شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (37والأخير) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع والثلاثون والأخير من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يختم فيه الشيخ الكتاب بالكلام على أعظم أنواع المحبة وأنفعها، وهي محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة كلامه سبحانه. ثم يبيّن المحبة المباحة المحمودة، وهي محبة الرجل لزوجته، ويفرّق بينها وبين أنواع العشق المذموم المحرّم.
وتظهر أهمية هذا المجلس في أنه يضع الميزان الذي توزن به محابّ القلوب، فيعرف المسلم ما يُحمد منها وما يُذم. فالمحبة أصل كل عمل، ولا يصلح القلب إلا إذا كانت محبة الله ورسوله فوق كل محبة. كما يعالج الإمام ابن القيم في هذا الموضع داء العشق المحرم، ويذكر دواءه الشرعي، ويضرب لذلك الأمثلة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخبار الصحابة والسلف.
ومن أهداف هذا الدرس: أن يعرف المشاهد علامات محبة الله الصادقة، وأن يقيس محبته للقرآن بحال قلبه عند سماعه، وأن يعرف أن الشريعة جاءت بتصريف الشهوة في الحلال، وأن يدرك خطر العشق المحرم وطريق النجاة منه بالعفة والصبر.
المحور الأول: محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أصل الإيمان وغاية سعادة القلب
يقرر الإمام ابن القيم أن المحبة النافعة في الحقيقة هي محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأصل هذه المحبة لا بد منه لكل مسلم، ولا يصح الإسلام إلا به. ثم يتفاوت الناس في درجاتها تفاوتًا عظيمًا، فبين محبة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام ومحبة غيرهما ما لا يعلمه إلا الله.
وهذه المحبة الخاصة هي التي تحمل العبد على الطاعة، وتُخفف عنه أثقال التكاليف، وتجعل البخيل سخيًّا والجبان شجاعًا، وتصفّي الذهن، وتروّض النفس، وتطيب بها الحياة في الحقيقة. وهي التي تُصلح السرائر يوم تُبلى السرائر، وتنير الوجه، وتشرح الصدر، وتُحيي القلب.
وكل محبة لغير الله تكون باطلة إلا إذا أعانت على محبته سبحانه وكانت فيه، فالمحبة المحمودة هي ما كانت لله وفي مرضاته.
المحور الثاني: محبة كلام الله علامة على محبة الله
من علامات محبة الله محبة كلامه. فمن أحب محبوبًا كان حديثه أحب شيء إليه. والقلب الصادق يلين ويخشع عند سماع القرآن، أما القلب المريض فينقبض عند ذكر الله وحده ويأنس بغيره، كما قال تعالى:
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45]
ويقول ابن القيم: إذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله فانظر إلى محبة القرآن في قلبك، وإلى التذاذك بسماعه مقارنةً بالتذاذ أصحاب الملاهي بسماع الغناء. ويُروى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قوله: «لَوْ طَهُرَتْ قُلُوبُنَا لَمَا شَبِعَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ»، وقد نبّه الشيخ إلى أن في إسناده ضعفًا مع صحة معناه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع القرآن من غيره، فقال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قال: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قال: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». فقرأ سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، فقال: «حَسْبُكَ»، فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه.
وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قالوا له: «ذكّرنا ربنا»، فيقرأ وهم يستمعون. وفي مقابل ذلك يذكر المؤلف حال من فُتن بسماع الشيطان من الغناء والمعازف ووصف النساء، حتى إنه لا يطرب للقرآن ولا يبالي به.
المحور الثالث: محبة الزوجة محبة مشروعة والنكاح دواء العشق
يبيّن الإمام ابن القيم أن محبة الرجل لزوجته لا يُلام عليها، بل هي من كماله. وقد امتنّ الله بها على عباده فقال:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]
وذكر سبحانه ما أحلّ لنا من النساء وما حرّم، ثم قال:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 26-28]
ونقل المؤلف عن طاوس في تفسير ضعف الإنسان أنه إذا نظر إلى النساء لم يصبر. وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ». وأوضح الشيخ أن المرأة ليست شيطانًا، وإنما يستعملها الشيطان في إثارة الشهوة. ومن فوائد الحديث أن يتسلّى الإنسان عن الحرام بالحلال من جنسه. وفيه أيضًا أن النكاح يكسر الشهوة.
ولهذا كان دواء العشق الذي شرعه الله النكاح، كما في الحديث المرفوع عند ابن ماجه: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النِّكَاحِ». وذكر المؤلف قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها بعد أن طلقها زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقد زوّجه الله إياها من فوق سبع سماوات فقال: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]. وكانت في ذلك حكمة تشريعية عامة، وهي إبطال أحكام التبنّي. وردّ الشيخ القصص الباطلة التي تُروى في هذه الحادثة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، ونبّه الشيخ إلى أنه حديث صحيح لكنه ليس في الصحيحين. وقال عن خديجة رضي الله عنها: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا». وقد حسد اليهود والمنافقون النبيَّ صلى الله عليه وسلم على ذلك فردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]. وذكر المؤلف حال إبراهيم وداود وسليمان عليهم السلام في ذلك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً».
المحور الرابع: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمحب والعدل بين الزوجات
شفع النبي صلى الله عليه وسلم لمغيث عند بريرة رضي الله عنها بعد أن عَتَقت وفارقته، وكان يمشي خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته. فقال لها: «لَوْ رَاجَعْتِهِ»، فقالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ»، قالت: لا حاجة لي فيه. وقال لعمه العباس: «يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا». ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم حبه لها مع أنها صارت أجنبية عنه، ولم يغضب على بريرة لردّها شفاعته.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل بين نسائه في القَسْم ويقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ»، يعني ميل القلب ومحبته لعائشة رضي الله عنها. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]، أي في الحب والجماع.
وذكر المؤلف أخبارًا عن السلف في جمعهم بين المتحابّين بالحلال، كما يُروى عن أبي بكر وعثمان وعلي ومعاوية رضي الله عنهم، وعن زبيدة امرأة هارون الرشيد، وسليمان بن عبد الملك. وقد نبّه الشيخ إلى ضعف أسانيد كثير منها. وذكر قول سعيد بن المسيب: «إنما تُلامون على ما تستطيعون من الأمر».
المحور الخامس: أقسام العشق وأحكامها
يقسّم الإمام ابن القيم العشق ثلاثة أقسام: الأول: عشق قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته أو جاريته. وهذا محمود لأنه يدعو إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، ويكفّ البصر والقلب عن التطلع إلى غير الأهل. الثاني: عشق مقت عند الله وبُعد من رحمته، وهو أضره على العبد في دينه ودنياه، وهو عشق المُرْدان من الصبيان. ولا يُبتلى به إلا من سقط من عين الله وطُرد عن بابه، وهو الداء الذي أهلك قوم لوط، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72].
الثالث: عشق مباح لا يملكه العبد، كمن وُصفت له امرأة جميلة، أو رآها فجأة من غير قصد، فتعلّق بها قلبه ولم يُحدث له ذلك معصية. فهذا لا يُعاقب عليه، والواجب عليه أن يكتم ويعفّ ويصبر، ويشتغل بما هو أنفع له، فيثيبه الله على صبره وعفّته.
ثم ذكر أن العشاق أنواع: منهم من يعشق الجمال المطلق، فيهيم قلبه بكل صورة جميلة، وعشقه واسع لكنه غير ثابت. ومنهم من يعشق الجمال المقيّد بشخص معيّن، فتجتمع محبته في واحد فتقوى. ومنهم من لا يعشق إلا من يطمع في وصاله بالحلال، وهو أعقل العشاق وأقواهم حبًّا. وختم الشيخ بالإشارة إلى الحديث المشهور: «مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ فَكَتَمَ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ»، وأنه حديث منكر لا يصح كما ذكر ابن عدي في «الكامل» وغيره من الحفاظ.
النقاط الرئيسية
- أصل محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم شرط في صحة الإسلام، والناس يتفاوتون في درجاتها تفاوتًا عظيمًا.
- المحبة الصادقة لله تخفف التكاليف وتطيب بها الحياة، وكل محبة لا تكون لله ولا تعين عليها فهي باطلة.
- محبة القرآن والتلذذ بسماعه ميزان يعرف به العبد مقدار محبته لله.
- محبة الرجل لزوجته محمودة، وهي من كماله، وقد امتنّ الله بها على عباده.
- النكاح هو الدواء الشرعي للعشق، كما في الحديث: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النِّكَاحِ».
- عشق المردان من أقبح أنواع العشق وأشدها خطرًا على دين العبد ودنياه.
- من ابتُلي بعشق لا يملكه فواجبه العفة والكتمان والصبر، وحديث «من عشق فعف...» منكر لا يصح.
الفوائد والعبر
- اختبر قلبك بحاله عند سماع القرآن. فإن وجدت فيه ثقلًا فعالجه بكثرة التلاوة والتدبر، وبالبعد عن سماع الغناء والمعازف.
- إذا رأيت ما يثير شهوتك فاصرفها إلى الحلال، وارجع إلى أهلك كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم.
- من وجد في قلبه ميلًا إلى امرأة تحل له فليبادر إلى طلبها بالنكاح الشرعي، فهو الطريق الذي شرعه الله لهذا الداء.
- احذر أسباب العشق المحرم من إطلاق النظر وسماع الأوصاف، وإن ابتُليت بشيء من ذلك فعليك بالعفة والكتمان والصبر والاشتغال بطاعة الله.
- تثبّت في نسبة الأخبار والأحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم والسلف، فليس كل ما اشتهر على الألسنة صحيحًا.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات