شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (11) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الحادي عشر من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يواصل فيه الشيخ عرض الفصل الذي عقده الإمام ابن القيم لبيان عقوبات المعاصي وآثارها على العبد في دينه ودنياه وآخرته. وهو من أنفع أبواب الكتاب، لأنه يكشف للعبد عاقبة ما يستهين به من الذنوب.
يتناول هذا الدرس جملة من هذه العقوبات، منها: أن المعصية تحقّر النفس وتصغّرها حتى تصير أحقر شيء، وأنها تُبعد العبد عن ربه، وأنها تسلبه أسماء المدح والشرف وتكسوه أسماء الذم والصَّغار. ويبيّن كذلك أن لذة المعصية لذة يسيرة تحيط بها الهموم والغموم والأحزان، وأن العاصي يوالي عدوَّ الله ويعادي أولياءه.
أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد قيمة نفسه التي اشتراها الله تعالى بالجنة، وأن يدرك خطر تدسيتها بالمعاصي. وأن يميّز مراتب البعد عن الله، ويفهم كيف تغيّر المعصية منزلة العبد وأسماءه. وأن يخرج بعزيمة صادقة على التوبة وصيانة النفس.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: النفس سلعة الله التي اشتراها والثمن الجنة
يقرّر الإمام ابن القيم أن نفس المؤمن ليست ملكًا مطلقًا له يتصرّف فيها كيف يشاء، بل هي سلعة عقد الله عليها عقد بيع. فالبائع هو المؤمن، والمشتري هو الله سبحانه، والثمن هو الجنة. أما السفير الذي جرى على يده عقد التبايع فهو رسول الله ﷺ، فقد بلّغ عن ربه وبيّن شروط هذا العقد.
وإذا كانت النفس قد بيعت بهذا الثمن العظيم، فكيف يليق بالعبد أن يمنع السلعة بعد بيعها؟ وكيف يدنّسها بالمعاصي ويصرفها في غير مرضاة مشتريها؟ إن العاصي في الحقيقة يخون هذا العقد ويُفسد ما ليس له إفساده.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
[سورة التوبة: 111]
المحور الثاني: المعصية تحقّر النفس وتدسّيها
من عقوبات المعاصي أنها تصغّر النفس وتقمعها وتحقّرها حتى تصير أصغر شيء وأحقره. أما الطاعة فتنمّيها وتزكّيها وتكبّرها. فالفلاح كله في تزكية النفس بالطاعة، والخيبة كلها في تدسيتها بالمعصية.
ومعنى «دسّاها» أي أخفاها وحقّرها وطمرها بالفجور، كما يُدسّ الشيء في التراب. فالعاصي يدسّ نفسه في المعاصي ويُخفي مكانها، ويستتر من الناس بما يأتيه من القبائح. أما المطيع فيرفع نفسه ويظهرها بالبر والإحسان.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس: 9-10]
المحور الثالث: البعد عن الله ومراتبه، ومنزلة الذل والمهانة
من أعظم عقوبات المعاصي أنها تُبعد العبد عن ربه. والبعد عن الله هو الهلاك الحقيقي الذي يُردي صاحبه. وهذا البعد ليس درجة واحدة، بل هو مراتب متفاوتة:
- بعد المعصية: وهو بعد صاحب الكبائر والصغائر من أهل التوحيد.
- بعد البدعة: وهو أشد من بعد المعصية، لأن صاحبها يتقرّب إلى الله بما لم يشرعه.
- بعد النفاق والشرك: وهو أعظم البعد وأشده، ولا يُغفر لصاحبه إن مات عليه.
وكلما ازداد العبد بعدًا عن ربه سقطت منزلته عنده، ونزل إلى منزلة الذل والمهانة. ومن هان على الله فلا مُكرم له، ومن ابتعد عن مصدر العزة لم يبق له إلا الذل.
المحور الرابع: سلب أسماء المدح، وموالاة أعداء الملك
من عقوبات المعاصي أنها تسلب العبد أسماء المدح والشرف، كالمؤمن والبر والمحسن والمتقي والمطيع. وتكسوه بدلًا منها أسماء الذم والصغار، كالعاصي والمخالف والمسيء والخبيث والمسرف. وتلحقه كذلك أسماء الزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن والغادر وقاطع الرحم وأمثالها. فهذه أسماء خبيثة يرضى بها العاصي ثمنًا لشهوة عابرة.
ويبيّن الإمام أن ما يناله العاصي من لذة إنما هو حظ يسير. ويقابل هذا الحظ ما يلحقه في أثناء المعصية وبعدها من الهموم والغموم والأحزان والآلام. فلو وازن العاقل بين الأمرين لعلم أنه خاسر في الصفقة.
ويضرب ابن القيم مثلًا بليغًا: إن الله هو الملك الحق، وأعداؤه هم الشيطان وجنده، وأولياؤه هم أهل طاعته. فالعاصي في الحقيقة قد والى أعداء الملك وعادى أولياءه، فاستحق غضبه. ولا سبيل له إلى رضا الملك إلا بالمصالحة والرجوع إليه بالتوبة الصادقة وقطع موالاة عدوه.
ختام المجلس: الدعاء النبوي الجامع
ختم الشيخ المجلس بالدعاء النبوي الجامع، وفيه سؤال الله الخشية التي تحول بين العبد ومعاصيه، وهو أنسب ما يُختم به باب عقوبات المعاصي:
«اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا ... وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا»
[رواه الترمذي وحسّنه]
النقاط الرئيسية
- نفس المؤمن سلعة اشتراها الله بالجنة، والرسول ﷺ هو السفير في هذا العقد، فلا يحل للعبد أن يدنّسها بالمعاصي.
- المعصية تصغّر النفس وتحقّرها وتدسّيها، والطاعة تزكّيها وتنمّيها، وعلى ذلك يدور الفلاح والخيبة.
- البعد عن الله مراتب: بعد المعصية، ثم بعد البدعة، ثم بعد النفاق والشرك، وهو أعظمها.
- من عقوبات الذنوب سقوط منزلة العبد عند الله ونزوله إلى منزلة الذل والمهانة.
- المعاصي تسلب العبد أسماء المدح، كالمؤمن والبر والمتقي، وتكسوه أسماء الذم، كالعاصي والفاسق والخائن.
- لذة المعصية حظ يسير تحيط به الهموم والغموم والأحزان والآلام.
- العاصي يوالي أعداء الملك الحق ويعادي أولياءه، ولا خلاص له إلا بالصلح مع الله بالتوبة.
الفوائد والعبر
- استحضار قيمة النفس: إذا تذكّر العبد أن نفسه مبيعة لله بالجنة، استحيا أن يصرفها في معصيته، وحرص على الوفاء بالعقد.
- الموازنة قبل الإقدام: على العبد أن يوازن بين لذة المعصية العابرة وما يعقبها من همّ وذلّ وعقوبة، فيعلم أنه خاسر في الصفقة.
- الحذر من البدعة: البدعة أشد بعدًا عن الله من المعصية، فينبغي لزوم السنة في العبادة والتقرّب.
- الحرص على أسماء المدح: ليجتهد المسلم أن يكون من أهل أسماء الإيمان والتقوى والإحسان، فإن الأسماء تتبع الأعمال.
- ملازمة الدعاء النبوي: المحافظة على دعاء «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ...» سبب عظيم للعصمة من المعاصي والثبات على الطاعة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات