون: هي ثلاث في المدخول بها لا يُنوَّى في أقل منها، ويُنوَّى في غير المدخول بها، فإن لم ينوِ فثلاث. وقال ربيعة: هي ثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها. وقال ابن القاسم في «أنا منك بائن»: يلزمه الثلاث قبل الدخول وبعده. وإن قال في الخلية والبرية والبائن: لم أُرد طلاقًا، صُدِّق إن تقدّم من كلامه ما يكون هذا جوابًا له، وإلا فلا.
وقال الشافعي رحمه الله: النية نافعة فيما ينويه من العدد. وقال أبو حنيفة: إن نوى الثلاث لزمته الثلاث، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة. وعند الحنابلة يقع الطلاق بالخلية والبرية والبائن و«حبلك على غاربك» و«الحقي بأهلك» والبتة والبتلة من غير نية لشهرتها. ورجّح أبو بكر بن العربي المالكي في «القبس» أن هذه الألفاظ كلها واحدة، لا تزيد على قوله «أنتِ طالق».
واستُدل لاعتبار النية بحديث ركانة عند الترمذي: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ، فَقَالَ: «مَا أَرَدْتَ بِهَا؟» قُلْتُ: وَاحِدَةً، قَالَ: «وَاللَّهِ؟» قُلْتُ: وَاللَّهِ، قَالَ: «فَهُوَ مَا أَرَدْتَ». وفي رواية الشيخ: فردّها إليه. ونقل الشيخ كذلك عن مالك في المدونة أن من قال «بائن مني» أو «بريّة» أو «خلية» لا يُصدَّق في عدم إرادته الطلاق إلا بقرينة تصدّقه.
المحور الخامس: لفظ «الحرام» وأقوال العلماء فيه
نقل الشيخ عن مالك أن من قال «كل حلال عليّ حرام» تحرم عليه أزواجه، نوى ذلك أم لا، إلا أن يُخرجهن بنيته أو بلفظه. وقال ابن عبد الحكم في قوله لامرأته «يا حرام»: لا شيء عليه إذا كان في بلد لا يريدون به الطلاق، فردّ الأمر إلى العرف والنية. وذكر ابن عبد البر في «الاستذكار» أن في لفظ الحرام أحد عشر قولًا، منها:
- مالك: تلزمه الثلاث في المدخول بها، ويُنوَّى في غيرها.
- الشافعي: لا يلزمه شيء حتى ينوي، فإن نوى واحدة فهي رجعية، وإن نوى التحريم بغير طلاق لزمته كفارة يمين ولا يكون موليًا.
- أبو حنيفة: إن نوى الطلاق فواحدة، وإن نوى اثنتين فواحدة بائنة، وإن نوى الثلاث فثلاث، وإن لم ينوِ فهو مُولٍ، وإن نوى الكذب فليس بشيء.
- سفيان الثوري والأوزاعي: له ما نوى، فإن لم ينوِ شيئًا فهي يمين تُكفَّر.
- إسحاق بن راهويه: عليه كفارة الظهار، ولا يطؤها حتى يكفّر.
- طائفة من التابعين: هي يمين يكفّرها بما يكفّر به اليمين.
- الشعبي: تحريم المرأة كتحريم المال، لا شيء فيه.
- سعيد بن جبير: عليه عتق رقبة. وابن عباس: هي يمين مغلّظة.
ومن أدلة القائلين بأنها يمين قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ» [التحريم: 1-2]، وكان النبي ﷺ قد حرّم سُرِّيَّته مارية. واستدل الشعبي بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» [المائدة: 87]. وأشار الشيخ في ذكر الإيلاء إلى قوله تعالى: «لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» [البقرة: 226].
النقاط الرئيسية
- يرى القرافي أن «أنتِ طالق» وُضع لغةً للخبر، وإنما صار إنشاءً للطلاق بالعرف لا باللغة.
- الإخبار عن طلاق سابق لا يُوقع طلقة جديدة، ولو كانت المرأة رجعية في العدة.
- خالفه ابن الشاط، فرأى أن لفظ «طالق» حقيقة لغوية في إزالة عصمة النكاح، وأن «منطلقة» دالة على المسير، وردّ الاستدلال بالاشتقاق الكبير.
- وجود الطلاق عند العرب قبل البعثة لا ينافي كونه إنشاءً عرفيًّا، كالراوية والغائط وألفاظ العقود والقسم.
- ثمرة الخلاف: على القول العرفي الأصل عدم اللزوم حتى يثبت النقل العرفي، وعلى القول اللغوي الأصل اللزوم حتى يطرأ ناسخ.
- المعتبر في الفتوى نية المتكلم أو عرفه، وفي القضاء عرفه دون دعواه في النية.
- اختلف الفقهاء اختلافًا واسعًا في كنايات الطلاق ولفظ الحرام، ولابن عبد البر فيه أحد عشر قولًا.
الفوائد والعبر
- خطورة ألفاظ الطلاق: على المسلم أن يحفظ لسانه، فلا يتساهل بألفاظ مثل «حبلك على غاربك» أو «أنتِ عليّ حرام»، فقد قال بعض الأئمة إنها ثلاث.
- مراعاة العرف: على المفتي أن يراعي أعراف الناس وتغيّرها، فلا يجمد على المنقول مع تبدّل الأعراف، وهذا من أعظم ما يحتاج إليه الفقيه.
- التفريق بين الفتوى والقضاء: المفتي يعتمد على نية السائل، والقاضي يحكم بالظاهر والعرف، فيحتاط المسلم لنفسه في أقواله.
- أدب الخلاف: عرض أقوال المذاهب وأدلتها، ونقد ابن الشاط للقرافي، يربّي طالب العلم على سعة الأفق واحترام اجتهادات الأئمة وموازنة الأدلة.
- الرجوع إلى أهل العلم: من وقع منه لفظ محتمل في الطلاق فليرجع إلى أهل العلم الراسخين، كما رجع ركانة إلى النبي ﷺ فسأله عن نيته.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات