شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (35) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس والثلاثون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يكمل الشيخ في هذا الدرس كلام الإمام عن العشق وما يجرّه على القلب. ويقف عند جانب مضيء منه، وهو العفة عند العشق، فيذكر أخبار من ابتُلوا بحب الصور ثم غلبوا الهوى بخوف الله وتقواه، فكانت عفتهم مثالًا لمن بعدهم.
والموضوع مهم لأن داء العشق يتسلل إلى القلوب من باب النظر والخواطر، حتى يملك على صاحبه أمره. ويعرض ابن القيم أخبار السلف والعلماء والخلفاء الذين ملكوا أنفسهم وقت الشهوة، ليبيّن أن الهوى يمكن أن يُغلب، وأن ترك الحرام لوجه الله يورث القلب حلاوة الإيمان وعزة النفس.
وأهداف هذا المجلس: أن يعرف المشاهد خطر إطلاق النظر وتتبّع الخواطر، وأن يقتدي بأهل العفة في نهي النفس عن الهوى، وأن يفهم كيف عالج العرب والمسلمون هذا الأمر بالغيرة وحفظ الأعراض. كما ينبّه الشيخ إلى ما أصاب الناس في هذا الزمان من ضعف الغيرة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: عفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله مع جارية فاطمة بنت عبد الملك
يذكر ابن القيم خبر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز. كان معجبًا بجارية بارعة الجمال عند زوجته فاطمة بنت عبد الملك، فطلبها منها فأبت. فلما ولي الخلافة زيّنتها فاطمة وأهدتها إليه طيبة بذلك نفسها، ففرح بها فرحًا ظاهرًا.
لكنه قبل أن يقربها سألها عن أصلها. فأخبرته أنها كانت لعامل من عمال الحجاج على الكوفة، وأن هذا العامل هلك وعليه أموال لبيت المال، فأُخذت في ذلك. فكتب عمر إلى عامله يتحرّى الأمر ويرفع إليه ما يخص ورثة ذلك الرجل، ثم أمر بالجارية فأُعيدت إلى ورثته تورعًا. فقالت له: فأين ما كنت تجد بي؟ فقال: إنه على حاله، بل زاد.
ويبيّن الشيخ أن عمر فعل ذلك وهو قادر على ما يريد ونفسه متعلقة بها، فقدّم الورع وحق الناس على هوى نفسه. وهذا عين نهي النفس عن الهوى الذي مدحه الله تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]
المحور الثاني: خبر أبي بكر محمد بن داود الظاهري وخطر النظر
ثم يذكر ابن القيم خبر أبي بكر محمد بن داود بن علي الظاهري، العالم المتفنن في الفقه والحديث والأدب، صاحب كتاب «الزهرة». ابتُلي بالعشق فعفّ ولم يقع في الحرام. ودخل عليه بعض أصحابه في مرض موته فسأله عن حاله، فأخبره أن ما به كان سببه النظر. وذكر أنه لم يزد على النظر المباح، ومع ذلك أوصله النظر المكرر إلى ما أوصله إليه.
ويستفيد الشيخ من الخبر أن النظر بريد القلب، وأن من أطلق بصره، ولو فيما يظنه مباحًا، قد يجد قلبه أسيرًا للمنظور إليه. ولذلك أمر الله بغض البصر حفظًا للقلب قبل الفرج:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30]
وذكر الشيخ كذلك المناظرة المشهورة بين ابن داود وأبي العباس بن سريج، شيخ الشافعية في وقته، بحضرة الوزير. وفيها أبيات ابن داود في منع النفس عن الحرام مع تعلّقها بالمحبوب، وردّ ابن سريج عليه بأبيات مثلها. ويظهر من المناظرة ما كان عليه العلماء من سعة الأدب والفقه وحسن المحاورة.
المحور الثالث: الفتاوى المنظومة في مسائل العشق وأجوبة العلماء
يعرض الشيخ نماذج من أسئلة رُفعت إلى العلماء شعرًا وأجابوا عنها شعرًا على الوزن نفسه. من ذلك سؤال عن العاشق المبتلى، هل عليه إثم فيما يجده من الوجد. ومن ذلك سؤال رُفع إلى أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، شيخ الحنابلة، عن رجل ترك الصلاة والعبادة افتتانًا بامرأة ذات جمال. فكان جواب الشيخ أن من فتنته امرأة حتى قطع عبادته فقد عصى، وأن الحسن لا يبيح المعصية.
وذكر جواب شهاب الدين محمود بن سلمان، صاحب ديوان الإنشاء وكاتب الرسائل المعروف، من أهل القرن الثامن الهجري. وخلاصة هذه الأجوبة أن المبتلى إذا عفّ وصبر وكتم ولم يتعدَّ حدود الله رُجي له الأجر، وأن من قاده الهوى إلى ترك الفرائض أو اقتراف المحرمات فهو آثم مستحق للعقوبة.
وتدل هذه الأخبار على أن العلماء كانوا يعالجون أدواء القلوب بالعلم والحكمة، ويخاطبون الناس بما يفهمون من الشعر والأدب، دون أن يتنازلوا عن حكم الشرع.
المحور الرابع: خبر عبد الله بن معمر القيسي في المدينة
ويذكر ابن القيم خبر عبد الله بن معمر القيسي. خرج إلى المدينة النبوية، وكان ليلةً في المسجد بين القبر والمنبر، فسمع رجلًا ينشد أبياتًا في الوجد والسهر والشوق. ونبّه الشيخ هنا إلى أن الأولى أن يكون شدّ الرحال لزيارة المسجد النبوي، ثم يُسلَّم على رسول الله ﷺ تبعًا لذلك.
ثم ذكر الشيخ تفاصيل الخبر وما فيه من أحوال العشاق وما يعانونه من ألم الفراق والحنين. ومقصود ابن القيم من إيراد هذه الأخبار أن يكشف للقارئ ما يصنعه العشق بأصحابه من سهر وذهاب عقل وانشغال عن مصالح الدين والدنيا، حتى يحذر من أسبابه.
المحور الخامس: غيرة العرب على الأعراض وفطنة الفتاة العربية
يختم الشيخ بقصة رجل من العرب جاءه قوم يخطبون ابنته، وكان قد بلغه أنها ذُكرت مع رجل بعينه. فدخل عليها مغضبًا وأخبرها، فأشارت عليه برأي حكيم: أن يطلب منهم مهرًا عظيمًا لا يقدرون عليه، فيكون الرفض منهم ولا يُجرح أحد. فلما طلب ذلك قبلوا ودفعوا ما طلب، وجُهّزت الفتاة جهازًا عظيمًا.
ويقارن الشيخ بين غيرة العرب في الجاهلية والإسلام على أعراضهم، وبين ما صار إليه كثير من الناس اليوم من ضعف الغيرة والدياثة، حتى يرضى بعضهم بالمنكر في أهله ولا ينكره. وهذا من أعظم البلاء، فقد جاء الوعيد الشديد في حق الديوث:
قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ» [رواه النسائي وأحمد]
النقاط الرئيسية
- العفة عند القدرة من أعلى مراتب التقوى، وقصة عمر بن عبد العزيز مع الجارية شاهد على ذلك.
- نهي النفس عن الهوى سبيل إلى الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾.
- النظر بريد العشق، وتكراره ولو كان في أصله مباحًا قد يوقع القلب في الأسر، كما في خبر محمد بن داود الظاهري.
- عالج العلماء مسائل القلوب بالعلم والأدب، وأجابوا عن الفتاوى المنظومة بأجوبة منظومة ثابتة على حكم الشرع.
- من قاده العشق إلى ترك العبادة والفرائض فهو عاصٍ، والجمال لا يبيح المعصية.
- الأصل في شد الرحال إلى المدينة أن يكون لزيارة المسجد النبوي، ثم يكون السلام على النبي ﷺ تبعًا لذلك.
- الغيرة على الأعراض من شيم العرب وأخلاق الإسلام، والدياثة من الكبائر التي فشت في هذا الزمان.
الفوائد والعبر
- احفظ بصرك فهو أول طريق النجاة، ولا تستهن بالنظرة المتكررة ولو ظننتها بريئة.
- قدّم الورع وحقوق الناس على شهوة نفسك، فمن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه.
- عالج خواطر القلب مبكرًا بالدعاء والانشغال بالطاعة قبل أن تصير عشقًا يملك صاحبه.
- أحيِ الغيرة في بيتك وصُن أهلك، فهي من الإيمان وحماية للأسرة والمجتمع.
- خذ بالحكمة في معالجة المواقف الحرجة كما فعلت الفتاة العربية، فيُحفظ الشرع ولا تُجرح الكرامة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات