شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (5) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,094 مشاهدة
406 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس من شرح كتاب «الفروق» (أنوار البروق في أنواء الفروق) للعلامة أبي العباس شهاب الدين القرافي رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويُكمل الشيخ فيه الكلام على «الفرق الثاني» بين الخبر والإنشاء. وهذا الفرق من أهم القواعد التي تجمع بين علوم العربية وأصول الفقه والفقه، لأن كثيرًا من الأحكام يتوقف على معرفة نوع الكلام: هل هو خبر يحتمل الصدق والكذب، أم إنشاء يُوجِد معناه بمجرد النطق به.

يبدأ المجلس بأقسام الإنشاء المتفق عليها بين أهل العلم. ثم ينتقل إلى المسألة المختلف فيها، وهي صيغ العقود والفسوخ مثل: «بعتُ» و«اشتريتُ» و«أنتِ طالق». فيعرض الشيخ مذهب الحنفية القائلين إنها أخبار، ومذهب الجمهور القائلين إنها إنشاءات منقولة عن الخبر. ويذكر أدلة الجمهور الستة وأجوبة الحنفية عنها، ثم تعقيبات ابن الشاط على كلام القرافي.

والمقصود من هذا الدرس أن يعرف طالب العلم ضابط الإنشاء ولوازمه، وأن يميز ما هو إنشاء حقيقة مما يُظن إنشاءً وليس كذلك، كالظهار. وأن يعرف أثر ذلك في الأيمان والبيوع والطلاق، وأن يتدرب على المناظرة العلمية ونقد الأدلة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: خطبة الحاجة وافتتاح المجلس

افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه. فحمد الله وأثنى عليه، وتلا الآيات التي تأمر بالتقوى والقول السديد، ثم دعا للحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح وحسن الخاتمة.

ومن الآيات التي تلاها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

ومن الحديث: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: أقسام الإنشاء المتفق عليها

ذكر القرافي رحمه الله أن الإنشاء قسمان: قسم متفق عليه، وقسم مختلف فيه. والمتفق عليه أربعة أقسام:

الأول: القَسَم. مثاله: «أُقسم بالله لقد قام زيد». فهذه الصيغة في ظاهرها فعل مضارع يدل على قسم في المستقبل، فكان مقتضاها ألا تلزم بها كفارة، لأنها كالوعد بالقسم. لكن العرب في الجاهلية والإسلام اتفقوا على أن القائل أنشأ بها القسم في الحال، وأنه تلزمه أحكامه. ولهذا لا يحتمل القسم التصديق والتكذيب، وتوجد فيه جميع لوازم الإنشاء. وقال فضلاء النحاة: القسم جملة إنشائية يُؤكَّد بها جملة خبرية.

الثاني: الأوامر والنواهي مثل «افعل» و«لا تفعل». فهي تستلزم طلب الفعل أو الترك، ولا تقبل التصديق والتكذيب. الثالث: الترجي والتمني والعرض والتحضيض، مثل: «لعل الله يأتينا بخير»، و«ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا». وصيغ التحضيض أربع: ألا، وهلّا، ولولا، ولوما. الرابع: النداء مثل: «يا زيد». واختلف النحاة: هل فيه فعل مضمر تقديره «أنادي»، أم أن الحرف وحده يفيد النداء؟ وأجاب المبرد بأن الفعل مضمر، ولا يلزم من ذلك أن يقبل التصديق والتكذيب لأنه إنشاء. فالخلاف هنا في الإضمار فقط، أما كون النداء إنشاءً فمتفق عليه.

وأقر ابن الشاط كلام القرافي في هذا كله إلا قوله إن صيغة القسم مقتضاها الإخبار. فاعترض عليه بأن أهل اللسان مجمعون على أنها إنشاء للقسم، وأن كونها للإخبار إنما يكون عند غير أهل اللسان، ولا حجة فيهم.

المحور الثالث: صيغ العقود بين الخبر والإنشاء وأدلة الجمهور

المختلف فيه هو صيغ العقود مثل «بعتُ» و«اشتريتُ» و«أنتِ طالق». فقال الحنفية: هي أخبار باقية على أصلها اللغوي. وقال غيرهم: هي إنشاءات منقولة عن الخبر. واحتج الجمهور بستة أوجه:

  • الأول: لو كانت أخبارًا لكانت كاذبة، لأنه لم يبع ولم يطلّق قبل النطق بها، والكذب لا عبرة به، وهي معتبرة شرعًا.
  • الثاني: لو كانت أخبارًا صادقة لتوقفت على تقدم أحكامها. فإن توقفت أحكامها عليها أيضًا لزم الدور، وإن لم تتوقف لزم وقوع الطلاق والعتق والمتكلم ساكت، وهذا خلاف الإجماع.

  • الثالث: لو كانت خبرًا عن الماضي أو الحاضر لتعذر تعليقها على الشروط، لأن الشرط لا يتعلق إلا بمستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]، وقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. ولو صرّح بالمستقبل فقال: «ستصيرين طالقًا» لم تطلق.
  • الرابع: من قال لمطلقته الرجعية: «أنت طالق» لزمته طلقة أخرى، ولو كان خبرًا لصدق بالطلقة الأولى ولم تلزمه طلقة جديدة.
  • الخامس: قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]. فالأمر بالطلاق لا يرجع إلى التحريم نفسه لأنه حكم الله، فتعيّن أن يرجع إلى ما هو سبب للتحريم، وهو قول الزوج: «أنت طالق». فدل ذلك على أنها صيغة منشئة للتحريم.
  • السادس: أن المتبادر في العرف من هذه الألفاظ هو الإنشاء، فوجب أن تكون منقولة إليه كسائر المنقولات.

وعند الوجه الخامس نبّه الشيخ على خطأ القول بأن كلام الله نفساني، وبيّن أنه من بقايا مذهب الأشاعرة. والحق عند أهل السنة أن الله تعالى يتكلم متى شاء وكيف شاء، بحرف وصوت يسمعه من شاء من عباده.

المحور الرابع: أجوبة الحنفية وتعقيب ابن الشاط عليها

أجاب الحنفية بأن الشارع يقدّر وقوع مدلولات هذه الألفاظ قبل النطق بها بزمن يسير، لضرورة تصديق المتكلم. وقالوا: الإضمار أولى من النقل، لأن الإضمار في الكلام مجمع عليه والنقل مختلف فيه. ونفوا الدور بأنها أمور مترتبة: النطق، ثم تقدير المدلول، ثم حصول الصدق ولزوم الحكم. وقسموا الماضي إلى ماضٍ محقق لا يصح تعليقه، وماضٍ مقدّر يصح تعليقه. وقالوا في الرجعية: إن أراد الإخبار عن الطلقة الأولى لم تلزمه ثانية، وإن أراد ثانية احتاجت إلى التقدير كالأولى.

وقال القرافي: إن الوجه السادس لا يُجاب عنه إلا بالمكابرة، لأن تبادر الإنشاء من هذه الألفاظ معلوم بالضرورة. ومال إلى قول الجمهور.

وتعقّب ابن الشاط أجوبة الحنفية بأنها ضعيفة، لأن أكثرها مبني على «ضرورة صدق المتكلم»، وصدقه مبني على أن كلامه خبر، وهذا هو محل النزاع، ومحل النزاع لا يصح أن يكون دليلًا. وقال: إن ما هنا ليس من الإضمار المتفق عليه، بل هو تقدير وقوع ما لم يقع. وإن الحاصل بهذا التقدير هو تقدير الصدق لا حقيقته. وخلص إلى أن الراجح أن صيغ العقود إنشاءات لا أخبار.

المحور الخامس: الظهار مما يُتوهم أنه إنشاء

ختم القرافي هذا الفرق بمسائل جعلها وِشاحًا له، أي زينة وتكميلًا لما سبق. وأولها مسألة الظهار، وهي قول الرجل لامرأته: «أنتِ عليّ كظهر أمي». فكثير من الفقهاء يظن أنه إنشاء للظهار كما أن «أنت طالق» إنشاء للطلاق، وأن البابين في الإنشاء سواء.

والقرافي يرى أن الأمر ليس كذلك، وأن الظهار ليس إنشاءً كالطلاق. وشرع في بيان ذلك من عدة أوجه، ويأتي تفصيلها في المجلس القادم إن شاء الله.

النقاط الرئيسية

  • الإنشاء قسمان: متفق عليه ومختلف فيه.
  • الإنشاء المتفق عليه أربعة: القسم، والأمر والنهي، والترجي والتمني والعرض والتحضيض، والنداء.
  • القسم جملة إنشائية يُؤكَّد بها جملة خبرية، وتلزم بها أحكام اليمين باتفاق أهل اللسان.
  • صيغ العقود والطلاق أخبار عند الحنفية، وإنشاءات منقولة عن الخبر عند الجمهور.
  • احتج الجمهور بستة أوجه، أقواها تبادر الإنشاء من هذه الصيغ في العرف.
  • ضعّف ابن الشاط أجوبة الحنفية لأنها تجعل محل النزاع دليلًا، وهذا لا يصح.
  • الظهار مما يُظن أنه إنشاء كالطلاق، والقرافي يرى أنه ليس كذلك.

الفوائد والعبر

  • ينبغي للمسلم أن يحذر من التلفظ بالأيمان والطلاق والعقود، لأن ألفاظها تُثبت أحكامها بمجرد النطق بها.
  • دقة اللغة العربية لها أثر مباشر في فهم الأحكام الشرعية، فتعلُّمها من أعظم ما يعين طالب العلم.
  • من آداب المناظرة ألا يُجعل محل النزاع دليلًا، وأن يُفرَّق بين القاعدة الصحيحة وتطبيقها في غير موضعها.
  • يتعلم الطالب الإنصاف في عرض الخلاف بذكر أدلة كل فريق وأجوبته، ثم الترجيح بالحجة.
  • يجب الحذر من الأخطاء العقدية التي قد توجد في كتب الفقه والأصول، كالقول بالكلام النفسي، والتمسك بعقيدة السلف في صفات الله تعالى.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات