شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (13) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث عشر من شرح كتاب «الفروق» للإمام شهاب الدين القرافي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس مسائل دقيقة تحتاجها الفتوى والقضاء. أولها الفرق بين المشقة التي تُسقط العبادة أو تخففها والمشقة التي لا أثر لها. ثم الفرق بين الصغائر والكبائر، وبين الكبائر والكفر. ويقارن الشيخ أثناء الشرح بين كلام القرافي وتعقيبات ابن الشاط، ويرجع إلى كلام العز بن عبد السلام في «القواعد الكبرى».
وتظهر أهمية هذه المسائل في أن الخطأ فيها له عواقب كبيرة. فالتوسع في الترخص يُضيّع التكليف، والتشدد فيه يُوقع الناس في الحرج. والخطأ في التفريق بين الصغيرة والكبيرة يؤثر في جرح الشهود وتعديلهم. أما الخطأ في التكفير فيؤدي إلى استحلال الدماء والحرمات وإلى الولاء والبراء على غير الحق.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المتعلم ضابط المشقة المعتبرة شرعًا، ويفهم لماذا تختلف العبادات عن المعاملات في هذا الباب، ويعرف ضوابط التفريق بين الذنوب. كما ينبهه الشيخ إلى أن مسائل التكفير والجرح لها أهلها، فلا يصح أن يخوض فيها كل أحد.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أقسام المشاق وأثرها في العبادات
ينقل القرافي عن العز بن عبد السلام أن المشاق قسمان. القسم الأول مشقة لا تنفك عنها العبادة، مثل الوضوء والغسل في البرد، والصوم في النهار الطويل، والمخاطرة بالنفس في الجهاد. هذه المشقة لا توجب تخفيفًا لأنها مقررة مع العبادة نفسها. ومثّل لها الشيخ بصيام رمضان إذا جاء في الحر وطول النهار، فهو لا يسقط عن المكلفين.
ويعلّق ابن الشاط بأن التكليف نفسه مشقة، لأنه يمنع الإنسان من الاسترسال مع شهوات نفسه، وبهذا سُمّي تكليفًا. فالمشقة التي وقع التكليف بما يلزمها، سواء لزمتها عادةً أو غالبًا أو نادرًا، لا تؤثر في العبادة لا بإسقاط ولا بتخفيف، لأن ذلك ينقض التكليف. أما المشقة التي لم يقع التكليف بها فهي التي يكون لها أثر.
والقسم الثاني مشاق تنفك عنها العبادة، وهي ثلاثة أنواع: مشقة عظيمة فادحة تُعتبر في الإسقاط باتفاق، ومشقة خفيفة لا أثر لها، ومشقة متوسطة بينهما. والقاعدة في ذلك أنه كلما عظمت رتبة العبادة في نظر الشرع اشتُرط في المشقة المسقطة لها أن تكون شديدة، والعبادة التي لم تعظم رتبتها تؤثر فيها المشاق الخفيفة.
المحور الثاني: ضابط المشقة والفرق بين العبادات والمعاملات
كثير من الفقهاء يُحيلون ضابط المشقة على العرف. والطريقة المحررة في المجلس هي أن يُنظر في كل عبادة إلى أدنى مشقة ورد الدليل باعتبارها من نص أو إجماع أو استدلال. فما ساواها من المشاق أو زاد عليها يكون مسقطًا، وما نقص عنها لا يكون مسقطًا.
ومن أمثلة ذلك أذى القمل في الحج، فقد أباح النبي ﷺ لكعب بن عجرة رضي الله عنه حلق شعره بسببه. فكل مرض يؤذي المحرم مثل هذا الأذى أو أشد منه يبيح الحلق. وكذلك السفر أباح الفطر بالنص، فتُقاس عليه المشاق التي تساويه. قال النبي ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» (متفق عليه).
أما ما ليس له ضابط محدد في الشرع فهو قسمان. القسم الأول يُكتفى فيه بأقل ما يصدق عليه الاسم، وهذا في المعاملات. فمن باع عبدًا واشترط أنه كاتب كفاه أن يُسمى كاتبًا ولو كان خطه رديئًا، ومثله أوصاف المبيع في السَّلَم. والقسم الثاني يتعلق بإسقاط العبادات، فلا يكفي فيه مجرد اسم المشقة، بل لكل عبادة مرتبة معينة من المشقة المؤثرة فيها.
وسبب الفرق أن العبادات تشتمل على مصالح العباد ومواهب الله وسعادة الأبد، فلا يليق أن تفوت لأدنى مشقة. وقد قال النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها في قصة عمرتها: «وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ» (رواه البخاري). أما المعاملات فمصالحها مشتركة بين الناس، وتتحقق بمسمى الحقائق والشروط. ولو أُلزم الناس فيها بأكثر من ذلك لكثر الخصام وانتشر الفساد والعناد.
المحور الثالث: الفرق بين الصغائر والكبائر
يعترف القرافي بأن ضبط هذه المواضع صعب، فيقول: «فإن معرفة الإشكال علم في نفسه وفتح من الله تعالى». ثم يذكر قول إمام الحرمين وغيره إن كل معصية كبيرة نظرًا إلى عظمة من عُصي بها. ومع ذلك فقد أجمعوا على أن من الذنوب ما يقدح في العدالة ومنها ما لا يقدح.
ويرى ابن الشاط أن الخلاف هنا ليس حقيقيًا. فمن قال إن كل ذنب كبيرة قصد أن مخالفة الله أمر عظيم. ومن قسّم الذنوب قصد أنها تتفاوت في الذم والعقوبة. والمعنيان صحيحان ومتفق عليهما. والكبيرة على هذا التحرير هي ما عظمت مفسدته، والصغيرة ما قلّت مفسدته. وقد عدّ النبي ﷺ في حديث «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» (متفق عليه) ذنوبًا مع الشرك، فدل ذلك على أنها من الكبائر.
وثبت في الصحيح أن القبلة للأجنبية من الصغائر، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. ونبّه الشيخ إلى أن ابن الشاط علّق القول بذلك على ثبوت الحديث، مع أنه ثابت في الصحيح. ثم قرر الشيخ ضابط الكبيرة: هي كل ذنب ورد في الكتاب أو السنة وعيد عليه، أو رُتّب عليه حد أو عقوبة في الدنيا أو الآخرة، وما عدا ذلك فهو من الصغائر.
المحور الرابع: الإصرار على الصغيرة والعدالة والحكم بالظاهر
يُبحث هنا ضابط الإصرار الذي يجعل الصغيرة كبيرة، وفيه القاعدة المشهورة: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. ويستدرك ابن الشاط على القرافي في المباحات، فتكرارها لا يقدح في العدالة بإطلاق. وإنما يقدح منها ما لا يجوز فعله أمام الناس، وما يدل على خلل في العقل يمنع من الوثوق بضبط صاحبه.
واشترط القرافي ألا يكون في القلب عزم على العودة إلى الذنب. فاعترض ابن الشاط بأن هذا أمر باطن لا يُطّلع عليه، وصوّب الشيخ اعتراضه. فالعدالة من الأمور الظاهرة، وكل الأحكام الدنيوية التي يحتاج فيها إلى الحاكم تُبنى على الظاهر، والله يتولى السرائر.
المحور الخامس: حقيقة الكفر وضوابط التكفير وأهلية النظر فيه
يقرر القرافي أن أصل الكفر هو انتهاك جانب الربوبية، ويقول إن ذلك ليس على إطلاقه. أما ابن الشاط فيجعل أصل الكفر الجهل بالربوبية، وبيّن الشيخ أن هذا من أثر مذهب الأشاعرة. ورجّح الشيخ أن مشركي العرب لم يكونوا جاهلين بالربوبية، وإنما انتهكوا حقها حين أعطوا بعض المخلوقات شيئًا من خصائص الرحمن سبحانه.
ثم ذكر الشيخ الخلاف في التكفير ببعض الاعتقادات، وفي تكفير تارك الصلاة: فلم يكفّره مالك والشافعي، وكفّره أحمد. وأكد على التفريق بين الحكم بالكفر على النوع والحكم به على شخص معين. فتكفير المعيّن لا يصح إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع. وليس كل متكبر كافرًا، وإنما الكافر من تكبّر على الله تعالى وامتنع عن طاعة أوامره.
وختم الشيخ بتنبيه تربوي أخذه من قول القرافي: «إنه ليس كل الفقهاء لهم أهلية النظر في مسائل التكفير». فإذا قيل هذا في زمن القرافي فالأمر في زماننا أشد. وانتقد الشيخ من يتصدّرون للجرح والتعديل والتبديع بلا شيوخ معروفين ولا علم مؤصل، ويظن أحدهم نفسه مثل شعبة بن الحجاج أو يحيى القطان. وبيّن أن العالم المجتهد إذا أخطأ فله أجر واحد، ولا يُعادى بسبب خطئه ولا يُلام.
النقاط الرئيسية
- المشقة التي لا تنفك عنها العبادة، كالوضوء في البرد والصوم في الحر، لا توجب تخفيفًا، لأن التكليف نفسه مشقة.
- كلما عظمت رتبة العبادة في الشرع اشتُرط في المشقة المسقطة لها أن تكون أشد.
- ضابط المشقة المعتبرة: يُنظر إلى أدنى مشقة ورد الدليل باعتبارها، فما ساواها أو زاد عليها كان مسقطًا، وما نقص عنها لا يكون مسقطًا.
- يُكتفى في المعاملات بأقل ما يصدق عليه الاسم، أما العبادات فلكل منها مرتبة معينة من المشقة المؤثرة.
- الكبيرة هي ما ورد عليه وعيد أو حد أو عقوبة، والصغيرة ما سوى ذلك، والإصرار يجعل الصغيرة كبيرة.
- العدالة والأحكام الدنيوية تُبنى على الظاهر، فلا يُشترط فيها ما في القلوب.
- يجب التفريق بين الحكم بالكفر على النوع وتكفير المعيّن، ولا يتكلم في مسائل التكفير إلا من هو أهل لها.
الفوائد والعبر
- أن يوطّن المسلم نفسه على تحمّل المشقة المعتادة في العبادة، وأن يعلم أن أجره على قدر تعبه.
- أن يأخذ بالرخص الشرعية في مواضعها التي دل عليها الدليل، دون تساهل يضيّع الواجبات ودون تشدد يوقع في الحرج.
- ألا يستهين بالصغائر، فالإصرار عليها يجعلها كبائر، وأن يبادر إلى الاستغفار لأنه يمحو الذنوب.
- أن يحكم على الناس بما يظهر منهم ويترك سرائرهم إلى الله، وأن يحذر من اتهام النيات.
- أن يتأدب طالب العلم فلا يتكلم إلا فيما يُحسنه، ولا يتصدر للتكفير والتبديع والجرح بلا أهلية، وأن يعرف للعلماء قدرهم وإن أخطؤوا.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات