شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (1) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,714 مشاهدة
180 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الأول من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والكتاب في أصله جواب عن سؤال وُجِّه إلى ابن القيم، فأجاب عنه جوابًا مطولًا شافيًا. ويُعدّ من أعظم ما كُتب في أمراض القلوب وعلاجها، وفي محبة الله تعالى، وفي خطورة الذنوب والمعاصي وآثارها على العبد في دنياه وآخرته.

وتشتد حاجة المسلمين اليوم إلى دراسة هذا الكتاب لكثرة الشهوات والفتن والذنوب التي يقع فيها كثير من الناس. وكل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون. ويعتمد الشيخ في شرحه على طبعة الكتاب الصادرة تحت إشراف العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله.

ويتعلم المشاهد في هذا الدرس:

  • نص السؤال الذي بُني عليه الكتاب.
  • أن لكل داء دواءً، وأن الجهل داء دواؤه السؤال.
  • أن القرآن شفاء تام للقلوب والأبدان.
  • شروط انتفاع العبد بالرقية والدعاء، وموانع ذلك.
  • منزلة الدعاء في دفع البلاء.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: سؤال الكتاب وأن لكل داء دواءً

افتتح ابن القيم كتابه بذكر السؤال الذي وُجِّه إليه: «ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل ابتُلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق فما تزداد إلا توقدًا وشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟».

وبيّن الشيخ أن السائل لم يسمِّ بليته، وإنما وصفها وصفًا عامًّا. وقد فهم ابن القيم أنها مرض من أمراض القلوب، كالعشق والتعلق بالشهوات، فأجاب جوابًا جامعًا يصلح لكل مبتلى.

وبدأ ابن القيم جوابه بتقرير أصل عظيم، هو أن الله تعالى ما أنزل داءً إلا أنزل له دواءً. فمن أصاب الدواء المناسب للداء برئ بإذن الله، ومن لم يصبه بقي المرض.

ومن الأدلة على ذلك:

  • قال النبي ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً». (رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)
  • وقال ﷺ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». (رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما)
  • وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ». (أورده ابن القيم من مسند الإمام أحمد)

المحور الثاني: الجهل داء وشفاؤه السؤال

نبّه الشيخ إلى أن ابن القيم قدّم الكلام عن الجهل لأنه سبب كثير من الذنوب والمعاصي. فقد جعل النبي ﷺ الجهل داءً، وجعل دواءه سؤال العلماء.

واستدل بحديث جابر رضي الله عنه في الرجل الذي أصابه حجر فشجّه في رأسه، ثم احتلم. فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما بلغ ذلك النبيَّ ﷺ غضب وأنكر عليهم إنكارًا شديدًا؛ لأنهم أفتوا بغير علم.

وحذّر الشيخ من الفتوى بغير علم، ومن تصدّر الجهال في زمن يقلّ فيه العلماء. وبيّن أن الواجب على من لا يعلم أن يسأل أهل الذكر.

ومن الأدلة على ذلك:

  • قال النبي ﷺ في الرجل المشجوج: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». (رواه أبو داود)
  • قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
  • وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». (متفق عليه)

المحور الثالث: القرآن شفاء تام والرقية بالفاتحة

قرر ابن القيم أن القرآن كله شفاء، وأن «مِن» في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ لبيان الجنس، لا للتبعيض. فالقرآن شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، وشفاء للأبدان كذلك. ولم ينزل الله من السماء شفاءً قط أعمّ ولا أنفع ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن.

وذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الرهط من الصحابة الذين نزلوا على حي من أحياء العرب، فأبوا أن يضيفوهم. ثم لُدغ سيد الحي، فرقاه أحد الصحابة بالفاتحة على قطيع من الغنم، فكأنما نُشط من عقال.

واستفاد الشيخ من الحديث جواز أخذ الأجرة على الرقية، مع بيان أن التعفف عنها أفضل وأكمل.

ونقل تجربة ابن القيم نفسه حين أقام بمكة، وأصابته أمراض ولم يجد طبيبًا ولا دواءً، فكان يعالج نفسه بالفاتحة فيجد لها تأثيرًا عجيبًا. ثم صار يصفها لمن يشتكي ألمًا، فكان كثير منهم يبرأ سريعًا.

ومن الأدلة على ذلك:

  • قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].
  • وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44].
  • وقال ﷺ للراقي: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ... اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا». (متفق عليه)

المحور الرابع: شروط انتفاع العبد بالرقية وموانعها

بيّن ابن القيم أن الأذكار والآيات والأدعية التي يُستشفى بها نافعة شافية في نفسها، لكنها تستدعي أمرين:

  • قبول المحل، أي أن يتلقاها المريض بيقين وتصديق.
  • قوة همة الفاعل وتأثيره، أي أن يقرأ الراقي بيقين وإخلاص.

فإن تخلّف الشفاء، فذلك لأحد ثلاثة أسباب:

  • ضعف تأثير الفاعل.
  • عدم قبول المنفعل.
  • مانع قوي يمنع أن ينجع فيه الدواء.

وشبّه ابن القيم ذلك بالأدوية الحسية؛ فقد يتخلف أثرها لعدم قبول الطبيعة لها، أو لمانع يمنع اقتضاءها أثرها. ولهذا يسأل الطبيب المريض عن أحواله قبل أن يصف الدواء، لأن بعض الأحوال تمنع نفع دواء معين.

ومثّل الشيخ للموانع بالمعاصي ووجود المحرمات في البيوت، كالأغاني والأفلام والصور التي تمنع دخول الملائكة. فينبغي للمريض أن يطهّر قلبه وبيته من هذه الموانع، وأن يُقبل على الرقية بيقين تام. فإذا اجتمع يقين الراقي ويقين المرقي زال الداء بإذن الله.

المحور الخامس: الدعاء وأسباب ضعف أثره

الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب. لكنه قد يتخلف أثره لأسباب، منها:

  • ضعفه في نفسه، بأن يكون دعاءً لا يحبه الله لما فيه من العدوان.
  • ضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء.
  • وجود مانع من الإجابة، كأكل الحرام، والظلم، ورَين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو عليها.

وأفاد الشيخ أن ابن القيم أطلق على مستدرك الحاكم اسم «صحيح الحاكم» تبعًا لشيخه ابن تيمية؛ لأن الحاكم اشترط الصحة فيه. ونبّه على تساهل الحاكم في التصحيح، ونقل كلام ابن القيم في «الفروسية» في أن أهل الحديث لا يعتمدون على تصحيحه، إذ يصحح أحاديث ضعيفة بل موضوعة. وذكر أن حديث أبي هريرة في هذا الباب ضعيف الإسناد، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر حسّنه بعض أهل العلم.

ثم بيّن الشيخ أن الدعاء عدوّ البلاء: يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، أو يرفعه أو يخففه إذا نزل. وذكر أن للدعاء مع البلاء ثلاثة مقامات، وبدأ بشرح أولها: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيدفعه.

ومن الأدلة على ذلك:

  • قال ﷺ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ». (رواه الترمذي والحاكم)
  • وقال ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ». ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ». (رواه مسلم)
  • قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51].
  • وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172].
  • وعن أبي ذر رضي الله عنه: «يَكْفِي مِنَ الدُّعَاءِ مَعَ الْبِرِّ مَا يَكْفِي الطَّعَامَ مِنَ الْمِلْحِ».
  • وأما حديث: «الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» الذي رواه الحاكم، فقد نبّه الشيخ على ضعفه.

النقاط الرئيسية

  • كتاب «الداء والدواء» جواب لابن القيم عن سؤال رجل ابتُلي ببلية يخشى أن تفسد عليه دينه ودنياه.
  • ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً، علمه من علمه وجهله من جهله.
  • الجهل داء عظيم سبب لكثير من المعاصي، وشفاؤه سؤال أهل العلم، والفتوى بغير علم من أخطر الأمور.
  • القرآن كله شفاء للقلوب والأبدان، والرقية بالفاتحة لها أثر عجيب في الشفاء.
  • انتفاع العبد بالرقية يتوقف على قبول المحل، وقوة همة الراقي، وانتفاء الموانع كالمعاصي والمنكرات.
  • من أعظم موانع إجابة الدعاء غفلة القلب وأكل الحرام والظلم.
  • الدعاء عدوّ البلاء، يدفعه أو يرفعه أو يخففه، وتصحيحات الحاكم في المستدرك تحتاج إلى تثبّت.

الفوائد والعبر

  • لا تيأس من أي بلاء أو معصية تعلّقت بها، فلكل داء دواء، والمطلوب أن تبحث عن الدواء الصحيح وتأخذ به.
  • اسأل أهل العلم الموثوقين فيما يُشكل عليك من أمور دينك، واحذر من أخذ الفتوى عن غير المؤهلين.
  • اجعل القرآن، وبخاصة الفاتحة، رقية لك ولأهلك، وأقبل عليه بيقين تام أنه شفاء من الله.
  • طهّر قلبك وبيتك من المنكرات والمعاصي، فهي موانع تحجب أثر الرقية والدعاء.
  • تحرَّ الحلال في مطعمك ومشربك وملبسك، وادعُ الله بقلب حاضر موقن بالإجابة، فالدعاء من أنفع الأسباب في دفع البلاء.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات