شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (7) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,257 مشاهدة
170 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس بابًا مهمًّا من أبواب الكتاب، وهو باب الألفاظ التي يتداولها أهل النظر. ويبيّن فيه ابن حزم أن كثيرًا من الخطأ في العلم سببه أن الناس يتكلمون في المعاني ثم يختلفون في الأسماء، فيضعونها في غير مواضعها، فيختلط الحق بالباطل ويلتبس الأمر على الناس.

ولا يمكن فهم كلام الأئمة فهمًا صحيحًا دون ضبط المصطلحات. فالخطأ في فهم مراد العالم من لفظه يؤدي إلى نسبة أقوال إليه لم يقلها. لذلك وقف الشيخ عند الفرق بين اصطلاحات المتقدمين والمتأخرين، وشرح معنى الحدّ والرسم. ثم انتقل إلى مسألة كبيرة في الاعتقاد، وهي الواجب على المكلَّف في معرفة الحق، وهل يكفيه الإيمان المجمل.

ويسعى المجلس إلى أن يدرّب طالب العلم على تحرير الألفاظ قبل الحكم على المعاني، وأن يفهم الفرق بين تعريف الشيء بحقيقته وتعريفه بصفاته. كما يبيّن منهج السلف في قبول الإيمان المجمل من عامة الناس، ويرد على من أوجب النظر والشك أولًا قبل الإيمان.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الكلام في الألفاظ وخطورة الخلط بين الأسماء والمسميات

افتتح الشيخ المجلس بقول ابن حزم إن كثيرًا ممن تكلموا في المعاني وقعوا في الغلط بسبب الأسماء، فأوقعوها على غير مسمياتها، ومزجوا بين الحق والباطل، فكثر الشغب والالتباس. ولهذا قرر ابن حزم أن يبيّن معاني الألفاظ قبل الكلام في الأحكام.

ثم أوضح الشيخ القاعدة في ذلك: إذا اتفق المتخاطبون على معنى اللفظ فلا إشكال، وإذا اختلفوا فيه وجب أن يبيّن كل واحد منهم مراده. فقد يطلق أحدهم اللفظ بمعنى ويفهمه الآخر بمعنى غيره، فيبدو بينهما خلاف وهو في الحقيقة غير موجود، أو يقع خلاف حقيقي لكنه يُخفى تحت لفظ مشترك بينهما.

ونبّه الشيخ إلى أن بيان المعاني وعدم التلبيس على الناس من الأمانة في العلم، وأن التلبيس على الناس في دينهم نوع من كتمان العلم الذي أخذ الله الميثاق على أهله أن يبيّنوه.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].

المحور الثاني: مصطلحات المتقدمين ومصطلحات المتأخرين (لفظ «المكروه» مثالًا)

ضرب الشيخ مثلًا بلفظ «المكروه». فقد استعمله كثير من الأئمة المتقدمين، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله، بمعنى التحريم. وكثيرًا ما يتحرّج الإمام أحمد من التصريح بلفظ التحريم، فيقول: «أكرهه» أو «لا يعجبني» أو «لا ينبغي»، ومراده المنع.

ثم جاء بعض المتأخرين فاصطلحوا على أن المكروه هو ما يُثاب تاركه ولا يُعاقب فاعله، وحملوا ألفاظ الأئمة على هذا الاصطلاح الحادث. فنسبوا إلى الأئمة إباحة أشياء كانوا يحرّمونها. وهذا خطأ منهجي سببه إنزال اصطلاح متأخر على كلام متقدم.

وتعرّض الشيخ كذلك لتفريق الحنفية بين الفرض والواجب، وبين المكروه كراهة تحريم والمكروه كراهة تنزيه. فما ثبت عندهم بدليل قطعي سموه فرضًا أو حرامًا، وما ثبت بدليل ظني سموه واجبًا أو مكروهًا تحريمًا. فلا بد من معرفة اصطلاح كل مذهب حتى لا يُفهم كلامه على غير وجهه.

المحور الثالث: الحدّ والرسم والتعريف

شرح الشيخ معنى الحدّ عند ابن حزم: هو لفظ يدل على طبيعة الشيء المخبَر عنه وحقيقته. ومثّل لذلك بتعريف الجسم بأنه الطويل العريض العميق، أي ما له أبعاد ثلاثة. فهذا وصف لحقيقته يميّزه عن غيره، فالخط له طول فقط، والسطح له طول وعرض، ولا يكون جسمًا إلا ما اجتمعت فيه الأبعاد الثلاثة.

أما الرسم فهو تعريف الشيء ببعض صفاته التي تميّزه عن غيره دون أن تكشف حقيقته، كأن تقول في الإنسان: هو الضاحك. فهذه صفة تميّزه، لكنها ليست حقيقته، ولو فُرض زوالها لم تزل عنه الإنسانية.

وبيّن الشيخ أن كلًّا من الحدّ والرسم يُسمّى تعريفًا، وأن ابن حزم صاغ هذه المعاني بعبارات قريبة من فهم طالب العلم. وأشار إلى كتابه «التقريب لحدّ المنطق» الذي أراد به تقريب هذه القواعد وتخليصها من التعقيد الذي غلب على كتب أهل المنطق.

المحور الرابع: طرق تحصيل اليقين والواجب على الناس في اعتقاد الحق

ذكر الشيخ أن العلم اليقيني عند ابن حزم يحصل بطرق، منها إدراك الحواس، وضرورة العقل، والبرهان الراجع إليهما. ومن ذلك اتباع ما أمر الله تعالى باتباعه، فهو الحق الواجب.

ثم قرر أن الواجب على كل أحد أن يعتقد الحق ويقول به. وقد دعا رسول الله ﷺ الناس كافة إلى الإيمان بالله تعالى وبما جاء به، ولم يشترط عليهم أن يكون ذلك عن نظر واستدلال. بل قبل الإيمان من العالم والجاهل، والحر والعبد، والصغير والكبير، وعلى هذا أجمعت الأمة إلى يومنا.

ونهى الله تعالى عن القول بغير علم، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، وقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

المحور الخامس: الإيمان المجمل والإيمان المفصّل والرد على أهل الكلام

فرّق الشيخ بين الإيمان المجمل والإيمان المفصّل. فالإيمان المجمل هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بأصول الشرائع كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وبأن الله لا يقبل الشرك. وهذا يُطالب به كل مسلم. أما الإيمان المفصّل بدقائق المسائل وتفاصيلها فيتفاوت فيه الناس، ويختص به أهل العلم.

واستدل الشيخ بقصة ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه حين سأل النبي ﷺ: «فَأَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ». فاكتفى النبي ﷺ منه بذلك. واستدل كذلك بحديث الأعرابي الذي قال: «وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ»، فقال رسول الله ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» [متفق عليه].

وردّ الشيخ على من أوجب من المتكلمين النظر أو الشك أولًا، أو التوقف في إيمان العامي حتى يستدل بالبرهان. وبيّن أن هذا القول مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. ثم ذكر أن كثيرًا من كبار المتكلمين، كالجويني والغزالي والرازي، انتهى بهم الأمر بعد طول الخوض إلى الحيرة، حتى قال بعضهم: «أموت على دين العجائز»، أي الإيمان المجمل الفطري.

وأشار إلى أن مشركي العرب كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق، وإنما أشركوا في العبادة، كما حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]. فمعرفة الله مركوزة في الفطرة، ولا يحتاج الإيمان بها إلى مقدمات المناطقة والفلاسفة.

النقاط الرئيسية

  • كثير من الغلط العلمي سببه وضع الأسماء على غير مسمياتها، فيجب تحرير الألفاظ قبل الحكم على المعاني.
  • إذا اختلف المتخاطبون في معنى لفظ وجب أن يبيّن كل منهم مراده، حتى لا يقع خلاف وهمي أو يُخفى خلاف حقيقي.
  • لا يجوز حمل كلام الأئمة المتقدمين على اصطلاحات المتأخرين، فلفظ «المكروه» عند السلف كثيرًا ما يراد به التحريم.
  • الحدّ يكشف حقيقة الشيء وطبيعته، والرسم يميّزه ببعض صفاته، وكلاهما يُسمّى تعريفًا.
  • العلم اليقيني يحصل بالحس وضرورة العقل والبرهان الراجع إليهما، وباتباع ما أمر الله باتباعه.
  • قبل النبي ﷺ الإيمان المجمل من عامة الناس دون أن يشترط النظر والاستدلال، وعلى ذلك أجمعت الأمة.
  • إيجاب الشك أو النظر قبل الإيمان قول مُحدَث، وقد انتهى ببعض كبار المتكلمين إلى الحيرة والرجوع إلى إيمان الفطرة.

الفوائد والعبر

  • قبل أن تنسب قولًا إلى إمام، تأكّد من مراده بألفاظه واعرف اصطلاح عصره ومذهبه.
  • في الحوار والمناظرة، ابدأ بتحرير محل النزاع وتحديد معاني الألفاظ، فهذا يختصر كثيرًا من الجدل.
  • بيان العلم للناس بوضوح أمانة، والتلبيس عليهم في دينهم من كتمان الحق الذي توعّد الله عليه.
  • لا تشغل نفسك ولا غيرك بمقدمات الفلاسفة وأهل الكلام في أصل الإيمان، فطريق القرآن والسنة أوضح وأسلم.
  • لا تتوقف في إسلام من نطق بالشهادتين والتزم شرائع الإسلام، ولا تشترط عليه ما لم يشترطه النبي ﷺ.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات