شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (6) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,911 مشاهدة
412 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس السادس من سلسلة شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يُعرف الكتاب أيضًا باسم «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». وهو من أنفع ما كُتب في علاج أمراض القلوب، لأنه يشخّص الداء الذي يصيب العبد بسبب الذنوب والمعاصي، ثم يصف له الدواء من الكتاب والسنة.

يمضي الدرس مع الإمام ابن القيم في تقرير أصل عظيم، وهو أن الله تعالى ما أنزل داءً إلا أنزل له دواءً. ويبيّن أن أعظم الأدوية القرآن والدعاء والالتجاء الصادق إلى الله. ويفرّق بين الرجاء المحمود الذي يدفع إلى العمل، والاغترار المذموم الذي يجرّئ على المعصية ويُقعد عن التوبة.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المشاهد طريق العلاج الشرعي لأدواء القلوب، وأن يعرف شروط الانتفاع بالدعاء وموانعه، وأن يزن رجاءه بميزان الشرع حتى لا يقع في الأمن من مكر الله.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: لكل داءٍ دواء

يبني الإمام ابن القيم كتابه على قاعدة نبوية جامعة: أن الله تعالى جعل لكل داء دواءً. وهذه القاعدة تشمل أمراض الأبدان وأمراض القلوب معًا، فلا ييأس العبد من الشفاء مهما عظم ذنبه أو اشتد بلاؤه.

غير أن الشفاء موقوف على إصابة الدواء المناسب للداء. فمن عالج نفسه بغير ما شرعه الله لم ينتفع، ومن أصاب الدواء برأ بإذن الله.

قال النبي ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (رواه البخاري).
وقال ﷺ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (رواه مسلم).

المحور الثاني: القرآن شفاء للقلوب والأبدان

يقرر ابن القيم أن القرآن الكريم هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأن الانتفاع به مشروط بحسن التلقي وصدق الإيمان والإقبال عليه بالقبول.

فالقرآن يعالج أمراض الشبهات بما فيه من البيان والبرهان، ويعالج أمراض الشهوات بما فيه من الترغيب والترهيب والمواعظ.

قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].

المحور الثالث: الدعاء من أنفع الأدوية

يبيّن الإمام أن الدعاء عدو البلاء: يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله أو يخففه إذا نزل. وهو سلاح المؤمن في كل حال.

لكن للدعاء آفات تمنع ترتب أثره عليه، ومن أعظمها:

  • الاستعجال واستبطاء الإجابة.
  • ترك الدعاء والاستحسار.
  • أكل الحرام.
  • غفلة القلب عند الدعاء.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
وقال ﷺ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (متفق عليه).

المحور الرابع: الفرق بين الرجاء والاغترار

من أعظم مداخل الشيطان على العبد أن يُغرّه بسعة رحمة الله وعفوه، فيتمادى في المعصية ويؤخر التوبة. ويوضح ابن القيم أن الرجاء الصادق لا يكون إلا مع الأخذ بالأسباب والعمل الصالح. أما الرجاء مع الإصرار على المعصية وترك الطاعة فهو غرور وتمنٍّ.

فالمؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، ولا يغلّب أحدهما حتى يقع في القنوط من رحمة الله أو في الأمن من مكره.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 218].
وقال سبحانه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50].
وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99].

النقاط الرئيسية

  • ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً، والشفاء موقوف على إصابة الدواء المناسب.
  • القرآن الكريم شفاء لأمراض الشبهات والشهوات معًا لمن تلقاه بالإيمان والقبول.
  • الدعاء من أقوى الأسباب في دفع البلاء ورفعه، وهو عبادة عظيمة.
  • من موانع إجابة الدعاء: الاستعجال، وأكل الحرام، وغفلة القلب.
  • الرجاء المحمود يقترن بالعمل الصالح، وما خلا من العمل فهو غرور وتمنٍّ.
  • الواجب على المؤمن أن يجمع بين الخوف والرجاء، دون قنوط ولا أمن من مكر الله.
  • معرفة الداء أول طريق العلاج، والذنوب أصل أدواء القلوب.

الفوائد والعبر

  • لا تيأس من صلاح قلبك مهما كثرت ذنوبك، فلكل داء دواء، وباب التوبة مفتوح.
  • اجعل لنفسك وِردًا يوميًا من القرآن تقرؤه بنية الاستشفاء والتدبر.
  • ألحّ على الله في الدعاء ولا تستعجل الإجابة، وتحرَّ الحلال في مطعمك ومشربك.
  • راجع رجاءك: هل يدفعك إلى الطاعة أم يجرّئك على المعصية؟ فإن كان الثاني فهو غرور.
  • وازن بين الخوف والرجاء، فيكون الخوف زاجرًا لك عن المعصية، ويكون الرجاء حاديًا لك إلى العمل.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات