شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (25) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,277 مشاهدة
129 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس والعشرون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. أُلقي الدرس بعد صلاة العشاء ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة 1439هـ، الموافق للثاني عشر من ديسمبر سنة 2017م. يكمل الشيخ فيه كلام ابن القيم عن تغليظ الله تعالى لحدّ الزنا، ثم ينتقل إلى الحديث عن فاحشة قوم لوط ومفاسدها العظيمة على الفرد والمجتمع.

ويتناول المجلس موضوعًا يمسّ قلب كل مسلم، وهو حسن الخاتمة وسوؤها. فيبيّن أن الذنوب والإصرار عليها قد تحول بين العبد وبين التوفيق عند الموت، ويسوق لذلك قصصًا مؤثرة نقلها ابن القيم عن الحافظ عبد الحق الإشبيلي في كتاب «العاقبة». وفيها عبرة بالغة لمن أطلق لنفسه العنان في الشهوات واغترّ بإمهال الله له.

ومن أهداف هذا الدرس: معرفة حكمة الشريعة في تغليظ عقوبة الفواحش، وإدراك سعة باب التوبة وأنها تمحو كل ذنب، والتنبه لأسباب سوء الخاتمة للحذر منها. ويعرض الدرس كذلك أقوال الفقهاء في عقوبة اللواط وأدلة كل فريق.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تغليظ حد الزنا وحكمة الشريعة فيه

ذكّر الشيخ بما سبق من كلام ابن القيم في أن الله تعالى غلّظ حدّ الزنا من ثلاثة أوجه. الأول أنه شرع فيه القتل للمحصَن، وهو أشنع القتلات. والثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دين الله. والثالث أنه أمر أن يشهد إقامة الحد طائفة من المؤمنين.

وبيّن ابن القيم أن حد الزاني المحصن، وهو الرجم، مشتق من عقوبة الله لقوم لوط بالقذف بالحجارة. وسبب ذلك اشتراك الفاحشتين في الفحش، وأن في كل منهما فسادًا يناقض حكمة الله في خلقه وأمره.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2].

المحور الثاني: مفاسد فاحشة قوم لوط وهل يدخل صاحبها الجنة؟

قرر ابن القيم أن في هذه الفاحشة من المفاسد ما يفوق الحصر والتعداد. فهي تفسد صاحبها فسادًا يصعب بعده الصلاح، وتذهب بخيره وحيائه، وتعمل في قلبه وروحه عمل السم في البدن. ونبّه الشيخ إلى أن قوم لوط مع نجاستهم كانوا يعرفون أن الطهارة في ضد ما هم عليه، ولهذا قالوا: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]. وذكر بأسف أن هذه الفاحشة صارت في زماننا يُروَّج لها في الإعلام وتُقام لأهلها المؤتمرات.

ونقل ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف في دخول المفعول به الجنة. فمن قال لا يدخلها احتج بحديث: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ»، وهو حديث اختلف العلماء في ثبوته. ووجه الاستدلال عندهم أن ولد الزنا لا ذنب له، وإنما هو مظنة الشر لأنه مخلوق من نطفة خبيثة، فمن تلبس بهذه الفاحشة بنفسه أولى بذلك.

وانتهى ابن القيم إلى التحقيق في المسألة: من تاب توبة نصوحًا وعمل صالحًا، وصار في كبره خيرًا منه في صغره، فهو مغفور له من أهل الجنة. أما من بقي على حاله ولم يُوفَّق للتوبة، فبعيد أن يُوفَّق عند الموت لخاتمة يدخل بها الجنة، عقوبةً له على عمله.

المحور الثالث: سعة باب التوبة وأن الحسنة تجر أختها

أكد الشيخ أن التوبة إذا كانت تمحو الشرك بالله، وقتل أنبيائه وأوليائه، والسحر، والكفر، فهي لا تقصر عن محو ما دون ذلك. وقد استقرت حكمة الله عدلًا وفضلًا على أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأن الله يبدّل سيئات التائبين حسنات، وهذا حكم عام في كل تائب من كل ذنب.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70].

وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

وبيّن الشيخ قاعدة مهمة: الله سبحانه يعاقب على السيئة بسيئة بعدها، كما يثيب على الحسنة بحسنة بعدها. فمن صلى الفريضة في المسجد وسمع الدرس وذكر الله وغضّ بصره، فُتح له باب إلى الخير. ومن أطلق بصره ووقع في المحرمات، جرّته المعصية إلى أختها.

المحور الرابع: أسباب سوء الخاتمة وقصص المحتضرين

نقل ابن القيم عن الحافظ عبد الحق الإشبيلي أن لسوء الخاتمة أسبابًا. أعظمها الإقبال على الدنيا، والإعراض عن الآخرة، والجرأة على معاصي الله. وقد يغلب ذلك على قلب العبد فيُطفئ نوره ويحجبه، فلا تنفع فيه موعظة. ثم يأتيه الموت وهو على حاله، فإذا لُقّن الشهادة لم يقدر عليها.

وساق قصصًا مؤثرة لأناس لُقّنوا كلمة التوحيد عند الموت فجرت على ألسنتهم الكلمات التي عاشوا عليها. فمنهم من شغلته الدنيا والحساب، ومنهم من تعلّق قلبه بشهوة حرام فكانت آخر ما تكلم به. وأشدها قصة المؤذن الذي فُتن بامرأة نصرانية رآها من فوق المنارة، فترك دينه ليتزوجها، ثم سقط من سطح الدار فمات على غير الإسلام قبل أن ينال ما أراد.

وذكر بكاء سفيان الثوري رحمه الله ليلة كاملة، وأنه قال: الذنوب أهون من هذا، وأشار إلى تبنة أخذها من الأرض، وإنما أبكي خوفًا من سوء الخاتمة. وذكر أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يردد عند احتضاره قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]. وبيّن الإشبيلي أن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، وإنما يكون لمن فسدت عقيدته أو أصرّ على الكبائر.

المحور الخامس: أقوال العلماء في عقوبة اللوطي

ذكر ابن القيم أن الناس اختلفوا: هل عقوبة اللواط أغلظ من عقوبة الزنا أو مثلها أو دونها؟ وفي ذلك ثلاثة أقوال. الأول أن عقوبته أغلظ وأنه يُقتل بكل حال، محصنًا كان أو غير محصن. وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم، ومالك وأحمد في إحدى الروايتين. فمنهم من قال يُرجم بالحجارة، ومنهم من قال يُلقى من شاهق.

والقول الثاني أن عقوبته كعقوبة الزاني: يُرجم المحصن ويُجلد غيره. وهو قول عطاء والحسن البصري وسعيد بن المسيب والنخعي وقتادة والأوزاعي والشافعي في ظاهر مذهبه، ورواية عن أحمد.

والقول الثالث أن عقوبته التعزير، وهو قول الحكم وأبي حنيفة. واحتجوا بأنه لم يرد فيه حد مقدّر، وأنه لا يسمى زنا لغة ولا شرعًا. واحتجوا أيضًا بأن الطبع ينفر منه فاكتُفي بهذا الوازع الطبيعي. ثم شرع ابن القيم في الرد عليهم بأدلة الجمهور، وذكر أنه لا مفسدة أعظم من هذه بعد مفسدة الكفر، وقد تكون أعظم من مفسدة القتل. ورجّح الشيخ القول الأول، وهو قتل الفاعل والمفعول به.

النقاط الرئيسية

  • غلّظ الله حد الزنا من ثلاثة أوجه: القتل للمحصن، والنهي عن الرأفة بالزناة، وإشهاد طائفة من المؤمنين.
  • رجم الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله لقوم لوط بالحجارة، لاشتراك الفاحشتين في الفحش والفساد.
  • فاحشة قوم لوط من أعظم المفاسد، تُذهب الحياء والخير وتعمل في القلب عمل السم في البدن.
  • التوبة النصوح تمحو كل ذنب حتى الشرك، والله يبدّل سيئات التائبين حسنات.
  • المعصية تجر أختها، والطاعة تجر أختها، وهذا من سنن الله في الجزاء.
  • أعظم أسباب سوء الخاتمة الإقبال على الدنيا، والإعراض عن الآخرة، والإصرار على الكبائر.
  • جمهور الصحابة والأئمة على أن عقوبة اللوطي أغلظ من عقوبة الزاني أو مساوية لها.

الفوائد والعبر

  • المبادرة إلى التوبة النصوح وعدم تأخيرها، فالموت يأتي بغتة وقد يحول بين العبد وبين التوبة.
  • غضّ البصر وحفظ الفرج وسدّ أبواب الفتنة، فنظرة واحدة أورثت بعض الناس سوء الخاتمة.
  • عدم القنوط من رحمة الله مهما عظم الذنب، مع عدم الاغترار بإمهاله سبحانه.
  • الحرص على إصلاح الظاهر والباطن معًا، والاستمرار على الطاعة، لأن المرء يموت على ما عاش عليه.
  • الحذر من الإعلام والمواد التي تروّج للفواحش وتهوّن من شأنها، وتحصين النفس والأهل منها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات