شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (36) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس والثلاثون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يبدأ المجلس بكلام ابن القيم عن العشق وحكمه، ويفرّق بين الحلال منه والحرام. ثم ينتقل إلى أشرف موضوعات الكتاب وهو محبة الله تعالى، فهي أصل العبودية، ولأجلها خُلقت السماوات والأرض والجنة والنار.
وأهمية الموضوع أن صلاح القلب كله يقوم على محبة الله وحده. فإذا فقد القلب هذه المحبة كان فساده أعظم من فساد البدن إذا خرجت منه روحه. ولذلك أطال ابن القيم في ذكر الأسباب التي توجب على العبد أن يقدّم محبة ربه على كل محبوب. ومن هذه الأسباب إنعامه سبحانه وإحسانه، وجمال أسمائه وصفاته، وكمال غناه عن خلقه مع شدة إحسانه إليهم.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد:
- الفرق بين العشق المباح والعشق المحرم.
- حقيقة العبادة وأنها كمال الحب مع كمال الذل والخضوع.
- وجوب توحيد الله في المحبة وخطر الشرك فيها.
- أن اللذة الحقيقية في الدنيا والآخرة هي معرفة الله ومحبته والنظر إلى وجهه الكريم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: العشق، حقيقته وأقسامه وحكمه
ذكر ابن القيم أن العشق مسألة اختلف فيها الناس، فمنهم من يمدحه ومنهم من يذمه. والصواب أنه واقع في البشر لا يُنكر، وأن الحكم عليه لا يكون بالجملة، لأن الشريعة لم تأتِ بنص يحرّمه بإطلاق. وإنما يُعرف حكمه بالنظر إلى ما تعلّق به: فعشق الرجل امرأته أو أمته حلال، وعشق ما حرّمه الله حرام.
وقسّم المحرّم منه بحسب متعلَّقه. فمنه عشقٌ لِما يُمنع الوصول إليه شرعًا، كعشق المرأة المتزوجة. ومنه عشقٌ لِما يُمنع الوصول إليه قدرًا، كعشق امرأة كتب الله أن تكون لغيره، وكما وقع لبعض الناس في زوجات النبي ﷺ اللاتي حرّم الله نكاحهن من بعده. ثم ذكر الشيخ أن الناس في العشق المحرم أقسام: فمنهم من يقع فيه وهو متلذذ به، ومنهم من يقع فيه وهو متألم كاره، ومنهم من تكون فيه عنده خصلة من خصال الخير. فالعشق في ذاته لا يُحمد ولا يُذم، والمدح والذم تابعان لمتعلَّقه وأثره.
المحور الثاني: حقيقة العبادة وتوحيد الله في المحبة
ثم بيّن ابن القيم أن أعظم المحبة وأوجبها محبة الله تعالى، وأنها سرّ شهادة أن لا إله إلا الله. فالإله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع. والعبادة هي كمال الحب مع كمال الذل، ولا يصلح هذا الكمال إلا لله وحده. والله يُحَبّ لذاته من كل وجه، أما غيره فيُحَبّ تبعًا لمحبته، كمحبة الأنبياء والصالحين ومن يحبه الله.
وقد أنكر الله على من سوّى بينه وبين غيره في المحبة، وأخبر أن هذا هو الشرك الذي يقرّ أهله بضلالهم في النار. ولأجل توحيد المحبة أرسل الله رسله وأنزل كتبه، وخلق الجنة لأهله والنار للمشركين به. وفسّر الشيخ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ بأحد معنيين: أن المؤمنين أشدّ حبًّا لله من حب المشركين لأندادهم، أو أنهم أشدّ حبًّا لله من حب المشركين لله.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]
وقال سبحانه حكايةً عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98]
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54]
وبيّن أن الولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض. قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]
المحور الثالث: محبة النبي ﷺ دليل على وجوب تقديم محبة الله
استدل ابن القيم بأن النبي ﷺ أقسم أنه لا يؤمن العبد حتى يكون ﷺ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين، بل ومن نفسه التي بين جنبيه. ومحبة النبي ﷺ تابعة لمحبة الله ومتفرّعة عنها. فإذا وجب أن يُقدَّم الرسول ﷺ في المحبة على النفس والأهل، فالرب جل جلاله أولى بأن يُقدَّم في المحبة والعبادة على كل شيء.
قال رسول الله ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [متفق عليه]
وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فقال عمر: «فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي»، فقال ﷺ: «الْآنَ يَا عُمَرُ» [رواه البخاري]
وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]
المحور الرابع: الأسباب الموجبة لمحبة الله تعالى
ذكر ابن القيم أسبابًا كثيرة توجب أن تمتلئ القلوب بمحبة الله، ومنها:
- الإنعام: القلوب مفطورة على حب من أحسن إليها، ونحن نحب الوالدين والمعلمين لإحسانهم إلينا. فكيف بمن كل نعمة على العبد فهي منه وحده؟
- الجمال والكمال: للمحبة داعيان هما الجمال والإحسان، والله سبحانه له الجمال كله، والإحسان كله منه.
- الغنى التام: كل مخلوق يحبك لغرضه ومصلحته، والله يريدك لك لا لحاجة منه إليك، وقد جاء في الأثر الإلهي: «عبدي، كلٌّ يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك».
- الربح في معاملته: الحسنة عنده بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوًا بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب.
- الحلم والستر والفرح بالتوبة: يتحبب إلى عبده بالنعم وهو غني عنه، والعبد يتبغّض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه. ومع ذلك يستره ويحلم عليه ويفرح بتوبته.
- إجابة السائلين: لا يتبرّم بإلحاح الملحّين، بل يحب أن يُسأل ويغضب إذا لم يُسأل، ويستحيي من عبده حيث لا يستحيي العبد منه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53]
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]
وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» [رواه مسلم]
وفي حديث النزول الإلهي: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» [متفق عليه]
وقال ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ» [رواه مسلم]
ثم ختم ابن القيم هذا الفصل بوصف عظمة الرب سبحانه. فهو لا يُطاع إلا بإذنه، ولا يُعصى إلا بعلمه، والسرّ عنده علانية، والغيب عنده شهادة. واستشهد بقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» [رواه مسلم]
المحور الخامس: اللذة الحقيقية تابعة لكمال المحبوب وكمال المحبة
قرّر ابن القيم قاعدة عظيمة: كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب يتبع أمرين. الأول كمال المحبوب في نفسه وجماله. والثاني كمال المحبة وقوتها واستفراغ القلب فيها. وضرب لذلك مثلًا: لذة الماء البارد بقدر شدة العطش، ولذة الطعام بقدر شدة الجوع. فكلما قويت المحبة عظمت اللذة.
ثم بيّن أن اللذة ليست مذمومة في نفسها، وإنما تُذم إذا أعقبت ألمًا أعظم منها، أو منعت لذة أجلّ منها. وتُحمد إذا أعانت على اللذة الدائمة في الآخرة. ولذات الدنيا متاع ووسيلة إلى الآخرة، أما لذات الآخرة فدائمة خالصة من كل كدر. وأعظم نعيم الآخرة النظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه، وأعظم نعيم الدنيا معرفته ومحبته، وهي جنة الدنيا. ونسبة اللذات الجسدية إليها كنسبة تفلة في بحر.
وذكر ابن القيم أبياتًا للعشاق في تعظيم محبوبيهم من المخلوقين، ثم قال: إذا كان هذا حالهم في محبة فانية، فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح؟ وفقدُها على القلب أعظم من فقد العين نورها والأذن سمعها.
قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 38-39]
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]
وفي حديث صهيب رضي الله عنه في رؤية أهل الجنة ربهم: «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» [رواه مسلم]
ومن دعائه ﷺ في حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» [رواه النسائي وأحمد]
وقال تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» [متفق عليه]
ونبّه الشيخ في أثناء الشرح على ضعف بعض الأحاديث التي أوردها المصنف، ومنها حديث تجلّي الرب لأهل الجنة الذي ينسون به ما هم فيه من النعيم. ونبّه كذلك على أن الأثر الذي فيه أن الناس يوم القيامة إذا سمعوا القرآن من الرحمن كأنهم لم يسمعوه قبل ذلك لا يصح مرفوعًا.
النقاط الرئيسية
- العشق أمر واقع في البشر، ولا يُحكم عليه بالجملة، وإنما يتبع حكمه ما تعلّق به: فيكون حلالًا في الزوجة، وحرامًا فيما مُنع شرعًا أو قدرًا.
- العبادة هي كمال الحب مع كمال الذل والخضوع، ولا تصلح إلا لله وحده، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله».
- الله يُحَبّ لذاته من كل وجه، وكل محبة لغيره يجب أن تكون تابعة لمحبته، وإلا كانت شركًا في المحبة.
- إذا وجب تقديم محبة النبي ﷺ على النفس والأهل والناس أجمعين، فمحبة الله أولى بالتقديم.
- من أسباب محبة الله: نعمه التي لا تُحصى، وجمال أسمائه وصفاته، وغناه عن عباده مع إحسانه إليهم، وفرحه بتوبتهم، وستره لعيوبهم.
- اللذة والسرور يتبعان كمال المحبوب وقوة المحبة، فأعظم لذة هي لذة معرفة الله ومحبته في الدنيا والنظر إلى وجهه في الآخرة.
- لذات الدنيا متاع زائل ووسيلة، فما أعان منها على الآخرة حُمد، وما أعقب ألمًا أو فوّت نعيمًا أعظم ذُم.
الفوائد والعبر
- راجع محبوباتك: اجعل كل ما تحبه من أهل ومال وولد تابعًا لمحبة الله، ولا تقدّم شيئًا منه على أمره ونهيه.
- تأمّل نعم الله عليك: فالتفكر في إحسانه وستره وحلمه من أقوى ما يحرّك القلب إلى محبته وشكره والحياء منه.
- أكثر من الدعاء والإلحاح: فالله يحب الملحّين في الدعاء، ويغضب على من لا يسأله، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يسألني فأعطيه؟
- بادر إلى التوبة ولا تيأس: فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من صاحب الراحلة حين وجدها، والسيئة عنده بواحدة، وهي أسرع شيء محوًا.
- زِن لذاتك بميزان الآخرة: فما قرّبك من الله ومن لذة النظر إلى وجهه الكريم فاطلبه، وما أعقبك حسرة وألمًا فاتركه وإن كان لذيذًا في وقته.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات