شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (17) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,308 مشاهدة
23 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السابع عشر من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس فصلًا مهمًّا هو «عقوبات الذنوب». فالمعاصي من أسباب هلاك الأمم، ومن أسباب نزول البلاء وزوال النعم. وعقوباتها نوعان: عقوبات شرعية شرعها الله في كتابه وسنة نبيه ﷺ، وعقوبات قدرية يُقدِّرها الله على العباد بسبب ذنوبهم.

ويبيّن الشيخ العلاقة بين النوعين، فإقامة الحدود رحمة بالأمة وسبب لرفع البلاء، وتعطيلها يحوّل العقوبة إلى عقوبة قدرية قد تعمّ الناس جميعًا. ثم يعرض حكمة التشريع الإسلامي في ترتيب العقوبات على قدر المفاسد، فيشرح الحدود والكفارات والتعزيرات، ويختم بعقوبات القلوب والأبدان، وبأن أصل الشر كله يرجع إلى شر النفس وسيئات الأعمال.

أهداف الدرس: أن يفهم المتعلم الفرق بين العقوبات الشرعية والقدرية، وأن يدرك حكمة الشريعة في مقادير العقوبات، وأن يعرف مراتب الذنوب وأن الذنب يتفاوت بحسب ما يقترن به، وأن يستحضر خطورة المعاصي على القلب والبدن فيبادر إلى التوبة والاستعاذة من شر النفس.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: العقوبات الشرعية والعقوبات القدرية والعلاقة بينهما

يقرر ابن القيم رحمه الله أن عقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية. فالشرعية هي الحدود التي شرعها الله، كجلد الزاني أو رجمه، وقطع يد السارق، وجلد القاذف، وقتل القاتل قصاصًا. والقدرية هي ما يقدّره الله من البلاء بسبب الذنوب، كزوال النعم وحلول النقم وتسلّط الأعداء.

وإذا أُقيمت العقوبات الشرعية رُفعت العقوبات القدرية أو خُفّفت. ولذلك فإن ما يزعمه بعض الناس من أن الحدود قسوة أو وحشية باطل، بل إقامتها من نعم الله على الأمة. وقلّما يجمع الله على العبد بين العقوبتين، إلا إذا لم تكفِ العقوبة الشرعية في إزالة موجب الذنب، كأن يُقام الحد على العاصي دون أن يتوب توبة صادقة، فتنزل به بعد ذلك عقوبة قدرية من مصيبة أو مرض أو غيرهما.

أما إذا عُطّلت العقوبات الشرعية فإنها تستحيل قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، لكنها تعمّ والشرعية تخصّ. فالرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعًا إلا من باشر الجناية أو تسبّب فيها، أما العقوبة القدرية فتقع عامة وخاصة. والمعصية إذا خفيت لم تضرّ إلا صاحبها، وإذا أُعلنت ضرّت الخاصة والعامة. وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمّهم الله بعقابه. ولهذا ذكّر الشيخ بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لرفع العذاب عن الأمة كلها.

قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25]

المحور الثاني: حكمة الشريعة في الحدود ومراتب الذنوب العظيمة

جعل الله سبحانه العقوبات الشرعية على قدر المفاسد، وجعلها ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد. فجعل القتل في مقابل الكفر وما يليه في المفسدة، كالزنا واللواط، لأن الكفر يفسد الأديان، والزنا يفسد الأنساب. وقال الإمام أحمد رحمه الله: «لا أعلم بعد القتل ذنبًا أعظم من الزنا».

واستدل الإمام أحمد بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وبيّن ابن القيم أن النبي ﷺ ذكر في جوابه أعلى كل نوع من الذنوب: فأعظم الشرك أن يجعل العبد لله ندًّا، وأعظم القتل أن يقتل ولده خشية أن يطعم معه، وأعظم الزنا أن يزني بحليلة جاره.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68] (متفق عليه)

وجعل الله القطع في مقابل إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه. فالسارق يأخذ المال خفية، فيكسر الأقفال وينقب الجدران ويتسوّر البيوت، فلا ترتفع مفسدته بالجلد، فكان القطع أبلغ في ردعه. وجعل الجلد في مقابل إفساد العقول بالخمر والمخدرات، وتمزيق الأعراض بالقذف. ونبّه الشيخ إلى ما يجرّه انتشار المخدرات اليوم من فساد للشباب.

المحور الثالث: تفاوت الذنب الواحد بحسب ما يقترن به

يبيّن ابن القيم أن الذنب الواحد تتضاعف مفسدته بحسب ملابساته. فالزنا كله حرام، لكن الزنا بالمرأة ذات الزوج أعظم إثمًا من الزنا بمن لا زوج لها، لما فيه من انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه وإلحاق نسب به ليس منه. فإن كان الزوج جارًا انضاف إلى ذلك سوء الجوار، لأن الجيران قد يتساهلون في الدخول على بعضهم.

قال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (رواه مسلم). والبوائق: الغوائل والشرور.

فإن كان الجار أخًا أو قريبًا انضاف إلى ذلك قطيعة الرحم. وقد قال ﷺ لما سُئل عن الحمو: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ». وإن كان الجار غائبًا في طاعة الله، كالصلاة وطلب العلم والجهاد، تضاعف الإثم. فإن الزاني بامرأة المجاهد يُوقف له يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء، كما في صحيح مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه: «فَمَا ظَنُّكُمْ؟». أي: فما ظنكم أنه يترك له من حسناته؟

وإن كان الزنا إكراهًا كان الإثم أعظم. وإن كان الزاني شيخًا كان أعظم، فهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وإن اقترن بذلك شهر حرام أو بلد حرام أو وقت معظّم عند الله، كأوقات الصلاة، تضاعف الإثم كذلك. ويقاس على هذا سائر الذنوب، فالسرقة من الجار أو من الوالد أعظم من السرقة من البعيد، وقتل القريب أعظم من قتل البعيد.

قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» (رواه مسلم)

المحور الرابع: الكفارات والتعزيرات وأحكام اجتماعها

رتّب الله الكفارات على ثلاثة أنواع: العتق والإطعام والصيام. وجعل الذنوب ثلاثة أقسام:

  • قسم فيه الحد: وهذا لم يشرع فيه كفارة اكتفاءً بالحد.
  • قسم لم يرتّب عليه حد وشُرعت فيه الكفارة: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، والظهار، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين.
  • قسم لا حد فيه ولا كفارة: وفيه التعزير.

والقسم الثالث نوعان: ما كان الوازع عنه طبيعيًّا، كأكل العذرة وشرب البول والدم، فالنفس تنفر منه بطبعها. وما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رُتّب عليه الحد، كتقبيل المرأة الأجنبية ولمسها، وسرقة ما دون النصاب.

وشُرعت الكفارة في ثلاثة أنواع:

  • ما كان مباحًا في أصله ثم عرض له التحريم: كالجماع في الإحرام وفي نهار الصيام، فهو مباح في غيرهما. ومثله الوطء في الحيض والنفاس، فتحريمه عارض، بخلاف الوطء في الدبر فهو محرّم لذاته. ولهذا قال بعض الفقهاء بالكفارة في الوطء في الحيض.
  • ما عقده العبد لله من نذر، أو بالله من يمين، أو حرّمه على نفسه: فجعل الله الكفارة تحلّة لما عقده.
  • ما يكون جابرًا لما فات: ككفارة قتل الخطأ، وجزاء الصيد خطأً.

قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]
وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]

والكفارة ليست ماحية للإثم في كل حال، فإن الحنث قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا. فالكفارات إذن ثلاثة أبواب: الأول من باب الزواجر، والثاني من باب التحلّة، والثالث من باب الجوابر، كسجود السهو الذي يجبر النقص في الصلاة.

ومن القواعد المقررة: لا يجتمع الحد والتعزير في معصية واحدة، ولا يجتمع الحد والكفارة، فكل معصية فيها حد لا كفارة فيها. أما اجتماع التعزير والكفارة في المعصية التي لا حد فيها ففيه وجهان عند أهل العلم.

المحور الخامس: العقوبات القدرية على القلوب والأبدان، وأصل الشر كله

العقوبات القدرية نوعان: نوع يقع على القلوب والنفوس، ونوع يقع على الأبدان والأموال. وعقوبة القلوب نوعان أيضًا. الأول آلام وأمراض يُضرب بها القلب، كالران، فلا يرى صاحبه المنكر منكرًا ولا المعروف معروفًا. والثاني انقطاع المواد التي بها حياته وصلاحه، فيُحرم الصلاة والصيام والذكر والطاعة، فيحصل له ضدها.

وعقوبة القلب أشد العقوبات، وهي أصل عقوبة الأبدان. وهي تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن، كما يسري ألم البدن إلى القلب. فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقًا بها، فظهرت عقوبة القلب حينئذ ظهورًا تامًّا، وهذا هو عذاب القبر. وأما عقوبات الأبدان فنوع في الدنيا ونوع في الآخرة، وشدتها ودوامها بحسب مفسدة ما رُتّبت عليه.

ويقرر ابن القيم أنه ليس في الدنيا والآخرة شر أصلًا إلا الذنوب وعقوباتها. وأصل ذلك كله من شر النفس وسيئات الأعمال، وهما الأصلان اللذان كان النبي ﷺ يستعيذ منهما في خطبة الحاجة. وسيئات الأعمال من ثمرات شر النفس وفروعها، فعاد الشر كله إلى شر النفس. وفي معنى «سيئات الأعمال» قولان: أنها الأعمال السيئة، أو عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها. ويرجّح هذا القول الثاني أن الاستعاذة تكون حينئذ متضمنة لجميع الشر، فشرور الأنفس تستلزم الأعمال السيئة، والأعمال السيئة تستلزم العقوبات السيئة.

من خطبة الحاجة: «وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا»
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]

النقاط الرئيسية

  • عقوبات الذنوب نوعان: شرعية كالحدود، وقدرية يقدّرها الله من البلاء وزوال النعم.
  • إقامة الحدود ترفع العقوبات القدرية أو تخففها، وتعطيلها يحوّلها إلى عقوبات قدرية عامة قد تكون أشد.
  • المعصية الخفية تضر صاحبها، والمعلنة تضر العامة والخاصة إذا تُرك إنكارها.
  • جعل الله الحدود على قدر المفاسد: القتل للكفر والزنا واللواط، والقطع للسرقة، والجلد للخمر والقذف.
  • الذنب الواحد تتضاعف مفسدته بحسب ما يقترن به، كالزنا بحليلة الجار أو القريب أو امرأة المجاهد، أو في زمان أو مكان معظّم.
  • الكفارات ثلاثة أبواب: زواجر، وتحلّة لما عقده العبد، وجوابر للخطأ. ولا يجتمع الحد مع التعزير ولا مع الكفارة.
  • عقوبة القلب أشد العقوبات وأصلها، والشر كله يرجع إلى شر النفس وسيئات الأعمال.

الفوائد والعبر

  • الثقة بحكمة الشريعة: الحدود رحمة بالمجتمع وحماية للدين والعرض والمال والعقل، وليست قسوة كما يزعم المشككون.
  • القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فهو سبب لرفع العذاب العام عن الأمة، والسكوت عن المنكر المعلن يوشك أن يعمّ الله الجميع بعقابه.
  • تعظيم حقوق الجار والأرحام: فالاعتداء عليهم يضاعف الإثم، وعلى المسلم أن يكون مأمون الجانب لا يخشى جاره بوائقه.
  • تفقّد القلب ومراقبته: من علامات عقوبة الذنب أن يُحرم العبد لذة الطاعة، أو يصبح لا يرى المنكر منكرًا، فليبادر إلى التوبة قبل أن يسري الداء إلى بدنه وآخرته.
  • ملازمة الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال: فهي استعاذة جامعة من أصل الشر كله ومن عواقبه، مع مجاهدة النفس الأمارة بالسوء.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات