شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (24) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,007 مشاهدة
469 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والعشرون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. أُلقي المجلس بعد عشاء يوم الثلاثاء السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1439هـ، الموافق للخامس من ديسمبر 2017م.

يتناول المجلس فصلًا عظيمًا من فصول الكتاب. وفيه يبيّن ابن القيم المداخل الأربعة التي ينبغي للإنسان أن يحترز منها حتى يعصمه الله من الفتن والفواحش، وهي: اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات. ويركز هذا المجلس على مدخلين منها: اللفظات، أي حفظ اللسان، والخطوات، أي حفظ القدم. ثم ينتقل إلى بيان مفاسد الزنا وعظيم خطره على الدين والدنيا، وإلى بيان معنى غيرة الله عز وجل على محارمه.

يهدف هذا الدرس إلى أن يدرك المسلم خطورة الكلمة، وأن يتعلم كيف يزن كلامه قبل أن ينطق به. ويبيّن كيف تتحول المباحات إلى قربات بالنية الصالحة، وكيف يكون حفظ الجوارح سياجًا يحمي الفرج والدين من الوقوع في الفواحش.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حفظ اللفظات وميزان الكلام قبل النطق به

قرر ابن القيم أن حفظ اللفظات يكون بألا يُخرج العبد لفظة ضائعة، وألا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه. فإذا أراد أن يتكلم نظر أولًا: هل في كلامه ربح وفائدة؟ فإن لم يكن فيه ربح أمسك عنه. وإن كان فيه ربح نظر ثانيًا: هل تفوته به كلمة هي أربح منها؟ فإن وُجد ما هو أنفع اشتغل به. ونبّه الشيخ على أن المقصود هو الربح الأخروي لا مجرد المنفعة الدنيوية، وأن أعظم الكلام ذكر الله عز وجل.

وبيّن أن اللسان مرآة القلب، فهو يُظهر ما فيه شاء صاحبه أم أبى. ونقل قول يحيى بن معاذ رحمه الله: «الْقُلُوبُ كَالْقُدُورِ تَغْلِي بِمَا فِيهَا، وَأَلْسِنَتُهَا مَغَارِفُهَا». فكما تذوق ما في القدر بلسانك، تذوق ما في قلب الرجل من كلامه، حلوًا كان أو حامضًا، عذبًا أو أجاجًا. فمن غلب على مجالسه ذكر الله وطاعته فالغالب عليه الخير، ومن غلب عليها الفحش والسب فذلك دليل على ما في قلبه.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]

وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]

وقال ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [متفق عليه]

وقال ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [رواه الترمذي]

وحديث: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»، وقد ذكر الشيخ أن في رفعه ضعفًا، وأنه يصح موقوفًا على ابن مسعود رضي الله عنه.

المحور الثاني: خطورة الكلمة وأنها قد تُحبط عمل العمر كله

سرد ابن القيم جملة من النصوص التي تبيّن أن اللسان من أعظم أسباب دخول النار. فقد سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس النار فقال: «الفم والفرج». وفي حديث معاذ رضي الله عنه أخذ النبي ﷺ بلسانه وجعل حفظه ملاك الأمر كله.

ومن أعجب ما ذكره ابن القيم أن الإنسان يهون عليه التحفظ من أكل الحرام والزنا والسرقة وشرب الخمر، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه. فترى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، فيزلّ بها أبعد مما بين المشرق والمغرب. وقد طبّق الشيخ ذلك على واقع بعض المنتسبين إلى الدين في عصرنا، ممن يتورعون عن كثير من المحرمات، ثم يطلقون ألسنتهم في أعراض العلماء والدعاة ورميهم بالتبديع والتضليل والتحزيب، حتى كأنهم ضمنوا الجنة.

واستدل على ذلك بحديث الرجل الذي قال: «والله لا يغفر الله لفلان»، فأحبط الله عمله بكلمة واحدة. وعلّق الشيخ بأن المسلم لا يجوز له أن يتألّى على الله في عباده، فنحن لا ندري ما يفعل الله بغيرنا ولا بأنفسنا.

قال ﷺ لمعاذ رضي الله عنه: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا». قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح]

وقال ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري]

وفي صحيح مسلم: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»

المحور الثالث: آفتا اللسان، الكلام بالباطل والسكوت عن الحق

بيّن ابن القيم أن في اللسان آفتين عظيمتين، من نجا من إحداهما قد لا ينجو من الأخرى. الأولى آفة الكلام بالباطل، وصاحبها شيطان ناطق. والثانية آفة السكوت عن الحق، وصاحبها شيطان أخرس إذا لم يكن خائفًا على نفسه. وأكثر الخلق منحرفون في كلامهم وسكوتهم بين هذين النوعين. أما أهل الوسط، وهم أهل الصراط المستقيم، فقد كفّوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة.

ومن عظيم أثر اللسان أن العبد قد يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها. وقد يأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله. ولهذا أرشد الشيخ إلى أن يُتبع المسلم زلة لسانه بالاستغفار والذكر. وذكر أيضًا خلاف السلف في كتابة الملكين: هل يكتبان كل ما يلفظ به العبد أم الخير والشر فقط؟ وأظهر القولين أنهما يكتبان كل شيء.

ومن أقوال السلف التي نقلها: «الكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره». ومنها محاسبة السلف أنفسهم على قولهم: «يوم حار ويوم بارد». ومنها قول شداد بن أوس رضي الله عنه لما زلّ لسانه بكلمة: «ما تكلمت بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمّها إلا هذه». وذكر كذلك أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرها على العبد.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» [رواه الترمذي وصححه]

وفي الحديث: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» [رواه الترمذي]

المحور الرابع: حفظ الخطوات وتحويل المباحات إلى قربات

يكون حفظ الخطوات بألا ينقل العبد قدمه إلا فيما يرجو ثوابه. وبيّن الشيخ أن هذا لا يمنع من السعي في أمور الدنيا المباحة، لأن الدنيا إذا نوى بها العبد خدمة الآخرة صارت عبادة. فالنية هي التي تحوّل المباح إلى طاعة، كمن يجيب دعوة أخيه المسلم ناويًا إدخال السرور عليه وطاعة النبي ﷺ في إجابة الدعوة، أو يأكل ناويًا التقوّي على طاعة الله، أو ينام بنية الاستعانة على القيام بالطاعة.

ولأن عثرة الرجل وعثرة اللسان متقاربتان، جمع الله بينهما في صفة عباد الرحمن، فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم. كما جمع بين اللحظات والخطرات في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. ونبّه ابن القيم إلى أن كل ما تقدم من حفظ المداخل الأربعة إنما هو مقدمة بين يدي التحذير من الفواحش وحفظ الفرج.

قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]

وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]

المحور الخامس: مفاسد الزنا وغيرة الله على محارمه

بيّن ابن القيم أن الله قرن الزنا بالكفر وقتل النفس. وفي ترتيب الحديث والآية بدأ بالأكثر وقوعًا ثم بالذي يليه، فالزنا أكثر وقوعًا من القتل، والقتل أكثر وقوعًا من الردة. ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم. فالمرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها. وإن حملت من الزنا فقتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإن نسبته إلى زوجها أدخلت على أهلها أجنبيًا يرثهم ويطّلع على عوراتهم وليس منهم. وفي زنا الرجل اختلاط الأنساب وإفساد المرأة المصونة.

ومن عقوبات الزنا التي ذكرها: أنه يوجب الفقر، ويمحق بركة العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس، ويشتت القلب ويمرضه، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملَك ويقرّبه من الشيطان. وأشار الشيخ إلى قصص التائبات، وإلى حال بعض من اشتهرن بما يُسمّى زورًا بالفن، وما انتهى إليه حال بعضهن من الاكتئاب، بل الانتحار أحيانًا. ولشدة مفسدة الزنا شُرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأصعبها، وهو الرجم للمحصن.

ثم انتقل إلى بيان الغيرة. فذكر أن صاحب الشرف يهون عليه أن يبلغه موت قريبته، ولا يهون عليه أن يبلغه أنها زنت. وانتقد الشيخ ما يُروَّج له اليوم باسم الحرية من انحلال وفساد. وبيّن أن الله تعالى أغير من عباده، ومن أجل غيرته حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68]

وقال ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» [متفق عليه]

وقال ﷺ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» [متفق عليه]

وقال ﷺ في خطبة الكسوف: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» [متفق عليه]

النقاط الرئيسية

  • مداخل المعاصي أربعة: اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات، وحفظها سبب لعصمة العبد من الفواحش.
  • ميزان الكلام سؤالان: هل في الكلمة ربح أخروي؟ وهل تفوت بها كلمة أربح منها؟ وأعظم الكلام ذكر الله.
  • اللسان مغرفة القلب، يُخرج ما فيه من خير أو شر، فيُستدل بالكلام على حال صاحبه.
  • الكلمة الواحدة قد تهوي بصاحبها في النار أو تحبط عمل عمره، كما في حديث من تألّى على الله.
  • للسان آفتان: الكلام بالباطل والسكوت عن الحق، وأهل الصراط المستقيم وسط بينهما.
  • النية الصالحة تحوّل المباحات من الخطوات والأعمال إلى قربات يؤجر عليها العبد.
  • الزنا من أعظم المفاسد المدمّرة للدين والدنيا والأنساب، ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش.

الفوائد والعبر

  • زِن كلامك قبل النطق به: اعرض كل كلمة على ميزان النفع الأخروي، فالكلام أسيرك ما لم تنطق به، فإذا نطقت صرت أسيره.
  • احذر من الطعن في أعراض الناس والعلماء: لا تغترّ بورعك عن المحرمات الظاهرة ثم تُطلق لسانك في أعراض المسلمين، ولا تتألَّ على الله في عباده.
  • أتبع زلات اللسان بالاستغفار والذكر: فالحسنات يذهبن السيئات، والإكثار من ذكر الله يهدم جبال السيئات.
  • استحضر النية في المباحات: في الأكل والنوم والزيارة والسعي، لتتحول عاداتك اليومية إلى عبادات تُكتب في صحيفتك.
  • احفظ المداخل تحفظ الفرج: سد أبواب النظر والفكر والكلام والخطوات المؤدية إلى الحرام، وربِّ في نفسك وأهلك الغيرة على المحارم.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات