شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (34) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يكمل الإمام ابن القيم في هذا المجلس كلامه عن مفاسد العشق المحرم وآفاته، ويبيّن أن ضرره لا يقف عند العاشق، بل يصيب المعشوق وأهله وأهل العاشق، ويصل إلى المجتمع كله. فالعشق المحرم يجرّ إلى ظلم كثير، وتعاونٍ على الإثم والعدوان، وقد يوصل صاحبه إلى الكفر الصريح والعياذ بالله.
وتظهر أهمية هذا الدرس في أن الشيخ يربط كلام الإمام بواقع الناس اليوم، كانتشار وسائل التواصل التي فتحت أبواب الفتنة بين الرجال والنساء، وكثرة التخبيب بين الأزواج، والطعن في الأعراض، واللجوء إلى السحرة لسحر المحبة والتفريق. فالحاجة كبيرة إلى معرفة هذه المفاسد والحذر منها.
ومن أهداف هذا المجلس: أن يعرف المشاهد أنواع الظلم التي يجرّها العشق المحرم، وأن يدرك خطورة الخوض في الأعراض وتصديق الإشاعات، وأن يعرف حكم التخبيب والدياثة والوساطة في الفاحشة، وأن يعرف عِظَم حق الجار وحرمة نساء المجاهدين والغائبين، وأن يأخذ بأسباب العفة وصيانة الأسرة المسلمة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: علاج العشق بالنكاح، وظلم العاشق للمعشوق وأهله بالتشهير
يبدأ الدرس بأن العلاج الشرعي لتعلق القلب هو النكاح الحلال إن أمكن ولم يمنع منه مانع من الشرع أو القدر. ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تزويج المتحابَّين. أما العاشق المتهتك فإنه يظلم معشوقه وأهله، فيُشهِّر به بين الناس، ويتكلم في عرضه، ويتبجّح بأنه نال منه ما يريد، فيصدّقه أكثر الناس بلا بيّنة.
ويقرر الإمام أن أكثر الناس يصدّقون في هذا الباب أدنى شبهة. فإذا قيل: فلان فعل بفلانة، أسرعوا إلى التصديق، مع أن خبر العاشق المتهتك لا يفيد علمًا ولا يقينًا. بل لو أخبر عن نفسه بذلك لكان في الغالب كاذبًا مفتريًا، ولو رآهما الناس مجتمعين لم يجز لهم الجزم بوقوع الفاحشة.
ويضرب الشيخ مثلًا بحادثة الإفك، حين خاض المنافقون في عرض الصدّيقة بنت الصدّيق عائشة رضي الله عنها، المبرّأة من فوق سبع سماوات، وتابعهم بعض المسلمين حتى هلك من هلك. فإذا كانت هذه حال أطهر النساء، فكيف بغيرها؟ ويبيّن أن هذا الظلم لا يسقط بالتوبة من الفاحشة وحدها، لأن حقوق العباد تبقى ويطالبون بها يوم القيامة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ» (رواه ابن ماجه).
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23].
المحور الثاني: الدَّيُّوث والواسطة في الفاحشة، وجريمة التخبيب
إذا استعان العاشق على وصاله بمن يستميل المعشوق له برغبة أو رهبة، صار هذا الوسيط ظالمًا شريكًا في الإثم، واستحق وصف الدياثة. ويستدل الإمام ابن القيم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الوسيط في الرشوة، فكيف بالوسيط بين العاشق والمعشوق في الفاحشة؟ فهو أولى باللعن والذم.
ومن أعظم صور هذا الظلم: التخبيب، وهو إفساد المرأة على زوجها والخادم على سيده. ويحذّر الشيخ من صوره المنتشرة في بيوت الناس، كأن تقول المرأة لصديقتها: لماذا لا يشتري لكِ زوجكِ كذا؟ أنتِ تستحقين أفضل منه. فتزرع في قلبها السخط على زوجها حتى يخرب البيت، وأشد من ذلك أن يكون التخبيب ليتمكن غير الزوج منها.
ويستدل الإمام بقياس الأولى: إذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، وأن يبيع على بيعه، وأن يسوم على سومه، فكيف بمن يسعى في التفريق بين الرجل وزوجته؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا» (رواه أبو داود).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» (رواه أبو داود والترمذي)، وجاءت زيادة «وَالرَّائِشَ» وهو الوسيط بينهما في بعض الروايات.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» (متفق عليه).
المحور الثالث: ظلم الزوج والجار والمجاهد في أهله
يقرر الإمام أن من أعظم الظلم أن يكون المعشوق امرأة متزوجة. فإفساد الزوجة على زوجها والجناية على فراشه أعظم عنده من أخذ ماله، وقد يكون أشد عليه من القتل. ويذكر الشيخ أن هذا البلاء انتشر في زماننا، خاصة عبر الهواتف ووسائل التواصل، حيث تبدأ الفتنة بتحية وكلام لطيف ثم تنتهي بما لا تُحمد عاقبته.
ويتضاعف الإثم إذا كان الزوج غائبًا في سبيل الله، أو كان جارًا أو ذا رحم. فيجتمع على العاشق ظلم الزوج، وإيذاء الجار، وقطيعة الرحم. وحق الجار من آكد الحقوق، فإن لم يفعل الفاحشة بنفسه ورضي بها كان شريكًا في الإثم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلَّا وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟» (رواه مسلم).
ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن أعظم الذنب قال في آخره: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» (متفق عليه).
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (رواه مسلم).
المحور الرابع: تعاون العاشق والمعشوق على الإثم والعدوان، وسحر المحبة
يبيّن الإمام أن العاشق والمعشوق يتعاونان في الغالب على الظلم. فكل واحد منهما له أغراض يريد من الآخر أن يعينه عليها، فيقع العدوان على الناس في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم. وقد يصل الأمر إلى السرقة والخيانة واليمين الكاذبة وقطع الطريق، بل إلى قتل النفس البريئة، ليحصّل العاشق مالًا يتقرب به إلى معشوقه.
ويحذّر الشيخ من ذهاب بعض الناس إلى السحرة والشياطين لعمل «سحر المحبة» أو «سحر التفريق»، ويبيّن أن هذا من الكفر وكبائر الذنوب، وأنه من صور التعاون على الإثم الذي نهى الله عنه.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
المحور الخامس: العشق طريق إلى الكفر، وظلم المعشوق للعاشق
من أخطر عواقب العشق أنه قد يحمل صاحبه على الكفر الصريح. ويذكر الإمام قصة المؤذن التي رواها عبد الحق الإشبيلي في كتاب «العاقبة». فقد صعد المنارة فرأى امرأة نصرانية جميلة ففُتن بها، ونزل يراودها، فأبت إلا أن يدخل في دينها، فتنصّر. ثم صعد إلى سطح ليصل إليها فسقط فمات على غير الإسلام، ولم ينل منها شيئًا. ويذكر أيضًا أن بعض أهل الباطل يستعملون المرأة الجميلة وسيلةً لفتنة المسلم عن دينه.
ثم يبيّن الإمام أن المعشوق قد يظلم العاشق أيضًا، فيُطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله حتى يأخذ ماله ومنافعه، ثم لا يمكّنه من وصاله فيعرّضه للتلف. وكم أزال العشق من نعمة، وأفقر من غني، وأسقط من مرتبة، وشتّت من شمل، وأفسد من أهل على رجل. فإن المرأة إذا رأت زوجها عاشقًا لغيرها اتخذت هي معشوقًا لنفسها، فيخرب البيت وتتفرق الأسرة.
ويختم الإمام بأن أصل البلاء النظر. فلو لا تكرار النظر إلى وجه المعشوق والطمع في وصاله لما تمكّن العشق من القلب، ولهذا كان غض البصر أول الدواء.
قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30].
النقاط الرئيسية
- النكاح الحلال هو العلاج الشرعي لتعلق القلب إن أمكن، ولا يُشرع للمتحابَّين غيره.
- العاشق المتهتك يظلم المعشوق وأهله بالتشهير، ولا يجوز تصديق خبره، ولا الجزم بالفاحشة بالظن والشبهة.
- الوسيط بين العاشق والمعشوق ديوث ملعون، وإذا لُعن الوسيط في الرشوة فهو أولى باللعن.
- التخبيب، وهو إفساد المرأة على زوجها، من كبائر الذنوب، وقد تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم.
- الجناية على فراش الزوج أعظم من أخذ ماله، وتتضاعف إذا كان الزوج جارًا أو ذا رحم أو غائبًا في سبيل الله.
- العشق يجرّ إلى التعاون على الإثم، كالسرقة والقتل وسحر المحبة، وقد يوصل إلى الكفر الصريح، كما في قصة المؤذن.
- أصل الداء تكرار النظر، وأول الدواء غض البصر.
الفوائد والعبر
- حفظ اللسان عن الخوض في أعراض المسلمين، وعدم نقل الإشاعات أو تصديقها بلا بيّنة، والاعتبار بحادثة الإفك.
- الحذر من كلمات التخبيب في المجالس، كأن يقال لامرأة: «زوجك لا يستحقك»، والسعي بدلًا من ذلك في الإصلاح بين الأزواج.
- الحذر من فتنة الهواتف ووسائل التواصل، وإغلاق أبواب الحديث بين الرجال والنساء الأجانب من أولها.
- رعاية حق الجار وحفظ أهل الغائب، واستشعار أن الخيانة فيهم يقتصّ لها صاحبها من الحسنات يوم القيامة.
- الاعتصام بالله، ولزوم غض البصر وسؤال الله العفة وحسن الخاتمة، والبعد عن السحرة والمشعوذين.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات