شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (22) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,184 مشاهدة
110 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والعشرون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. أُقيم المجلس بعد صلاة العشاء يوم الثلاثاء الثاني من شهر صفر سنة 1439هـ. ويتناول باب مراتب الذنوب وتفاوتها عند الله تعالى، ويبيّن لماذا كان الشرك والكبر والقول على الله بغير علم والظلم والعدوان من أكبر الكبائر.

ويقوم هذا الباب على أصل واحد، وهو أن الله خلق الخلق وأنزل الكتب وأرسل الرسل ليُعبد وحده لا شريك له وليقوم الناس بالقسط. فكل ذنب كان أشد منافاةً لهذه الغاية كان أعظم إثمًا عند الله. وبهذا الميزان يعرف المسلم ترتيب الذنوب، فيحذر أشدها خطرًا على دينه.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد خطر الشرك والتعطيل والبدعة، ويفرّق بين ضرر المبتدع وضرر العاصي. كما يبيّن عِظَم جريمة قتل النفس المعصومة، وأقوال أهل العلم في توبة القاتل وحقوق المقتول، والمعنى الصحيح للتشبيه في قوله تعالى: «فكأنما قتل الناس جميعًا».

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الشرك والكبر أعظم ما ينافي الغاية من الخلق

يقرر ابن القيم رحمه الله أن أعظم ما يُطلب من العبد هو التوحيد، أي إفراد الله بالعبودية. ولذلك كان ضدّه، وهو الشرك، أكبر الكبائر وأعظم المنهيات. فما أرسل الله الرسل ولا أنزل الكتب إلا ليُعبد وحده لا شريك له، والشرك والكبر يناقضان هذا المقصد.

ولذلك حرّم الله الجنة على أهل الشرك والكبر. والكبر كما فسّره النبي ﷺ هو ردّ الحق واحتقار الناس.

قال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ... الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (رواه مسلم).

المحور الثاني: القول على الله بغير علم وخطر التعطيل

القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه من أعظم المفاسد. وقد نبّه الشيخ إلى صور معاصرة منه، منها:

  • إنكار أن غزوة بدر كانت حربًا عقدية بين الإسلام والكفر.
  • القول بأن من نصّ القرآن على أنه من أهل النار، كأبي لهب، قد يدخل الجنة.
  • وصف من يُشرك بالله بأنه شهيد.

ويقرر ابن القيم أن تعطيل صفات الكمال عن الله أقبح من الشرك إذا صدر عن علم وعناد. فالمشرك الذي يُقرّ بصفات الرب خير من المعطّل الذي يجحدها. والتعطيل هو «الداء العُضال الذي لا دواء له»، ولهذا كان فرعون إمام المعطّلة.

قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 169).
وقال تعالى عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ۝ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (غافر: 36-37).

المحور الثالث: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية

البدع المُضلّة جهل بصفات الله وتكذيب بما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله ﷺ، فهي من أكبر الكبائر وإن لم تبلغ الكفر. وفرّق الشيخ بين نوعين من البدع:

  • البدع المكفّرة: وهي التي يُحكم على صاحبها بالكفر بشروطه، وهي أعظم عند الله.
  • البدع المضلّلة: وهي دون الكفر، وصاحبها ضالّ.

ونُقل عن سفيان الثوري رحمه الله أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يُتاب منها والبدعة لا يُتاب منها. فالعاصي يعلم أنه عاصٍ، أما المبتدع فيتعبّد الله ببدعته ويحسب أنه يُحسن صنعًا. وقال إبليس: «أهلكتُ بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء».

وضرر العاصي على نفسه، أما ضرر المبتدع فيتعدّى إلى غيره. ففتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة العاصي في الشهوة. والمبتدع يقعد للناس على الصراط المستقيم فيصدّهم عنه، ويطعن في أوصاف الرب وكماله، ويناقض ما جاء به الرسول ﷺ.

المحور الرابع: الظلم والعدوان وعِظَم جريمة القتل

الظلم والعدوان يناقضان العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فهما من أكبر الكبائر، وتتفاوت درجاتهما بحسب مفسدتهما. ومن أقبح صور القتل:

  • قتل الوالد ولده خشية أن يشاركه في طعامه.
  • قتل الولد أبويه.
  • قتل ذي الرحم.

وأشد الناس عذابًا يوم القيامة من قتل نبيًّا أو قتله نبي، ثم يليه من قتل إمامًا عادلًا أو عالمًا يأمر الناس بالقسط.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 93).

المحور الخامس: توبة القاتل وحقوق القتل، ومعنى «فكأنما قتل الناس جميعًا»

لا خلاف في أن الكافر إذا قتل ثم أسلم فإن إسلامه يمنع من نفاذ وعيد الخلود في النار. أما توبة القاتل المسلم ففيها قولان للسلف والخلف:

  • ابن عباس رضي الله عنهما ومن تابعه يرون أنه لا توبة للقاتل.
  • جمهور العلماء يرون أن باب التوبة مفتوح، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ (البروج: 10)، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: 53).

والتحقيق أن القتل تتعلق به ثلاثة حقوق:

  • حق الله: يسقط بالتوبة النصوح.
  • حق الوليّ: يسقط بالاستيفاء أو الصلح أو العفو.
  • حق المقتول: يعوّضه الله عنه يوم القيامة من عنده لعبده التائب، فلا يضيع حق المقتول ولا تبطل توبة القاتل.

ونقل ابن القيم تفصيل شيخه ابن تيمية في المال المظلوم: إن كان المورِّث قد تمكّن من أخذ ماله ولم يأخذه حتى مات، صارت المطالبة به في الآخرة للوارث. وإن حيل بينه وبين ماله ظلمًا، فالمطالبة به له هو في الآخرة. وقال ابن القيم إن هذا التفصيل من أحسن ما يقال. ومن اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة، وإن كان قضيبًا من أراك.

وأما قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، فالتشبيه فيه لا يقتضي التساوي في جميع الأحكام ولا في مقدار الإثم. ونظيره:

  • قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (النازعات: 46).
  • قوله ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» (رواه مسلم).
  • قوله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (رواه مسلم).
  • إخباره ﷺ بأن «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» تعدل ثلث القرآن.

ووجوه التشبيه بين قاتل النفس الواحدة وقاتل الناس جميعًا ثلاثة:

  • كلاهما عاصٍ لله ومتعرّض لغضبه ولعنته والخلود في النار، مع تفاوت دركات العذاب.
  • كلاهما يستحق إزهاق نفسه.
  • كلاهما تجرّأ على سفك الدم الحرام، فمن قتل نفسًا بلا حق صار عدوًّا للنوع الإنساني كله.

النقاط الرئيسية

  • تُقاس الذنوب بمقدار منافاتها للتوحيد والعدل، وهما الغاية من الخلق وإرسال الرسل.
  • الشرك والكبر أكبر الكبائر، وقد حرّم الله الجنة على أهلهما، والكبر بطر الحق وغمط الناس.
  • القول على الله بغير علم وتعطيل صفاته متلازمان مع الشرك، والتعطيل عن علم وعناد أقبح من الشرك.
  • البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المبتدع يتعبّد ببدعته فلا يتوب منها، وضرره يتعدّى إلى غيره.
  • قتل النفس المعصومة من أعظم الظلم، وأشده قتل الأنبياء والعلماء الآمرين بالقسط ثم قتل الأقارب.
  • تتعلق بالقتل ثلاثة حقوق: حق الله، وحق الوليّ، وحق المقتول، والتوبة لا تُضيّع حق المقتول.
  • التشبيه في النصوص الشرعية لا يقتضي المساواة من كل وجه.

الفوائد والعبر

  • أن يجعل المسلم التوحيد أعظم همّه، ويتعلّم أسماء الله وصفاته على منهج السلف حتى يسلم من الشرك والتعطيل.
  • أن يحذر الفتوى والكلام في دين الله بغير علم، فهو من أعظم المحرمات وأخطرها على الأمة.
  • أن يتمسّك بالسنة ويحذر البدع والأهواء، ويبادر إلى التوبة من المعاصي ولا يستهين بها.
  • أن يعظّم حرمة الدماء والأموال والحقوق، ويردّ المظالم إلى أهلها في الدنيا قبل أن يُطالَب بها يوم القيامة.
  • ألّا يقنط العاصي من رحمة الله مهما عظم ذنبه، فباب التوبة مفتوح، والله يعوّض المظلوم عن التائب الصادق.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات